الإيزيديون.. أبناء الخوف والعزلة

| |






إنها مأساة ألّا يعطي العالم اهتمامه، بشكل جيّد، لمجتمعات وأقليات منسية، إلا في لحظات الخطر الأكبر.
وحين أخذت المواطنة العراقية الإيزيدية، نادية مراد -التي فرت من أَسْر تنظيم "داعش" لها- تروي لممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي شهادتها عن جرائم التنظيم الإرهابي ضد أبناء طائفتها، برزت قضية الإيزيديين الذين ظل نحو 40 ألف شخص منهم عالقين في القمم الصخرية لجبل سنجار في العراق، ليكونوا ضحايا جرائم تنظيم "داعش" الذي قتل الذكور واستباح واغتصب النساء وأقام سوقـًا للنخاسة لبيع وشراء الفتيات.
الإيزيديون طائفة دينية تنتمي عرقيـًا إلى الأصول الكردية، يتركز وجودهم في العراق وسوريا، ويعيش أغلبهم قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار في العراق، وتوجد مجموعات أصغر في تركيا، وألمانيا وجورجيا وأرمينيا.
يعد اسم الإيزيدين أحجية بحد ذاتها؛ إذ تقول الأبحاث الحديثة إن اسمهم مأخوذ من اللفظ الفارسي "إيزيد" الذي يعني الملاك أو المعبود، وتعني كلمة الإيزيديين ببساطة "عبدة الرب" أو هكذا يصفون أنفسهم.
أما الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم فهو "الدواسين"، وهو اشتقاق من اسم "ديوسيس" -أو أبرشية- المأخوذ من المعتقد النسطوري الكنسي القديم في الشرق، حيث استنبط الكثير من معتقداتهم من الديانة المسيحية. كما أنهم يوقرون القرآن والإنجيل معـًا، غير أن جزءًا كبيرًا من تراثهم يعتبر شفهيـًا.
ونتيجة للسرية التي تكتنف معتقداتهم، فإن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة بأن معتقد الإيزيدية المعقد له ارتباط بالديانة الزرادشتية المجوسية، بل وحتى عبادة الشمس. إلا أن دراسة حديثة أظهرت أنه وبالرغم من أن أضرحتهم غالبـًا ما تزين برمز الشمس، وأن مقابرهم تشير إلى جهة الشرق في اتجاه الشمس، فإنهم يستقون بعض شعائرهم الدينية من المسيحية والإسلام أيضـًا.
ومن الطريف أن بعض الباحثين يزعمون أن اسم الإيزيديّين جاء من اسم الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية، لكن مؤرخين يرفضون هذه الفرضية ويفندونها.
يُقدّر العدد الإجمالي للإيزيديّين في العالم بما بين خمسمائة ألف وسبعمائة ألف شخص، وتقول بعض الإحصائيات إن نحو سبعين ألفـًا من الموجودين منهم في العراق -أو ما يوازي 15% منهم- لجؤوا إلى أوروبا هربـًا من الاضطهاد والتصفية.
أهم قبائلهم هي الشهوان والحياليون والجحش والهبابات والمسقورة وعمرا وعبيدي وهراقي، ويتكلم الإيزيديون في بعشيقة اللغة العربية (لهجة شامية) كلغة أم. أما الإيزيديون في سنجار يتكلمون اللغة الكرمانجية -إحدى لغات الأكراد الأربع- وهذه اللغة هي التي تستخدم لديهم في صلواتهم وأدعيتهم وجميع طقوسهم. 
وحسب الأسطورة الإيزيدية، فإن شعبهم ينحدر من سلالة خاصة تختلف عن بقية البشر، فهم أبناء آدم فقط وبقية البشر أبناء آدم وحواء.
الشخصيتان الأساسيتان في الديانة الإيزيدية هما: عدي بن مسافر، و"طاووس ملك" الذي ينظر إليه أنه المقابل للشيطان في الديانات الأخرى، وهذا هو سبب وصف أتباع الديانات الأخرى للإيزيديين بأنهم "عبدة الشيطان".
في صورة العالم عند الإيزيديين، خلق الله العالم، وهو الآن تحت إشراف سبعة من الملائكة الذين يسمّون "السبعة الأخفياء"، أكبرهم هو "الملك طاووس" الذي يؤمن الإيزيديون أنه ليس مصدر الشر، ولكن مصدر الشر يكمن في قلب الإنسان.
ويختلف المعتقد الإيزيدي بخصوص خلق الإنسان عن الإسلام والمسيحية واليهودية. فهم يعتقدون "أنّ الله خلق الملك طاووس من نوره الذاتي، ثم بعد ذلك سائر الملائكة الذين أمروا بجلب التراب والأرض من البلاد لبناء جسم الإنسان".
ويقولون: "حينها نفخ الله في الإنسان روح الحياة وأمر جميع الملائكة بالسجود للإنسان. أطاعه جميع الملائكة باستثناء الملك طاووس الذي رفض الرضوخ أمام من خُلق من تراب، بينما هو مخلوق من نور الله. وأثنى الله على طاووس، وجعله نائبًا له ورئيسـًا لبقية الملائكة"، حسب اعتقادهم.
عدي بن مسافر هو الشخصية البشرية الأكثر محورية في الديانة الإيزيدية. فهم يتناولون اسمه بعظيم التبجيل والاحترام، ويعدون قبره في منطقة لالش شمالي الموصل أكثر المناطق تقديسـًا على وجه الأرض، حيث يعتبرونه "مجدد" الديانة. ويعتبره عدد من المؤرخين، أصل الديانة الإيزيدية ومؤسسها.
ويقول البعض إن الإيزيديين تعرضوا عبر التاريخ لـ72 إبادة جماعية، جعلتهم منزوين عن العالم متقوقعين اجتماعيـًا، وبات الخوف من الغرباء سمة أساسية في مجتمعاتهم.
وكانت أول عملية إبادة خلال فترة الخليفة العباسي المعتصم سنة 224هـ. وفي عام 2007 خلال الاحتلال الأميركي في العراق، قُتِل المئات منهم بانفجار سيارات مفخخة في معقلهم الرئيس شمالي العراق. أما أحدث المذابح التي تعرضوا لها فكانت وقت سقوط الموصل عام 2014 على يد تنظيم "داعش" عام 2014..
ويرأس الجماعة الإيزيدية أمير تعتبره الديانة ممثل الملك طاووس على الأرض، ويقوم بتمثيل أتباع الطائفة في جميع المؤتمرات الوطنية والدولية. ينحدر هؤلاء الأمراء جميعـًا من عائلة واحدة تعرف بعائلة "العقيد".
وتقسم الإيزيدية أتباعها وفق نظام معين من الطبقات وضع أسسه عدي بن مسافر نفسه، وهو مكون من ثلاث طبقات رئيسية:
طبقة الشيخ: الطبقة الأكثر تبجيلاً، والتي ينحدر أعضاؤها من الشيوخ الذين تجلت بهم الملائكة الستة، طبقة البير: وتعني بالكردية "العجوز"، وينحدر أعضاؤها من "بير علاء" وهو أحد أصحاب عدي بن مسافر. طبقة المريد: ويمثلون غالبية الإيزيديين، حيث إن كل من لا ينتمي لإحدى الطبقتين السابقتين، فهو من طبقة المريد.
ويحرّم التزاوج بين الطبقات، حيث لا يجوز أن يتزوج شخص من طبقة المريد من امرأة من طبقة الشيخ، والعكس صحيح.
وينقسم الكهنة إلى أقسام تعتبر مهنـًا يستطيع الإيزيدي أن يختار التوظف بها، وهم ثلاثة أنواع:
الفقير: وهو أعلى مستوى من الكهنة، ويجب أن لا يكون قد تلاعب بلحيته وشاربه بتاتـًا منذ ولادته.
القوال: وهم قارئو التواشيح الدينية الايزيدية، حيث يتناقلون حفظ التراث الديني أبـًا عن جد ويتركزون بشكل رئيسي في مدن بعشيقة وبحزاني.
العرافين: وهم العاملون في معبد لالش، ويعتقد الإيزيدية أنهم يملكون قدرات روحية خاصة.
يقول الإيزيديون إنهم موحدون ولديهم كتابان مقدسان هما: كتاب "الجلوة"، و"رش" (الكتاب الأسود)، وهم يصومون أكثر من مرة في السنة، كما يصلون خمس مراتٍ في اليوم، وهذه الصلوات هي: صلاة الفجر، صلاة الشروق، صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة الغروب. يواجه المصلون الشمس في جميع الصلوات ما عدا صلاة الظهر، حيث يتوجهون إلى لالش وهو المعبد الدينى الأساسى لدى الإيزيديين.
أما الشمس فهي -حسب معتقداتهم- "أعظم ما خلقه الله"، كما يؤمنون بالتقمص وتناسخ الأرواح، ويُعمّد أطفالهم عند ولادتهم، ويشيع بينهم الختان وإن لم يكن إلزاميـًا.
يتزوّج الإيزيديون من امرأة واحدة، أما الشخصيات البارزة فقد تتزوج بأكثر من امرأة. ولا يتزوج الإيزيديّون من الأكراد من خارج طائفتهم، ولا يقبلون المتحوّلين إلى ديانتهم. ويُعد العقاب الأكثر خطورة في مجتمعهم هو المقاطعة، مما يعني الطرد من الدين وإهدار دم المقاطع.
يوم الأربعاء مخصص لعبادتهم لأنه في عقيدتهم يوم خلق الكون، وهو يستدعي أن يعطّل الناس أشغالهم، لكن هذا ليس بالأمر الحتمي.
أعياد الإيزيدية هي عيد رأس السنة وعيد الميلاد وعيد أربعانية الصيف وعيد القربان وعيد الجماعة وعيد ئيزيد وعيد خضر إلياس وعيد العجوة و عيد أربعانية الشتاء وعيد المحيى.
ويقوم البير، وهو مسمى يطلق على إحدى طبقات رجال الدين عند الإيزيديين، بتعميد الأطفال بمياه مباركة، كما أنه وفي مراسم الزواج يقسم رغيف خبز إلى نصفين يعطي أحدهما للعروس والآخر للعريس، وترتدي العروس فستانـًا أحمر وتزور الكنائس المسيحية.
وفي شهر ديسمبر، يصوم الإيزيديون لثلاثة أيام قبل أن يشربوا الخمر مع البير. وفي الفترة ما بين الخامس عشر والعشرين من سبتمبر، يحج الإيزيديون إلى ضريح الشيخ عدي في لالش شمال مدينة الموصل، حيث يؤدون هناك بعض طقوس الاغتسال في النهر، وتقديم القرابين من الحيوانات، وعمليات الختان.
ويعرف إلههم الأعظم باسم "ئيزدان"، ويحظى بمكانة عالية لديهم بحيث لا يمكن عبادته بشكل مباشر، ويعتبرونه صاحب قوة كامنة، فمع أنه هو خالق الكون إلا أنه ليس حارسه.
وهناك سبعة أرواح أخرى تنبثق عن هذا الإله، أعظمها هو الملَك طاووس، المنفذ الفاعل للمشيئة المقدسة. وكان الطاووس في المسيحية القديمة يرمز إلى الخلود، لأن لحمه لا يفسد. ويعتبر الملك طاووس عند الإيزيديين تجسيدًا لذات الإله ولا ينفصل عنه؛ لذا فإن هذه الديانة تعتبر من الديانات التوحيدية، حسب الإيزيديين.

في عام 2012 أقر مجلس النواب العراقي تأسيس ديوان "أوقاف الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية"، ويمتلك الإيزيديون مقعداً في مجلس النواب العراقي ، ومقعداً في مجلس محافظة نينوى ومجلس قضاء الموصل، كما يمتلك الإيزيديون أيضاً نائباً في البرلمان الأوروبي.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الإيزيديون.. أبناء الخوف والعزلة"

أكتب تعليقا