الراسبون

| |




في اختبار "النخب".. لم ينجح أحد!
كلهم سقطوا؛ النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والدينية.
فشل هؤلاء وغيرهم في تصحيح المسار الديمقراطي وإقامة دولة المؤسسات وتحقيق الحد الأدنى من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية للمواطن المصري. لم نجد سوى الأداء المرتبك والمربك، والصراعات التي يشوبها التهافت، وكأن هذه النخب بتنوعاتها استحالت في مراحل متعاقبة من نعمة إلى نقمة أو خيبة أمل كبرى.
أحد تجليات الفشل تمثل في مجلس النواب، الذي شهد في بدايته عام 2016 أخطاء ووقائع مثيرة بالجلسة الإجرائية، حيث أخطأ أعضاء في أداء اليمين الدستورية.
وبينما رفع أحد الأعضاء من حزب "النور" السلفي، المصحف بدعوى وضع ورقة أداء اليمين داخله، حلف النائب مرتضى منصور بالطلاق بأن لا ينطق بالقسم كما هو، فالرجل يرفض ديباجة الدستور (المؤيدة لثورة يناير)، وأخطأ وكيلا المجلس في قراءة آيات قرآنية. وقدم كمال أحمد نائب محافظة الإسكندرية استقالته رفضـًا للأوضاع التي تشبه السيرك.

وصف كثيرون الوقائع المذكورة بالهزلية نتيجة استخدام المال السياسي في الانتخابات التي أتت بأعضاء لا يتمتعون بكفاءة تذكر، في حين أرجعها خبراء لعدم وجود خطاب سياسي متماسك.
فشلت النخب -والوصف على سبيل المجاز- في لعب الدور المنتظر منها، وانخرطت في لعبة الإقصاء والتخوين، كما لو أن ميزة "الاصطفاء" -بغض النظر عن مدى الاستحقاق- تجر وراءها دائمـًا نقيصة "النبذ" المحجوزة للخصوم الذين يغردون خارج السرب المهيمن على المشهد. هكذا أصبح مألوفـًا الإمعان في الإساءة مع المختلف سياسيـًا، وانتهاك اللغة باستخدام ألفاظ ونعوت خارجة، في إطار السجال السياسي البذيء والسوقي الدائر بين مختلف الأفراد والقوى، ربما بسبب التداخل بين لغة المثقفين والعوام، وصعود نجومية الأعلى صراخـًا والأقل تهذيبـًا.
تقاعست "القوة المائعة" من تلك النخب، عن هموم الوطن تقاعسـًا اتخذ أشكالًا عدة، منها مثلًا التجاهل التام لكل ما يجري في ربوع الوطن بلا أي حراك فاعل لهم بين الجماهير؛ ومنها أيضـًا الالتفاف على الهموم الحقيقية للمصريين بالانشغال في هموم أخرى خارجية تكفل لهم البريق الإعلامي الخارجي من دون أن تكلفهم التنازل عن امتيازاتهم المحلية غالبـًا.
أما أسوأ أشكال التقاعس فهو التعالي على صوت الجماهير واعتبار هذه الجماهير مجرد غوغاء تمارس الصراخ في الشارع، وبالتالي فإنه ينبغي عدم الانشغال بسماع ما تقول.
وفي حقيقة الأمر، فإن "المجتمع بكليته هو الذي يتغير ويعاد إنتاجه، بالاشتغال المتواصل على نفسه عبر قراءته لواقعه وتخيله لذاته، وتلك مهمة يشارك فيها المجتمع بكل قطاعاته وفعالياته، وبكل سلطاته ومشروعياته. أما أن تدّعي فئة، تسمي نفسها الطليعة الواعية أو النخبة المستنيرة، الاضطلاع بعمل التنوير والتحرير والتغيير، فتلك مهمة أثبتت فشلها ودفعت البشرية ثمنها جهلًا وتفاوتـًا واستبدادًا".
إن افتقاد الكفاءة مرضٌ أصاب النخب السياسية في الحُكم والمعارضة على حدٍ سواء، حتى صارت تلك النخبة من أسباب النكبة، بسبب انشغالها بالصراع على السلطة، ودفاعها عن مصالح آنية وضيقة، ولجوئها إلى ممارسات ومواقف تميل إلى الهدم لا البناء، وتعمق معاني الصدع والشق في الجماعة الوطنية.
أزمة النخبة أعم وأوسع نطاقـًا مما نتصور، وهي من أخطر ما ابتلينا به في زماننا. ذلك أن المثقف إذا تخلى عن الاستماع إلى صوت ضميره وسوَّغ لنفسه أن يتخلى عن مسؤوليته في الجهر بكلمة الحق فإنه يخون رسالته ويفقد شرعيته.
وإذا كانت مصر قد عرفت مفهوم النخبة الحديثة، مع تأسيس دولة محمد علي باشا، على نسق الدولة الأوروبية الحديثة، لتشهد البلاد نخبة اكتسبت وظيفتها الاجتماعية عبر التأهيل العلمي والمهني، فإن الوقائع تسجل بدء سياسة تغليب الكم على الكيف مع دخول مصر العصر الجمهوري. في تلك الفترة، تسربت فكرة أن جهاز الدولة وعاء للمجاملات الشعبية والاجتماعية، وبدأت سياسة عدم احترام المعايير عند التوظيف في كثير من المواقع، من أعلاها إلى أدناها، وشهدنا تفشي أمراض الترهل والتسيب -بالتدريج- لتكون هي الأصل الذي ييأس المصلحون من مجرد التفكير في مواجهته، ناهيك عن التفكير في إمكانية الانتصار عليه.
النخبةُ -في تعريفها الجامع- حالة عقلية أخلاقية تُعبر عن تصور ما للمصالح الذاتية والوطنية، في لحظة مخصوصة من تاريخ الشعب الذي تقوده. تحت هذا المعنى سقطت نخبة بكاملها، الحاكم منها والمعارض، المدني منها والديني، الفاسد منها والصالح. حدث هذا عقب صلاة الجمعة في 28 يناير ٢٠١١، ثم تكرر السقوط، وهوت -إلى قاع التاريخ- نخبةٌ أخرى في 30 يونيو ٢٠١٢.
سقطت نُخبتان سقوطـًا كاملًا، بالمعنى الوجودي والتاريخي والوظيفي، وربما لن تعود أيٌّ منهما بصفاتها وخصائصها القديمة التي ثبت عدمُ صلاحيتها.
وهنا يكمن جوهر الأزمة العميقة التي تشهدها الدولة المصرية؛ إذ تتعرضُ حاليـًا لأسوأ موجات التدهور والفشل، دون وجود نخبة مؤهلة وجاهزة للنهوض بها من عثرتها. بات أمام الدولة أحدُ خيارين: الخيار الأول: أن تفقه أن تأسيس جمهورية جديدة ناجحة يستدعي ما فعله محمد علي باشا، أي تأسيس وخلق نخبة جديدة لإدارة جميع مرافق الدولة. الخيار الثاني: أن تُعيد إنتاج النخبة القديمة، وهي نخبة العقود الأخيرة من العهد الجمهوري، مع تطعيمها -كما حدث- برئيس جديد -عبدالفتاح السيسي- والرئيس الجديد يستلهم روح رئيس قديم -جمال عبدالناصر- وهو الذي بدأت على يديه مسيرةُ انحدار النخبة المصرية، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه.
على مدى عقود، تعرضت النخبُ السياسية المصرية لمجموعة من الانتقادات تمحورت حول ثلاثة عناصر: أولها، الطابع الشخصاني وغير المؤسسي لها بما ترتب على ذلك من عدم العمل من خلال مؤسسات والتشتت الهيكلي والتنظيمي لها. وثانيها، عدم الارتباط بقواعد وقوى اجتماعية وعدم تمثيلها لمصالح تلك القوى، فهي إما متعاونة ومشاركة في نظم تسلطية غير ديمقراطية، أو إصلاحية وفقـًا لأفكار وتصورات لم تبذل النخبة جهدًا كافيـًا في إكسابها طابعـًا وطنيـًا ومحليـًا أو تحديثية وثورية من منطلق الوصاية على الجماهير. وثالثها، عدم قدرة النخب على تقديم رؤى سياسية واجتماعية تعبر عن واقع بلادها وتستشرف آفاق مستقبلها؛ لذا، لم يكن غريبـًا أن الانتفاضات الثورية - مثل 25 يناير و30 يونيو- نبعت من خارج النخب السياسية التقليدية المعارضة.
العوامُ في مصر تابوا مرَّتين، واستغفروا الله مرّتين، حين أعلنوا الثورة مرّتين.
فمتى يتوبُ الخواصُّ -أي النخبة- من الغفلة؟

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الراسبون "

أكتب تعليقا