العصا والمطرقة: صراع السلطة والقضاء

| |






العدل عنوانه الوحيد: الحرية.
فلا عدالة منتظرة من وراء قيود الحديد أو الحرير، ولا ثمرة حقٍ يمكن أن نجنيها من تكميم الأفواه.
ليس هناك أخطر على الأمم من غياب العدل وإهدار قيمة القانون وأحكام القضاء.
لكن السلطة لا تدري.. ولا تتعلم.
فالسلطة، أو الولاية، "هي إنفاذ القول على الغير"؛ لذا سمعنا في التاريخ عن مصطلح "الأحكام السلطانية" التي قد لا تتفق بالضرورة مع مبادئ الحقوق والحريات ورد المظالم.
تبحث السلطة التنفيذية عادةً عن رخصة استبداد، أو بنية تحتية للتسلط والوصاية. والضحية الأولى لهذا المسعى هي العدالة، التي تمثلها السلطة القضائية.
ليس صدفة، إذًا، أن يحظى القضاء بمكانة خاصة في الأنظمة الديمقراطية، وليس غريبـًا أن يكون في وضع استصغار في البلاد التي تعذر عليها استنبات الديمقراطية في مؤسساتها. وبقدر وجود ضمانات سياسية ودستورية ومؤسسية وثقافية تحفظ للقضاء استقلاله ونزاهته وقدرته على أداء مهامه بعيدًا عن مصادر الضغط والتدخل، بقدر ما تكون هذه الدولة أو تلك ديمقراطية.
إن ثمة وعيـًا متزايدًا بأهمية صون استقلال القضاء وأهله في مجمل التشريعات الحديثة؛ إذ لا يكفي النص صراحة في الدساتير على مبدأ استقلالية القضاء، بل لا بدَّ من تعزيز ذلك بإجراءات وضوابط تنظيمية في القوانين والتشريعات الأخرى ذات الصلة، علمـًا بأن استقلال القضاء يحتاج أيضـًا إلى بيئة حاضنة له، أي إلى سياق سياسي ومجتمعي وثقافي، يلزم الدولة باحترام القضاء وأحكامه ويحفز المجتمع على تمثل قيمة القانون والامتثال لأحكام القضاء وضوابطه.
في مصر، تبدو الصورة بالغة التعقيد والتشويش، بما يحتاج إلى إعادة ضبطها، لترسيخ مبدأ سيادة القانون ومفهوم استقلال القضاء، ومعنى الفصل بين السلطات.
وبالإضافة إلى الملف الأمني وشجون الإعلام، فإن هناك إصلاحـًا آخر يبدو ضروريـًا وفق القواعد الدستورية في المؤسسة القضائية تأكيدًا لاستقلالها، بما يحفظ الثقة العامة فيها التي تضررت بفداحة في السنوات الأخيرة.
وإذا كنا ننتقد الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية على حساب السلطة القضائية، وهو ما يفتح المجال أمام إجراءات تعسفية، فإننا نطالب أيضـًا بفصل القانون عن السياسة وتصحيح سجل الدولة في ما يتعلق بالملاحقات القضائية، التي يرى البعض أنها انتقائية، وذلك عبر ترسيخ إجراءات عدالة انتقالية جادة وسليمة تتسم بالاستقلال والحياد.
إن أبرز التحديات الكبرى للنظام القضائي في مصر تتعلق باستقلال السلطة القضائية وكيفية الحد من تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاة، بالإضافة إلى تحسين وضع المرأة في النظام القضائي.
ولا جدال في أن مبدأ الفصل بين السلطات يُشكّل ضمانة أساسية لمصداقية الحُكم من جهة ولتوزيع السلطات من جهة ثانية، ولإتاحة تطبيق حُكم القانون من جهة ثالثة ولمراعاة حقوق الإنسان من جهة رابعة.
نعرف جميعـًا أن هذا النظام القضائي عريق وله تقاليده الراسخة، ونعلم أيضـًا أن النظام القضائي مثل أي كائن حي، يتطور ويتغير ويحتاج بين الفينة والأخرى إلى المراجعة والتقييم، لفهم التحديات وتحديد العقبات وإدراك المتغيرات، حتى يتمكن من التخطيط للمستقبل على أسس سليمة وبخطى واثقة.
وإذا كانت السلطة التنفيذية تحاول تطويع السلطة القضائية في أي مرحلة من المراحل، فإن من واجبنا التحذير والتنبيه، والاقتراح والتوجيه، لعلنا نتمكن من الحفاظ على مبدأ احترام التعاون والتكامل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والقضائية والتشريعية) دون تغول أو تجاوز ينال من إحداها على حساب الأخرى.
لا جدال في أن استقلال القضاء هو مفهوم أساسي يتعلق بقيام نظام سياسي مستقر، تواترت فيه تقاليد العلاقة بين سلطاته المختلفة في طريق واضح لتحقيق أهداف ذلك النظام وإضفاء الشرعية القانونية على سياساته ووسائله في إنفاذ هذه السياسات.
هذا التصور يعني بوضوح أننا مازلنا نحاول دون أن يكتمل الوصول، ويشير إلى أن ملامح العلاقة المستقبلية بين القضاء وباقي سلطات الدولة مازالت ملامح غامضة وغائمة، وهو ما ينذر بأخطار كبيرة وصدامات عنيفة بين الجانبين في أي لحظة.
إن المجتمع النابض بحُبِّ الحق والحرية والعلم والعدل، يستحق التقدم وتجاوز العثرات والكبوات. لذلك، وإن كان التحريض على الأمل واجبـًا، فإنه يبقى التحذير من آفة التمني ضرورة. لن يكون التغيير سهلاً، في ظل الصراع على النفوذ في مؤسسات الدولة، وعدم وجود تكامل حقيقي بين السلطات الثلاث وفق أسس واضحة.
الصراع بين السياسة والقضاء في مصر عميق الجذور ويرجع إلى سنوات بعيدة، وكم شهدنا فتراتٍ من تسييس القضاء أو الاجتراء على النظام القضائي والعاملين فيه، وكم عاصرنا من عناوين لافتة تتحدث عن إصلاح القضاء وهي تقصد إخضاعه أو إسقاطه.
مما لا شك فيه أن إصلاح القضاء والمنظومة القضائية والتشريعية وتنقية القوانين، هو هدفٌ نبيل نتفق معه شكلاً وموضوعـًا، غير أنه من الضرورة بمكان تحقيق هذا الهدف بطريقةٍ لا تُعرِّض المجتمع لفوضى، بل بالتدريج، وعن طريق خبراء متخصصين، وليس عن طريق سياسيين كل هدفهم دعم نفوذ السلطة التنفيذية أو الانتصار لفصيلهم والتمكين له.
المهم أن ندرك أن إقامة العدل مواجهةٌ صريحةٌ مع إرث الفساد ومع تركة الاستبداد، وهو ما يستدعي حشد الجهود وشحذ الهمم؛ لأنها مواجهة مصيرية بحثـًا عن ملامح مستقبل أفضل لمصر وأهلها.
وبعد؛
سطور هذا الكتاب هذه خطوة أولى، تنتظر خطوات أخرى على طريق الإصلاح الحقيقي الجاد، والحفاظ على نظام قضائي نعتز به جميعـًا، ونرى أنه من دروع استقرار مصر الحاضر والمستقبل. ذلك أننا نؤمن أن أصعب أشكال الظُلمِ ما جرى في مِحراب العدالة، وأثقل أصناف القهر ما نبت في مزارِع القانون، وأسوأ خيبات الأمل ما تواعد عند أبواب الإنصاف.
نحن، إذًا، أمام محنة أساسها الصراع بين سلطتين.
دقة التوصيف من احترام الذات في عصر المبالغات. وعندما تغالط الحقائق التي أمامك فالأثمان باهظة.
على أية حال، لا يمكن لكتاب أن ينتهي على الإطلاق، فأثناء العمل فيه نتعلم بما فيه الكفاية أنه في تلك اللحظة التي نقرر فيها الانصراف عنه، نجده غير مكتمل. وهذا بالضبط ما نشعر به ونحن ندفع إلى المطبعة بكتابٍ يتحدث عن العدالة والسياسة.. وما بينهما من ثقوب سوداء.
أرجو لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة.


من مقدمة كتابي: العصا والمطرقة: صراع السلطة والقضاء، دار اكتب، القاهرة، 2015

أماكن التوزيع:

القاهرة
 مكتبات الشروق
 مكتبات ديوان
 فيرجن
 مكتبات أ
ليلى "وسط البلد"
 كتب خان "المعادي"
 الأهرام
 أطياف "وسط البلد"
الأزهري "المعادي"
 الكتبجية "المعادي"
 مداد "التجمع الخامس"
الرشاد "مدينة نصر"
آدم "المعادي"
 السراج "المعادي"
أقلام "وسط البلد"
ك "عين شمس"
الإسكندرية
 روايات الشباب
بورسعيد
كشك الأهرام
المنوفية
 أنتيكا
المنصورة
 الشوبري
الشرقية
حروف
أسيوط
ومضة
طنطا
الصحافة القومية
دمنهور
كريم
سوهاج
البطش
---
دول عربية
 الإمارات:
 زين المعاني


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "العصا والمطرقة: صراع السلطة والقضاء"

أكتب تعليقا