حيتان تجارة العملة في مصر

| |






تسببت الأزمة المستمرة في سوق الصرف بمصر إلى انتشار تجارة العملات، فيما تتواصل جهود البنك المركزي في توفير العملة الصعبة من خلال السوق الرسمي، ومباحث الأموال العامة المصرية في ضبط سوق الصرف، لكن أزمة شح الدولار دفعت عددا كبيرا من المصريين إلى الاتجاه لتجارة العملات التي تحقق أرباحاً تقدر بالملايين في فترات قصيرة.
السطور التالية تفتح ملف تجارة العملة في مصر وأباطرتها الكبار الذين أسسوا هذه السوق الموازية أو السوداء، بعيدًا عن البنوك والاقتصاد الرسمي.
تجارة العملة بدأت بعد حرب أكتوبر 1973 الذى كان طفرة فى المنطقة العربية ككل، لأن البترول سعره ارتفع من 6 و7 دولارات إلى 70 و80 دولارًا فكانت طفرة مالية كبيرة، وبالأخص لدول البترول، وبدأت التدفقات المالية تنهال على العرب وقاموا بتشغيل عمالة مصرية كبيرة، وعندها تدخل عدد من الأشخاص للاستفادة من هذا الوضع. بادر هؤلاء إلى فتح اعتمادات مالية فى البنوك المصرية عن طريق منظومة مالية خاصة لاستيعاب هذه الطفرة من الأموال، وذلك لصعوبة الحصول على عملة صعبة فى ذلك الوقت.
سامى على حسن هو أكبر تاجر عملة فى فترة الثمانينيات والملقب بإمبراطور الدولار، والذى وصفته تحريات مباحث الأموال العامة فى ذلك الوقت بأنه «يمثل بشخصه بنكا خاصا من حيث ضخامة الأموال الأجنبية التى يتعامل بها يوميا، والتى تفوق حجم استثمارات البنوك الكبرى.
استفاد سامي علي حسن من شقيقه الذى كان يعمل محاسبـًا بإحدى شركات الأسمدة بالكويت عن طريق جلب أموال مدخرات العاملين من زملائه هناك عن طريق ما يسمى بعمل المجموعات، وهم مجموعة من الأفراد يعملون بمناصب قيادية مثل الناظر فى المدرسة، والمدير فى الشركة، ليُكوِّنوا على رأس هذه المجموعات، وتحديد كل مجموعة من 10 إلى 15 فردًا يقومون بنقل المعلومة على الأموال المتبادلة حتى تصل لذويهم بعد يوم أو اثنين عن طريق تجميع الأموال من شخص لآخر وإيداعها بحسابات بنكية بالخارج ثم يتم تحويلها على حسابات بنكية محلية داخل مصر وكان لسرعة دوران المال دور كبير فى ازدياد الثقة مما تبعه زيادة فى حجم الأموال سنة بعد سنة.
بلغ حجم هذه التعاملات حسب إحصائيات البنك المركزى ملياري جنيه مصرى سنويـًا، كان لسامي علي حسن نصيب الأسد منها.
ويذهب سامي علي حسن إلى القول بأنه أسدى الاقتصاد المصري وخاصة القطاع المصرفي خدماتٍ جليلة، قائلًا إنه ساعد بنك الإسكندرية، وبه جميع حسابات شركات القطاع العام فى ذلك الوقت، وكان أكبر بنك مدين فى تلك الفترة. ويضيف قائلًا في حوار صحفي: "استطعت سداد مبالغ كبيرة جدًا عنه من خلال حجم تعاملاتى، وليس هذا فقط، بل كنت أسدد كل الاعتمادات الحكومية المأخوذة من الخارج ونقلت البلد من حالة الاستدانة بدلاً من أن تكون مديونة لبنك أجنبى كنت أقوم عنه بسداد الدين، فتزداد ثقة الأجانب فى الاقتصاد المصري"..
ويؤكد سامي علي حسن أنه كان المؤسس الحقيقى لشركات الصرافة فى مصر والدكتور مصطفى السعيد، وزير الاقتصاد في تلك الفترة، لم يستوعب التجربة فى وقتها وتمت إقالته.
ويشرح سامي كيف كان يسعى فى اتجاه إقامة منظومة للصرافة فى مصر بخلاف منظومة التوظيف التى لم تسفر عن شىء حتى الآن، وكانت البداية من بنك قناة السويس فقد اجتمع سامي وعدد من كبار تجار العملة مع توفيق زكريا، رئيس البنك بعدما رأى من ازدياد حجم أعمال سامي فى البنك، وتم الاتفاق على عمل منظومة لتنظيم هذا العمل كشركات ذات ترخيص تعمل فى نشاط الصرافة مثل الصرافين العرب.
جرى رفع مذكرة بهذا الأمر للدكتور مصطفى السعيد، وقابله سامي علي حسن شخصيـًا، خاصة فى بداية مشكلته مع المدعى الاشتراكى، وشرح له طبيعة عمله وكيف أنه أكبر صراف فى مصر بدون عنوان وحجم تعاملاته ضخم وكيف يعمل مع جميع القطاعات المالية الخاص منها والعام، وكان سؤاله له: ما هو المانع من عمل منظومة مالية للصرافة فى مصر؟
ويضيف قائلاً: استمرت هذه الجلسات لأكثر من 6 جلسات، واستطاع الوصول معه إلى اتفاق، وعملت معه عقد شركة بينى وبين بنك الإسكندرية والبنك الأهلى.
 غير أن سامي علي حسن أصبح بطل أكبر قضية يحقق فيها جهاز المدعى الاشتراكى وعمره 31 عامـًا.
يومها قال د.مصطفى السعيد وزير الاقتصاد فى تلك الفترة إن سامي كان ضمن أكبر 3 تجار محتكرين لسوق العملة فى ذلك الوقت بنسبة 90% وإنه استطاع القضاء عليهم.
اندهش المدعى العام الاشتراكى عندما رأى حجم الأوراق الخاصة برصد تعاملات سامي علي حسن، حيث تجاوزت حائطـًا كاملًا من "الدوسيهات" أرسله سامي بنفسه لمعرفة تحركات تلك الأموال. وتمت إحالتها لمحكمة القيم وعرفت باسم "محاكمة تجار العملة وانحرافات البنوك"، وقررت فرض الحراسة على أمواله.
وفي أثناء محاكمته أمام المدعى العام سأل سامي علي حسن أحد القيادات الأمنية المسؤولة عن متابعة قضيته أثناء إحدى الجلسات، وهو اللواء علاء عباس، وقال له: هل كنت أجلب العملة للداخل أم كنت أصدرها للخارج؟ فأجاب بأن سامي كان يجلبها للداخل، وهنا صاح سامي علي حسن من محبسه قائلًا "يعنى أنا كنت عامل مفيد للبلد".
بعد 26 عامـًا من فرض الحراسة عليه قضت المحكمة فى جلسة سبتمبر 2006 بإنهاء الحراسة ورفض طلب المصادرة بعد براءة ذمته من كل ما نسب إليه، وزوال ولاية جهاز الكسب غير المشروع والذى حل محل جهاز المدعى الاشتراكى، ليطل برأسه على الأحداث من جديد ويقيم دعاوى قضائية على عدد من البنوك المصرية لمطالبتها برد مستحقاته المالية التى تجاوزت 400 مليون جنيه وغيرها من النقد الأجنبي.
من نافذة سامي علي حسن، قفز كثيرون إلى هذه التجارة المربحة، ومنهم أشرف السعد والريان.
يقول سامي علي حسن: "أحد الأصدقاء أوصانى على محمود رضوان وعن طريقه بدأ يظهر لى أشرف السعد والريان وفتحى توفيق وشعرت فيهم بنبرة ونزعة دينية جيدة، مما دفعنى لتشغيلهم فى جمع العملة بعد احتياجى لعدد كبير من الأفراد نظراً لسرعة ودوران وتداول رأس المال بمعدل عال وقمت بعمل ما يسمى بمركز تجميع العملة داخل البنوك المصرية وأصبحت صالات البنوك المصرية هى مصدر التمويل لحساباتى وبدأت الصالات تمتلئ بالأفراد ومن ضمنهم الريان والسعد، حيث تولى الريان مهمة تجميع العملة داخل بنك قناة السويس وأشرف السعد البنك الوطنى المصرى وقد كانا يقومان بجمع الأموال من الصالة ووضعها فى حسابى وبعدها أخذا خطاً آخر وهو مجال توظيف الأموال وبدأوا يقلدون شركات الشريف للبلاستيك؛ لأن الشريف كان سابقـًا لكل شركات التوظيف فى تلك الفترة وكنت أعمل فى تجارة العملة، وتوظيف الأموال مختلف فأنا أقوم بتحويل فوائض أموال العاملين فى الخارج لمصر وأصبح التحويل ضخمـًا وفوائض الأموال مع المصريين كبيرة والأموال مكدسة فى البنوك بفوائد قليلة 8% و9% فائدة، وتوظيف الأموال جاء بفائدة 24% والكل يتسابق على زيادة رأس ماله وللأسف كان هذا التوظيف نوعًا من أنواع الاستثمار غير المجهز له".
أشرف السعد عمدة المصريين الهاربين إلى لندن الذي اشتهر بلقب ملك توظيف الأموال في مصر كان واحدًا من أشهر الأسماء التي ظهرت في مصرمع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وصاحب شركة "السعد‏" لتوظيف الأموال وألقي القبض عليه في سنة‏1991‏ بتهمة تهريب أموال المودعين إلى الخارج وعدم استثمارها في مشروعات حقيقية، كما كانت تؤكد دعاية هذه الشركات وباقي الشركات التي ظهرت في هذا الوقت ــ وقضى ‏18‏ شهرًا داخل السجن حتى أخلي سبيله‏...‏ وهرب بعدها إلى باريس ومنها إلى لندن المقيم بها حاليـًا‏.
يحكي أشرف السعد بداياته مع تجارة العملة قائلاً:
"عملت لدى واحد من كبار تجار السيارات في مصر وكان راتبي في الشهر ‏40‏ جنيهـًا وكنت أعمل لديه محاسبـًا وسائقـًا في أحيان أخرى. وبدأت الناس تعرفني من خلال عملي في معرض السيارات لدرجة أن البعض اعتقدوا أنني صاحب المعرض وليس الرجل الذي أعمل لديه. وكان بعض العملاء يطلبون مني تغيير العملات، وكنت قد تعرفت على محمد رضوان صاحب كافيتريا‏ "رضوان" بالدقي والذي كان يعمل في تجارة العملة، وهو ما جعل مهمتي سهلة في تغيير العملة. واستمر الحال بي هكذا حتى تصادف سفر صاحب المعرض وكانت هناك صفقة سيارات تتطلب ما يعادل مبلغ ‏120 ‏ ألف جنيه بالدولار، وهو مبلغ كبير جدًا في هذا التوقيت
ويتابع قائلاً: "وكان لابد من الفوز بهذه الصفقة التي ستحقق أرباحا هائلة ولم يكن أمامي سوى اللجوء إلى صديقي محمد رضوان تاجر العملة. وبالفعل أعطى لي المبلغ المطلوب ومن حينها اعتمد صاحب المعرض علي في عمليات تدبير العملة‏، لكن مع كبر حجم علاقاتي ومركزي في المعرض لم نكمل معاً وتركت العمل في معرض السيارات وذهبت لأعمل مع محمد رضوان. وهي كانت بداية عملي بشكل مباشر وصريح في تجارة العملة‏.‏ وفي ذلك الوقت كان رضوان يعمل مع سامي علي حسن وهو من أوائل تجار العملة في مصر وتعرفت عليه عن طريق صديقي محمد رضوان‏..‏ وكنا نجمع العملات الأجنبية من المصريين العائدين من الخارج عن طريق مندوبين صغار‏، وكان المندوبون يحضرون لنا العملات‏..‏ ونحن نصبها عند سامي حسن‏.‏
أما أحمد توفيق الريان فقد كان شابـًا حاصلًا على بكالوريوس طب بيطري وأميرًا للجماعة الإسلامية بالكلية وكان يبيع منتجات البلاستيك من مصانع الشريف في شارع سليمان جوهر ويتقاضى نحو  ‏30‏ جنيهـًا في الشهر. وذات مرة التقى الريان مع أشرف السعد في كافيتريا "رضوان" وكان معه محمد رضوان وكانت تربط الريان والسعد لغة الخطابة الدينية واللحية. وفي هذه المقابلة كان أحد أقارب الريان يريد تغيير العملة، وتحديدًا دنانير كويتية، وحينها كسب الريان ألف جنيه، ولم يصدق نفسه لأنه يكون هذا المبلغ في سنة كاملة من العمل المتواصل. وقتها قال الريان للسعد ومن معه بالحرف الواحد‏ "أشهد الله أنني معكما في تجارة العملة‏".
 بدأ الريان العمل مع رفاقه في جمع العملة وتغييرها وأصبح الريان والسعد شريكين مع محمد رضوان في هذه التجارة المربحة وبدأ الثلاثة يتوسعون في تجارة العملة وطلب منهم أحد العملاء تدبير مليونَي مارك ألماني، وكان هذا المبلغ -حينذاك- من الأرقام الكبيرة. وخلال شهور معدودة كانت حجم تعاملات السعد والريان ورضوان تفوق الـ‏500‏ مليون دولار شهريـًا‏.
تعرف الثلاثة وخاصة الريان والسعد، على رؤوس تجارة العملة في كل محافظات مصر، لكن في هذا التوقيت كانت الدولة قد بدأت تشن حربـًا ضارية ضد تجارة العملة‏، وكان سامي حسن من اوائل التجار الذين صدرت في حقهم أوامر اعتقال وألقي القبض عليه.
وجد السعد نفسه فجأة المسؤول عن كل أعمال سامي حسن في تجارة العملة فبادر إلى فتح حساب باسمه في البنك لتلقي العملات من العملاء وتغييرها وكان يتلقى في اليوم الواحد نحو ‏12‏ مليون دولار ويربح من تغييرها الملايين دون أن يمتلك دولارًا واحدًا من كل المبالغ التي توضع في حسابه بالبنك، حيث كان يضع الأموال في الحساب الخاص به ثم يسحبها في اليوم التالي بعد أن يقوم البنك بتغييرها ويتولى هو بدوره ردها للعميل بعد الحصول على مكسبه في عمليات التغيير.

غير أنه مع استمرار مواجهات الدولة لهذه التجارة، قرر السعد أن يعود إلى السنبلاوين وافتتاح معرض سيارات هناك‏ ليكون ستارًا لتجارة العملة وتكون تجارة السيارات هي الواجهة. وبالفعل استأنف السعد نشاطه الأصلي في تجارة العملة‏، قبل أن ينتقل مع الريان إلى لعبة شركات توظيف الأموال.. وتلك حكاية أخرى.‏‏‏

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "حيتان تجارة العملة في مصر "

أكتب تعليقا