عودة منظمة الشباب!

| |





عادت فكرة إنشاء تنظيم قومي للشباب لكي تطرح نفسها من جديد على ساحة الاهتمام العام، خاصة بعد أن أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسي البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، بهدف تخريج قيادات شابة قادرة على الإدارة.
البرنامج -كما أوضح السيسي في كلمته أمام أسبوع شباب الجامعات المصرية العاشر في مقر جامعة قناة السويس- يهدف إلى تأهيل 2500 شاب وشابة سنويـًا كمرحلة أولى.
مزيد من التفاصيل جاء على لسان الدكتور طارق شوقي، أمين عام المجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية، رئيس المجلس التخصصي للتعليم والبحث العلمي، الذي قال إن مشروع البرنامج الرئاسي لإعداد الشباب للقيادة "هو هدية الرئيس الأولى لشباب مصر" وأن المجالس التخصصية وضعته على مدى 6 أشهر بعد تكليف الرئيس لها به، تعبيرًا عن كامل ثقته فى الشباب المصري، ومقدمة لخطوات أخرى تهدف للنهوض به.
لاحقـًا، اتضح أن البرنامج عبارة عن 7 دورات في التخصصات المالية والاستراتيجية والإدارية والبروتوكولات والمراسم والإعلام والرأي العام والعلوم السياسية، حيث يدرس الطالب المتقدم علومـًا سياسية وإدارية واجتماعية وإنسانية بواقع 8 أشهر لكل دفعة.
الشاهد أنه عقب إثارة السيسي قبل عام لفكرة إنشاء كيان قومي مستقل يجمع الشباب، تحدث البعض عن مشروع وطني متكامل عكف عليه د. مصطفى حجازي، المستشار السياسي للرئيس السابق عدلي منصور، تحت اسم "مفوضية الشباب"،
غير أن صلاح عيسى يلفت الانتباه إلى التباين الظاهر -من حيث الشكل والمضمون- بين "الكيان الشبابي" الذي أشار إليه الرئيس السيسي وبين "المفوضية الشبابية" التي يقوم عليها مشروع مصطفى حجازي، ففي حين ذهب السيسي إلى أن الهدف هو "إنشاء كيان شبابي مستقل لا يعمل لصالح أحد أو قوة سياسية بعينها وإنما على المستوى القومي"، ذهب المشروع الذي أعده حجازي إلى أن الشباب لن يثق في أي كيان كان رئاسيـًا، ولن يتحمس له إلا إذا كان مستقلاً وبعيدًا عن أسوار الاتحادية، وهو ما يعني أن يكون مفتوحـًا لكل الآراء والتيارات الفكرية والاتجاهات السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لا يستثني أحدًا.
وعند التأمل في هذا التباين، سوف نكتشف أننا أمام مشروعين يختلفان من حيث الشكل ومن حيث المضمون.
يدعو المشروع الأول إلى إنشاء كيان شبابي مستقل، بمعنى أنه كيان غير حزبي، ينضم إليه الشبان غير الحزبيين، للقيام بأنشطة قومية لا صلة لها بالنشاط الحزبي، فهي أقرب إلى منظمات المجتمع المدني منها إلى المنظمات السياسية، وهي تنشط بالأساس في مجالات الخدمة العامة والاجتماعية، كمحو الأمية والمشاركة في تنظيم المرافق العامة، وحماية البيئة وقوافل الخدمة الصحية، وتسعى لحفز المواطنين على المشاركة في مواجهة ما يعانون منه من مشكلات عبر حلول ذاتية مبتكرة، وحفزهم على تأسيس الجمعيات الأهلية التي تنظم العمل الجمعي، والتطوعي فيما بينهم.. وهو شكل من أشكال النشاط الشبابي، عرفته مصر الناصرية في مشروعات دائمة أو مؤقتة، مثل "اخدم قريتك" و"أسبوع المرور" و"مشروع الخدمة العامة"، وساهم في مجالاته بعض فصائل ثوار يناير في فورة الحماس التي شملتهم في أعقاب الثورة، قبل أن تبدد الرياح جمعهم.
في المقابل، يدعو المشروع الثاني إلى تشكيل منظمة -أو مفوضية- تضم الشباب الذين ينشطون أساسـًا في المجال السياسي والحزبي، على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية، فهي أشبه بجبهة وطنية، تضم الجميع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، دون استثناء أحد، وليس هناك ما يحول بينها وبين النشاط في كل مجالات الخدمة العامة والاجتماعية، كإحدى منظمات المجتمع المدني، وإن كان نشاطها الأساسي سيكون -بالقطع سياسيـًا وحزبيـًا.
وهذا الاختلاف من حيث الشكل والمضمون بين "الكيان" و"المفوضية"، يفرض علينا أن نطرح كل الأفكار المتعلقة بأساليب تأهيل الشباب لوراثة المستقبل وإدارته، للحوار العام بين كل من يعنيهم أمر هذا المستقبل، وفي مقدمتهم الشباب أنفسهم.
فكرة إنشاء كيان تنظيمي للشباب في حد ذاتها ليست جديدة، سواء في تاريخ المنظمات المصرية أو العالمية، وفي التاريخ المصري نماذج متعددة للدور الذي لعبته هذه المنظمات الشبابية في مسار النضال السياسي الوطني والديمقراطي، كان من أبرزها "جمعية مصر الفتاة" التي أسستها مجموعة من طلاب كلية الحقوق عام ١٩٣٣ بزعامة أحمد حسين، ودعت إلى "مشروع القرش"، لتجمع من المصريين جميعهم تبرعات تبدأ بقرش واحد، لتبني من حصيلتها مصانع وطنية تواجه سيطرة الأجانب على اقتصاد بلادهم، واعتمادهم على الاستيراد من الخارج، ونجحت بالفعل في إقامة أولها وهو مصنع لصناعة الطرابيش، باعتبارها الرمز القومي للمصريين آنذاك، قبل أن تتحول إلى حزب سياسي.
وفي مرحلة ما بين الثورتين (١٩١٩/١٩٥٢) أسست الأحزاب السياسية في عشرينيات القرن العشرين أجنحة شبابية كانت تعتمد بالدرجة الأولى على تلاميذ المدارس الثانوية وطلاب الجامعة والمعاهد العليا.. وفي الثلاثينيات -وتأثرًا بالحزبين النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا- أقامت بعض هذه الأحزاب تشكيلات شبابية عُرفت بظاهرة القمصان الملونة، نسبة إلى لون القميص الموحد الذي يرتديه أعضاؤها، فأسس حزب الوفد فرق القمصان الزرقاء وأسس حزب مصر الفتاة فرق القمصان الخضراء، وأسست جماعة الإخوان المسلمين فرق القمصان الصفراء، نسبة إلى القميص الكاكي الذي ترتديه فرق الجوالة التابعة لها.
وكانت منظمات الشباب هي أول تنظيمات ثورة ١٩٥٢، وقد أسست بعد ثلاثة أشهر من قيام الثورة، لتواجه شباب الإخوان المسلمين وشباب ما كان يعرف -آنذاك- بأحزاب العهد البائد، خاصة في الجامعة، ثم أصبحت جناحـًا شبابيـًا لهيئة التحرير، ثم حلت محلها -بعد إنشاء "الاتحاد القومي"- "هيئة الفتوة"، وكان آخر تجليات التنظيمات الشبابية لثورة يوليو، "منظمة الشباب الاشتراكي" الجناح الشبابي للاتحاد الاشتراكي العربي.



طرح الرئيس جمال عبدالناصر فكرة منظمة الشباب عام 1964  على رفاقه وفي مقدمتهم زكريا محيي الدين، وتكونت السكرتارية التأسيسية لمنظمة الشباب من خمس شخصيات يمثلون التيارات السياسية التي كانت موجودة على الساحة وهم أحمد صادق القشيري ممثلاً للتيار الليبرالي وإبراهيم سعد الدين ممثلاً للتيار الماركسي وأحمد كمال أبو المجد ممثلاً للتيار الإسلامي ويحيى الجمل مثلاً للتيار القومي وحسين كامل بهاء الدين  وكان من شباب الثورة، وعن طريق هذه الشخصيات الخمس بدأت الاجتماعات وبدأ وضع البرنامج الفكري للمنظمة ثم برنامج العمل وبدأت العجلة تدور.
المنظمة فعليـًا واسميـًا استمرت في العمل حتى عام 1976،  حين قرر الرئيس أنور السادات إلى التحلل من صيغة تحالف قوى الشعب العامل، التي جاء بها الميثاق الوطني لعام 1962  وتنظيمه الواحد، والعودة إلى شكل مقيد ومحدود من التعددية الحزبية، على الرغم من ضغوط قوية داخل إدارته، كانت تلح على بقاء تشكيلين من تشكيلات هذا الاتحاد، هما "منظمة الشباب" و"الاتحاد النسائي" ليكونا بمنزلة منظمات قومية غير حزبية.


أغلب كوادر منظمة الشباب هم الذين برزوا في الحياة السياسية المصرية طوال السنوات الماضية وحتى الآن فأغلب الكوادر السياسية الآن بل وقبل ذلك هم من أبناء منظمة الشباب. هناك عدة اتجاهات ذهب إليها أعضاء المنظمة وكثير منهم برزوا في عهد مبارك وتولوا مناصب وزارية مثل مفيد شهاب، حسين كامل بهاء الدين، عثمان محمد عثمان، والأحمدي أبو النور، وأحمد جمال الدين موسى، ومختار خطاب وزير قطاع الأعمال.
وبعضهم انتمى للمعارضة السياسية مثل أحمد بهاء الدين شعبان ود. أحمد يوسف أحمد وعاصم الدسوقي وبعضهم عمل    قريبـًا من السلطة ولكن ليس في منصب وزاري مثل د. مصطفى الفقي وأسامة الغزالي حرب، كما أخرجت لنا منظمة الشباب عبدالقادر شهيب    وخيرت الشاطر والأخير كان عضوًا في الإسكندرية. ومن الرموز  النسائية لمنظمة الشباب التي ظلت تعمل في العمل العام منى ذو الفقار وأمل الشاذلي وأخريات.
آخر تجليات هذا النوع من التشكيلات هو الأجنحة الشبابية للأحزاب القائمة اليوم، والتي تأسست في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومن بينها "اتحاد الشباب التقدمي" الجناح الشبابي لحزب التجمع، وتشكيلات ولجان أخرى في غيره من الأحزاب مثل الوفد والمصريين الأحرار ومصر القوية والتحالف الاشتراكي، أما المؤكد فهو أن أبرزها وأقواها وأكثرها تنظيمـًا هو الجناح الشبابي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي لعب دورًا مؤثرًا خلال الأعوام الثلاثة التالية للثورة، واعتمدت عليه الجماعة في إثارة الفوضى والقيام بأعمال عنف منذ ٣٠ يونيو 2013 حتى مطلع 2015.
عودة منظمة الشباب تعني الكثير.. وإنا لمنتظرون!


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "عودة منظمة الشباب!"

أكتب تعليقا