مركب الوراق.. الإبحار الفاجر!

| |





ماتوا ثلاث مرات.. فـى الأولى ابتلعهم النهر، وفى الثانية ابتلعهم الظلم، وفى الثالثة قتلهم الإهمال. هكذا سيكتب التاريخ عن ضحايا المركب النيلى الغارق فى الوراق، وعلى ظهره أكثر من 50 راكبا، قبل أن يستقر فـى قاع نهر النيل، تاركا جثث ركابه وقد لفظها البحر بيضاء كالشمع أو الصابون.
فى مشهدٍ لا يُنسى، خرجت النعوش متتابعة من شارعى العشرة والمسابك فى وراق العرب، وردد الأهاليى: «لا إله إلا الله.. الإهمال عدو الله»، وسط عويل النساء وبكاء الرجال.
هكذا عاد حى الوراق إلى خريطة مصر وبؤرة الاهتمام بعد حادثة غرق مركب نيلى على كورنيش الوراق فى حادث مأساوى راح ضحيته عشرات الأشخاص. أعدنا اكتشاف الكثير عقب هذه المأساة التى تحالف فيها الإهمال مع الفساد، ومن ذلك هذا الحى الذى يعد من أحياء محافظة الجيزة بمصر بقرار من رئاسة الوزراء رقم 1179 بتاريخ 4 مايو 2010، ويسكنه نحو مليون نسمة وتبلغ مساحته نحو 17 كيلومترًا مربعـًا، ويضم مناطق وراق العرب ووراق الحضر وجزيرة الوراق وجزيرة محمد وطناش وعزبة المفتى.
ونزيد على ذلك أن جزيرة الوراق محمية طبيعية طبقـًا للقانون الصادر لسنة 1962 وهى تتبع وزارة البيئة.
أهالى الوراق، وبالذات أهالى الضحايا وجدوا أنفسهم بلا ثمن، بعد أن ضاعت المسؤولية وغابت المحاسبة وأمن الجناة العقاب. هناك نحو 40 ضحية، لكنهم ببساطة بلا ثمن. قضوا غرقـا، لكن الجميع تقاذفوا كرة المسؤولية، وأبعدوها عن المبانى الرسمية لتكون فقط من نصيب أفراد.

اللواء أبو بكر عبدالكريم، مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام، قال فى مداخلة هاتفية إن كل المراكب فى نهر النيل تتم مراقبتها ومتابعتها بشكل دورى، لضمان الاشتراطات الخاصة بتسييرها، موضحًا أن غرق المركب كان بسبب خطأ شخصى من قائدها.
وحسب نظرية الداخلية، فإن قائد المركب حاول تفادى الموج الناتج عن مرور صندل، فأسرع بالالتفاف من أمام الصندل، مما تسبب فى التصادم به وغرقه على الفور.
واقع الأمر يقول إن حادث غرق المركب النيلى فى منطقة الوراق، جريمة مسؤولة عنها وزارة الرى وشرطة المسطحات المائية، وليس سائق الصندل ومساعديه. إن تنظيم التراخيص والتفتيش على المراكب وحمولتها من الركاب، وتوافر لنشات للإنقاذ فى مناطق عمل هذه المراكب مسؤولية الحكومة، وإذا كان عدد الضحايا قد اقترب من 40 ضحية، فهذا معناه أن المركب حمولته مضاعفة، مما شكل خطرا كبيرا على حياة الركاب.
إن المتهم الرئيسى فى الحادث هو إهمال الحكومة وجشع صاحب المركب؛ حيث كان يضاعف أعداد الركاب لجمع مبالغ أكثر من المال. أما الحكومة فلم تراقب ولم تحاسب، ولم تضع اعتبارات السلامة فى الحسبان، وقصَّرت حتى وقعت الكارثة، ثم قالته إنها قضاء وقدر!
المهندس سمير سلامة، رئيس هيئة النقل النهرى، اكتشف فجأة أن المركب النيلى الذى اصطدم بصندل الموت فى الوراق غير مرخص له بالإبحار، وليس له أى أوراق قانونية، وطاقم المركب غير مرخص له بقيادة المركب، كما أنه لم يخضع لأى فحص باعتباره لم يرخص له من الأساس.
فى المقابل، تبرَّأت وزارة الرى من أى علاقة لها بحادث اصطدام صندل تجارى بمركب نيلى. وذكرت الوزارة أنها مختصة بإصدار تصاريح إنشاء المراسى النيلية فقط، والتصاريح الخاصة بتسيير الصنادل والمراكب تمنحها لجنة تضم تسعة ممثلين عن عدة وزارات بينها الرى.
غير أن عبدالقادر البسيونى، رئيس حى الوراق، قال إن شرطة المسطحات المائية هى الجهة المسؤولة عن إصدار تراخيص ومراقبة المراكب النيلية بالتنسيق مع وزارة الرى، فى حين يقتصر دور الحى على تقديم الخدمات إلى المرسى والمواطنين مثل إنارته وتوصيل مياه الشرب له والنظافة والتجميل.
أخطر من الإرهاب الأسود، الإهمال والتسيب واللا مبالاة. ليس مقبولا ولا معقولا أن يبحر طاقم غير مرخص بمركب غير مرخص بحمولة بشرية، لينتهى بها الأمر فى قاع النيل، مع جثث تطفو هنا وهناك فى انتظار من ينتشلها.
هذا الإبحار الفاجر.. مسؤولية مَن؟ لماذا الفقراء فقط يموتون جماعات غرقـا وحرقـا؟
يتعين مساءلة المسؤول عن السلامة النهرية ورجاله أولا، ما الذى حال دون تطبيق اشتراطات الأمان والسلامة على المركب قبل الإبحار؟ وإذا كان المركب ليست له أوراق قانونية، فمن ذا الذى سمح له أصلا بالإبحار؟! ومن صمت على هذا الإهمال المقرون بالفساد؟
فى أسبوع واحد (نوفمبر 2014)، قتل الإهمال نحو 30 شابـا وفتاة فى محافظتى البحيرة وسوهاج إضافة إلى 25 تعرضوا لإصابات مختلفة. شاءت الأقدار أن تحترق أجسام تلاميذ البحيرة وأن تزهق أرواح طالبات جامعة سوهاج فى وقت متزامن مع اليوم العالمى لحوادث الطرق (3 نوفمبر) الذى أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن مصر باتت تحتل المرتبة الأولى فى وفيات حوادث الطرق، متقدمة فى ذلك على 178 دولة أخرى. مما ذكرته منظمة الصحة العالمية فى هذا الصدد أن ضحايا حوادث الطرق السنوية فى مصر يقدر عددهم بـ13 ألف قتيل و40 ألف مصاب، وأن تلك الحوادث تكلف البلد 17 مليار جنيه.
فهل دقت تلك الحوادث المفزعة أجراس الخطر، ومنعت تكرارها؟
الإجابة معروفة ولا تحتاج إلى تفصيل.
ستبقى تلك الكوارث المفزعة مثل وشم فى ذاكرة المصريين.
من المؤسف أن تقاليد أجهزة الدولة الرسمية ترفض الاعتراف بالخطأ أو الاعتذار عنه وتتجاهل فكرة محاسبة المقصرين بشكل حازم وحاسم، حتى لا تتكرر المأساة.

.. وهى ستتكرر، للأسف الشديد، ما دمنا ندفن رؤوسنا فى الرمال!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مركب الوراق.. الإبحار الفاجر!"

أكتب تعليقا