في مواجهة عنف «الباشا»

| |





لعله من المؤسف أن يرتبط الأمن فى الذاكرة الشعبية بالسطوة والسلطة.. وإذلال المواطن.

لعقود طويلة، لم يكن أمام المواطن فى هذه الحالة إلا أن يتجنب هذه السلطة التى يراها غاشمة، وأن يخشى على نفسه وأهله من التعامل مع رجل الأمن الذى يخاطَب عادة فى الثقافة الشعبية بـ«الباشا».. وكأن رجل الشارع يرى فى أعماقه أن المَلكية لم تمت وأن عصر الألقاب قائم ما دام رجل الأمن يقمع ويضرب ويعذب.

هكذا تجد بعض المنتمين إلى جهاز الشرطة يستمرئ صيغة السيد والعبد، ويتعامل مع «الآخر» بتعالٍ وصلف، فيمسح حذاءه مجانا ويأتيه -فى أثناء عمله- شايه وقهوته مجانا من المقهى، وترى أمين الشرطة يجبر مواطنين -ربما كانوا باعة جائلين أو سائقى سيارات أو مرتادى هيئة رسمية أو قسم شرطة لإنجاز معاملة أو تحرير بلاغ- على دفع إتاوات ورشى و«إكراميات» لتسهيل أداء مصالحهم أو غض الطرف عنهم، ثم تجده يستقل بزيه الرسمى سيارة أجرة من دون أن يدفع أى مقابل لسائقها.

وإذا كان رجل الأمن من هؤلاء ذا رتبة عالية، فإنه قد يعتبر فى حالات كثيرة عدم دفع مقابل -أو دفع مبالغ رمزية- للخدمات التى يحصل عليها أمرا عاديا، فهو ليس فردا عاديا، وإنما رجل أمن على مدار الساعة، وبالتالى فهو «الباشا» فى المستشفى والمطعم ومحل بيع الفاكهة والخضراوات -هل تذكرون مشهد تعامل أحمد زكى فى فيلم «زوجة رجل مهم» (إخراج محمد خان، عام 1988) مع البائع؟- وربما مع المدرس الخصوصى لأبنائه، ومحال الملابس التى ترتادها أسرته.

التعميم مرفوض، فوزارة الداخلية بها أيضا رجال مخلصون ذوو كفاءة ويتمتعون بالمهنية والاحترافية، ويرفضون اللجوء إلى العنف أو إساءة استخدام الصلاحيات الممنوحة لهم بأى حال من الأحوال. غير أنه من المؤسف أيضا أن يتعمد قطاع من رجال الشرطة مخالفة القانون وانتهاكه، بدءا من عدم احترام إشارة المرور، ومرورا بركن السيارة فى الأماكن الممنوع الوقوف فيها، ووصولا إلى استخدام عربات الشرطة لنقل مدنيين «هم عادة من الأهل والمعارف»، وتحويل كمائن الشرطة إلى مكان للترويح ولقاء الأصدقاء والأصحاب، ووقف حركة السير وغلق الشوارع للسماح لمواكب المسؤولين بالمرور بسيولة مرورية يُحرم منها الآخرون.

هذا الجبروت لدى هذا الصنف من رجال الأمن ينجم عادة عن سطوته ونفوذه وإحساسه بقدرته على إيذاء الآخرين، سواء بالحبس أو التعذيب أو تلفيق القضايا، واقتناعه بأنه «يحمى البلد» أو أنه يتماهى مع فكرة الوطن نفسها، وهو ما نستشفه مثلا من تصريح لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى فى أثناء الاحتفال بعيد الشرطة، الذى ذكر فيه عبارة: «كل إنسان بيسىء للشرطة أنا باعتبره إنسان كاره لنفسه وللبلد».

لماذا هذا التراث الضخم من العنف والفظاظة والقسوة؟

يعزو البعض حالة الريبة لدى المواطن المصرى إزاء رجل الأمن إلى التراث المملوكى، أو تراث الدقشرمة. والدقشرمة هم رقيق كان العثمانيون يأتون بهم من شرق أوروبا وهم أطفال صغار، ثم يربونهم ويخضعونهم لتدريبات عسكرية شاقة وتدريبات إدارية، ويُلحقونهم بالجيش أو المناصب الإدارية المهمة. وكان هؤلاء الدقشرمة يعاملون المصريين بغلظة وقسوة وينظرون بتعالٍ إلى أبناء مصر.

ويبدو أن سلالة الدقشرمة لم تنقرض، بل واصلت التوالد والانتشار على بر مصر.

إن ممارسات التعذيب واستعمال القسوة والإهانة أسئلة مؤرقة فى علاقة المواطن بالسلطة. ورغم الترسانة التشريعية التى تعاقب على التعذيب من أحكام دستورية وقانونية وصكوك دولية، فإن القصص المؤلمة ما زالت تتناهى إلى أسماعنا، كأن مفهوم الكرامة الآدمية شىء لا يعرفه رجال التعذيب هنا وهناك.

وفى السنوات التى سبقت ثورة يناير، تعددت الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى جهاز الشرطة، من انتقاص لحقوق المواطنين وانتهاكات لحرياتهم الأساسية، وجرائم تعذيب يندى لها الجبين.

بدا أن تجاهل التقارير المتواترة عن انتهاك حقوق وحريات بعض القابعين خلف الأسوار يجافى العقل، تماما كما يجافيه القبول المستخف بالكرامة الإنسانية للحالة الإنكارية التى تتعامل بها المؤسسات والأجهزة الأمنية ومن ثم السلطة التنفيذية مع الأخبار المتداولة عن حدوث ممارسات تعذيب فى أماكن الاحتجاز وفى السجون، والتى تترجم فى الواقع المعيش إما إلى بيانات رسمية تنفى التعذيب وإما إلى تسفيه وتشويه وتخوين للمنظمات الحقوقية المصرية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان.

وفى تقديرنا أنه ليس مقبولا استمرار التجاهل وقبول الحالة الإنكارية الرسمية بصدد انتهاك حقوق وحريات القابعين خلف الأسوار وبشأن ممارسات التعذيب، ﻷن الخبرة المتراكمة للمؤسسات والأجهزة الأمنية فى مصر تدلل على التورط المنظم فى الانتهاكات والتعذيب، وعلى غياب الإرادة الفعالة للسلطة التنفيذية لإيقاف الانتهاكات والتعذيب وإنهاء الإفلات الرسمى من العقاب، وكذلك على التعثر المستمر لبعض الجهود المحدودة التى تستهدف تغيير ثقافة العاملين فى المؤسسات والأجهزة الأمنية باتجاه التزام سيادة القانون واحترام كرامة المواطن.

كنا نأمل أن يتم التعامل الموضوعى مع تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وعدم اللجوء إلى التشكيك فى مصداقيتها الأخلاقية والمهنية ولمقولات المحاججة المتهافتة.


إننا بحاجة إلى توجيه النصح إلى أجهزة الأمن، ثقة منا فى أن إصلاح هذه الأجهزة، بل وإعادة هيكلتها وفق معايير دولية وتجارب دول أخرى شهدت ما يشبه حالتنا، هما السبيل للخروج من المأزق الراهن وحالة الريبة بين السلطة والمواطن.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

17 التعليقات على "في مواجهة عنف «الباشا»"

أكتب تعليقا