أساطير .. يجب أن تسقط

| |





ربما حان الوقت لنزع القداسة عن الأساطير المؤسسة لثقافتنا.
إننا بحاجة إلى البحث عن مصر الحقيقية، بعيدًا عن الأوهام والقصص المختلقة، التي تعد صديد سنواتٍ من الغيبوبة الجماعية وغياب المعلومات بالتزامن مع تغييب العقل. 
لم يعد مقبولاً ولا معقولاً استمرار ماكينات تغييب العقول وتمجيد الخزعبلات وترديد المعلومات الزائفة على سبيل التشويه والتضليل، وسط انتظار السُذج لما لا يأتي، ثم خيبتهم وصعود نخبة القوارض والحيتان كهنة الجهاز البيروقراطي، ليلتهم هؤلاء وحدهم فرص الحياة السعيدة لسكان هذه البلاد.
يجب أن نسقط الأقنعة ونعيد تفكيك الحكايات لإزالة رواسب الزيف العالقة بها؛ لأننا نحترم الحقيقة والشفافية والمكاشفة، ونتطلع إلى دولة ضد الوصاية والتسلط واحتقار الفرد وتغييب الكثير من الحقائق والمعلومات وحجبها عن المواطن.
التاريخ لا يُكتب على الهوى السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي. بقدر ما تكون الروايات متسقة مع الحقائق فإنها تستقر في الضمير العام.
وهذا واجب البحث عن التاريخ بلا إضافات والحقيقة بلا رتوش.
إن خير الكتابات هو ما أقلقنا وأقض مضاجعنا المطمئنة، وأخذنا باتجاه قراءة جديدة أكثر وعيـًا وتدقيقـًا للتفاصيل وأكثر إيمانـًا بمنطق الأشياء، بما يدفعنا إلى إعادة التفكير في مسلماتنا وبدهياتنا في ضوء ما استجد لدينا من قراءة ومعلومات.
إن الحقيقة في مصر عادة غائبة أو مُغيبة بفعل فاعل، وهو ما يشوش الفكر ويضلل العقل ويمحو الذاكرة الجمعية للمصريين، الذين لا يعرفون عن كثير من أحداث تاريخهم وأدوار أبطالها إلا نزرًا يسيرًا.
ونتصور أن حالة الوهن التي تمر بها الدولة ويعاني منها المجتمع، مسؤولة عن رواج الكثير من الأكاذيب والمغالطات والأباطيل التي تتحول إلى أمور مسلَّم بها و"حقائق" متداولة، يكررها المواطن المهموم أو  المصدوم أو الجاهل، وتتقاعس عن تفنيدها النخب الفكرية والثقافية والفنية والدينية، التي تنشغل عادة بأي شيء إلا الكشف عن الحقائق وإزالة الغبار الذي يكسو ذاكرتنا والغشاوة التي أضاعت بصرنا إن لم يكن بصيرتنا.
غير مقبول أن يتواصل الانكفاء على الذات وقضايانا جد مترابطة.
ربما كان السلف الصالح من المؤرخين على حق، حين قالوا إن المعاصرة حجاب، فالذي يعاصر ظاهرة تاريخية يكون طرفـًا فيها بالحُبِّ أو الكره، وبالمنفعة أو الضرر، وهو ما قد يحجب عنه الحقيقة، وغالبـًا ما يقوده إلى الانحياز لأحد أطرافها. لهذا، ولأسباب أخرى، ارتأينا التجوال في صفحات تاريخنا، لنستقرئ الأحداث ونعيد فهمها وإدراكها في ضوء ما لدينا من معلومات.
وإذا كان أنصار المعرفة المستقرة عن الماضي أو الخفيّ هم أشد أعداء المراجعة وإعادة النظر في الأمور التي تعد من المسلمات باعتبارهم "سجناء المجموعة" كما يقول بيير كلاستر، الحافظين والمحافظين على العادات والتقاليد التي حددها الأجداد والأولون، فإننا نحاول هنا التصدي لتحويل نفوذ المعرفة الجامدة حد التكلس إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
الوعي والمقارنة والرجوع إلى المصادر المختلفة، هي أسلحتنا الأساسية، في مواجهة حكايات مختلقة وأحداث متخيلة أو مبالغ في تفاصيلها، أراد البعض لها أن تتحول إلى تاريخنا الذي لا يُمس. هذه الحكايات والأحداث المتخيلة تحولت إلى يوتوبيا، تتحدى أو تتصدى لكل من يحاول تعطيل المستقرّ، والمتعارف عليه وإطلاق طاقة جديدة، وتوفير فرصة جديدة للتفكير المنطقي الرصين وفق معطيات الماضي ومقتضيات الواقع.
كثيرون منا يقعون أسرى فخ الخطأ الإدراكي الشهير (الأبيض والأسود) Black White perception error ولا يطيق أحدهم أن يتخيل غير الحوار حول المساحة الهائلة من اللون الرمادي بين اللونين، بل سينزعج كثيرًا لو أدرك أنه حتى اللونين اللذين ينظر من خلالهما للحياة يحويان داخلهما تنوعـًا كبيرًا في الدرجات.. فليس كل الأسود كلَيْل بهيم ولا كل الأبيض كندف الثلج.
المهم أن نعقل وندرك التفاصيل.
علينا أن نعمل باجتهاد ومثابرة كي نحرر العقول، حتى لا نواصل جميعـًا الدوران في خانات الغيبوبة وسط شعور بعدم الفاعلية وانعدام فائدة ما نقول أو نفعل، قبل أن نستسلم للغرق في بحر الوهم العظيم.
التقديس آفة البشر، وسمة رابطة صناع الطغاة.
ونحن لا نعرف حقـًا الشخصيات التي شكلت وجدان المصريين ولعبت دورًا مؤثرًا في تاريخنا بشكل أو بآخر.
معظم ما نعرفه عنهم هو ما أوردته مناهج دراسيةتحتاج إلى مراجعة، وكتب ترى التاريخ وترويه بعين واحدة، إما المديح المريح أو القدح الصريح، فلا تجد من يقول لك عن هؤلاء حقيقة ما جرى في كثير من شؤون حياتهم الخاصة والعامة.
لذا، نجد الأعمال الفنية والسير الذاتية والتراجم التي تتناول حياة هؤلاء، منزوعة الدسم، تخفي الحقائق، وتداري النقائص، كما لو أنه من العيب أن نرى الجانب البشري من تلك الشخصيات دون تأليه أو تقديس.
نحن ننسى أن هؤلاء بشر، وليسوا ملائكة، فإن أصابوا استحسنا عملهم وإن أخطأوا تعين أن نشير إلى هذه الأخطاء حتى يدركها من يأتي بعدهم.
ليس هذا بكاء على "اللبن المسكوب"، بل حرصـًا على ما تبقى منه، عسانا ننقذ المستقبل من وحوش الماضي وعفن الحاضر.
لقد آن لنا، في لحظتنا الراهنة، أن نتوقف ليس فقط عن عبادة الأشخاص، وإنما عن عبادة الأنماط، التي ثبت فشلها، والأفكار التي اتضح زيفها؛ إذ لا وقت عندنا نضيعه فيها من جديد.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

3 التعليقات على "أساطير .. يجب أن تسقط"

أكتب تعليقا