الضرب على القفا.. تاريخ من الاستباحة

| |





تلك العلاقة الغريبة بين الأمن والمواطن فى مصر تتجسد فى حالة الريبة لدى المواطن المصرى، الذى يخشى دخول أقسام الشرطة والتعامل، عبر التاريخ، مع رجال الشرطة وحفظ الأمن.
يعزو البعض ذلك إلى التراث المملوكى، أو تراث الدقشرمة. والدقشرمة هم رقيق كان العثمانيون يأتون بهم من شرق أوروبا وهم أطفال صغار، ثم يربونهم ويخضعونهم لتدريبات عسكرية شاقة وتدريبات إدارية، ويُلحقونهم بالجيش أو المناصب الإدارية المهمة. وكان هؤلاء الدقشرمة يعاملون المصريين بغلظة وقسوة وينظرون بتعالٍ إلى أبناء مصر.
ويبدو أن سلالة الدقشرمة لم تنقرض، بل واصلت التوالد والانتشار على بر مصر.
ثقافة التعذيب راسخة مستقرة فى عقيدة الداخلية وممارساتها، وقد يبدو للوهلة الأولى أن اجتثاث هذه الممارسة من التربة الخصبة التى توفرها الداخلية مهمة مستحيلة. وفى تقديرنا أن عُقدة التعالى ونظرة الاستخفاف بالمواطن وحقوقه ونظرية «الضرب يولد الاعتراف» التى ابتدعها رجال الأمن، جعلت فى مجملها المواطن يخشى التعامل مع الشرطة حتى لو كان شاكيًا.
إن ممارسات التعذيب واستعمال القسوة والإهانة أسئلة مؤرقة فى علاقة المواطن بالسلطة. وعلى رغم الترسانة التشريعية التى تعاقب على التعذيب من أحكام دستورية وقانونية وصكوك دولية، فإن القصص المؤلمة ما زالت تتناهى إلى أسماعنا، كأن مفهوم الكرامة الآدمية شىء لا يعرفه رجال التعذيب هنا وهناك.
وفى السنوات التى سبقت ثورة يناير، تعددت الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى جهاز الشرطة، من انتقاص لحقوق المواطنين وانتهاكات لحرياتهم الأساسية، وجرائم تعذيب يندى لها الجبين.
وكان من العقوبات المألوفة فى العهد العثمانى الجلد وحلق اللحى والضرب وخرم الأنوف وقطع الأيدى وصلم الآذان والتشهير والسجن والعمل الشاق بترسانة الإسكندرية والتجنيد فى الجيش، وكانت الشرطة تتولى تنفيذ العقوبات مباشرة حتى أحكام الإعدام. وكانت الشرطة تتولى تنفيذ العقوبات مباشرة بما فى ذلك أحكام الإعدام، إذ كان ضباط العاصمة ومديرو الأقاليم ونظار الأقسام فى بداية عهد محمد على ينفذون أحكام الإعدام من تلقاء أنفسهم، حتى حُرِموا من ذلك الحق فى سنة 1834، واشتُرِط استئذان الباشا فى تنفيذ ما يصدرونه من أحكام الإعدام.
ويقول الرحالة البريطانى ريتشارد فرانسيس بيرتون، الذى زار مصر عام 1853: «إن المصرى إذا تعامل مع ضابط شرطةٍ أو دخل مركز الشرطة لأى أمر كان، فلا بدّ أن يضربه الضابط أو المسؤول عنه على قفاه حتى قبل أن تثبت عليه التهمة». ويقول بيرتون «إنك تمر مع المتهمين الآخرين ليأخذ كل منهم (قفا) فإذا جاء دورك أخذت الذى أخذوا. والقفا خاص بالمصرى دون سواه.. فإذا كنت أجنبيا تحرزوا فى إعطائك القفا وأحالوك إلى قنصلية بلادك». أما عن الضرب بالفلكة «الفلقة» فيفيض بيرتون فى الحديث عنه.. على أن الضرب على «العروسة» قد حل بعد ذلك محل الضرب بالفلكة.
ويحدثنا رحّالة آخر هو الأمير رودولف من الأسرة الحاكمة النمساوية المجرية «آل هابسبرج»، الذى زار مصر فى أواخر عهد الخديو إسماعيل، عن أن المصرى يخاف خوفا مرعبا من الذين يلبسون ملابس رسمية. وقص قصة «خولى» أو رئيس أنفار دخل هاربا بين أعواد القصب بمجرد رؤية خادمٍ ملكى يرتدى ملابس رسمية. ويدهش رودولف لذلك مع أنه أمير نمساوى، وكانت النمسا فى ذلك الوقت مشهورة بالحكم القمعى العنيف ومعاملة الفلاحين معاملة سيئة.
نقرأ المزيد حول هذه الممارسات الشنيعة فى كتاب «الأطلال، أو تأملات فى ثورات الإمبراطوريات»، الذى أصدره الكونت كونستانتان دى فولنى فى 1791 بعد أن قضى أربع سنوات من الرحلة فى مصر والشام.
الكتاب الذى أعجب به المفكر توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، حتى إنه شارك سرا فى ترجمته مع جويل بارلو، جاء فيه أن «كل ما يقع فى مصر تحت البصر أو السمع يدل على أن هذا البلد بلد الاستعباد والاستبداد. فإنك لا تسمع حديثا إلا وله صلة بفتنة أهلية أو فاقة عامة أو ابتزاز مال أو اغتصاب حق أو تعذيب بالضرب أو إزهاق لروح. فالأمن فيها على الأرواح والأموال مفقود ودم الإنسان يهدر كدم الحيوان. والقضاء نفسه يسفك الدم فى غير صورة قضائية وعسس الليل والشرطة يتولون، فى جولاتهم الليلية والنهارية للمحافظة على الأمن والنظام، الفصل فى الخصومات بين الناس وينطقون بالأحكام على الفور وينفذونها فى أقل من لمح البصر، بدون أن يكون للمحكوم عليه حق الاستئناف. وترى الجلادين لهذا السبب يطؤون مواقع الجنود ويرافقونهم أيان يذهبون ويلازمونهم، حيث يحلون، فما هى إلا إشارة من أحدهم حتى ترى رأس مظلوم وقد هوت إلى قاع كيس من الجلد.
«وليت خطورة الذنب نفسه تسوغ تعريض المذنب لمثل تلك العقوبة، فإنك كثيرًا ما تجد أن الباعث على السير بين الناس بمثل هذا التعسف شره فى نفس عظيم من أرباب الشوكة والجاه أو وشاية من عدو بغيض، وهو ما ينجم عنه أن يُدعى الشخص المشتبه فيه بأن عنده مالا، إلى المثول بين يدى البك (يقصد الحاكم المملوكى) فيطالبه بمبلغ معين. فإذا أنكر أن عنده مالا إلى المثول يفى بالمطلوب طُرح أرضًا وجُلد على قدميه مئتى جلدة أو ثلاثمئة، وكثيرًا ما يفضى هذا الضرب إلى موته، فتعسًا تعسًا لمن يشتبه فيه أنه على شىء من اليسر والرخاء، إذ ما من أحد اتجهت إليه هذه الشبهة إلا وقد كانت العيون مبثوثة حوله للتجسس عليهن فلا يلبث أن يبلغ أمره إلى ذوى الشأن.
«وليس بميسور لأحد أن ينقذ نفسه من شر اعتداء الأقوياء على ماله إلا إذا تظاهر بالفقر المدقع ولبس للمسكنة والزراية لبوسها».
وفى عام 1856، فى أثناء حُكم محمد سعيد باشا، كانت القوانين الجنائية لمحمد على باشا نافذة، حيث أرسل شيخ لإحدى القرى شخصا مطلوبا للتجنيد، فأمر الوالى بشنقه على الملأ فى مدينة طنطا، رغم أن العقوبة المنصوص عليها هى الجلد حتى 500 جلدة.
ونُفِذَ حُكم الإعدام فى شيخ البلد فى منوف، لأنه كان يُرغم الأهالى على العمل، رغم أن العقوبة الأصلية لا تتعدى الحبس 45 يومًا.

يقول ناصر أمين، مدير مركز العربى للاستقلال القضائى، الذى تولى قضية الدفاع عن «عماد الكبير» فى قضية هتك عرضه فى قسم شرطة بولاق الدكرور على يد ضابط، إنه بعد الاعتداء على عماد وتعذيبه، لم يتخذ أى إجراء ضد الضابط إسلام نبيه، لمدة سنة، إلى أن اكتشف هو الواقعة عبر المواقع الإلكترونية، فتقدم ببلاغ إلى النيابة تضمن 3 وقائع فيديو لتعذيب محتمل داخل أقسام الشرطة، تبين لاحقًا أنها لقطات لواقعة الاعتداء على عماد الكبير وتورط فيها الضابط إسلام نبيه، وواقعة اعتداء الضابط مصطفى شحاتة بالضرب على قفا أحمد جاد الكريم، إضافة إلى واقعة ضرب فتاة على يد رجل شرطة ثالث.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الضرب على القفا.. تاريخ من الاستباحة"

أكتب تعليقا