البحث عن وزير سياسي

| |




أول دروس السباحة أن تستخدم كلتا ذراعيك لكى تشق طريقك وسط الأمواج المتلاطمة. وأول دروس العمل السياسى أن تكون فاهما فى أحاديثك ونشاطك ومواقفك، حتى لا تغرق فى بحور السياسة.

المشكلة أننا فى مصر الآن نفتقد باختصار شديد إلى الوزير السياسى، الذى يجيد لعبة السياسة ويملك ثقافة ووعيا سياسيا، وربما تجربة فى العمل السياسى والممارسة الحزبية والديمقراطية، تؤهله لكى يؤدى دوره بصورة أفضل بدلا من السقوط عند أول مطب سياسى!

إن الحكومة هى قمة الجهاز التنفيذى، وليس متصورا أن يتربع فوق هذه القمة شخصية لا تفهم فى السياسة أو تعانى حالة أمية سياسية، أو تجهل الأسلوب الأمثل لإدارة الأزمات السياسية المتعلقة بدور وموقع وظروف دولة مثل مصر.

وليتنا نستعيد ما ذكره د. إبراهيم شحاتة فى كتابه المهم «وصيتى لبلادى»، حين قال إنه يُشترط فى العناصر القادرة على قيادة الجهاز الحكومى وتشغيله على أفضل نحو أن تملك مقومات لا بدّ من التيقن من توافرها، أهمها الكفاءة الشخصية العالية الناتجة عن الدرجة الرفيعة من المعرفة والخبرة والتجربة فى تحمل المسؤوليات الصعبة والقدرة على حل المشكلات وعلى إدارة الناس «وليس مجرد التميز الأكاديمى أو السيرة الطيبة»!

وباختصار، فإنه ينبغى لأى شخص يقع عليه الاختيار لشغل منصب رئيس الحكومة أو الوزير أن يكون صالحا فى ذاته وفى نظر الناس للقيادة ولتولى أرفع المسؤوليات فى الدولة، وليس مجرد أى شخص يفاجأ الناس باختياره على أسس غير معروفة أو لمجرد صِلاته الشخصية أو حسن سيره وسلوكه أو بمحض الصدفة!

وهذا لن يتوافر بشكل أساسى إلا فى من يفهم فى السياسة ويملك رصيدا كبيرا من الوعى والممارسة السياسية، ونعنى بذلك الرؤية الفاهمة للتجربة السياسية، وليس مجرد القدرة على التنظير الأكاديمى سواء فى السياسة أو الاقتصاد.

الأكيد أن بعض الوزراء يحتاجون إلى مدرسين خصوصيين فى مادة السياسة، خصوصا فى الفصل المعنون «ما الذى يقال وما الذى لا يقال علنًا».

فى أسبوع واحد من شهر مايو عام 2015، رأينا كيف أن زلات لسان الوزراء يمكن أن تحرج الحكومة بشدة.

سمعنا وزير العدل المستشار محفوظ صابر يعلن على الملأ أن ابن عامل النظافة لا يجوز أن يصبح قاضيا، ثم خرجت علينا وزيرة التطوير الحضرى د. ليلى إسكندر بتصريح غريب بأن «الصعايدة» هم سبب مشكلة العشوائيات فى مصر!

وزير العدل تم إجباره على الاستقالة. ما قاله الرجل كان صادما، لكنه فى المقابل كان تعبيرا فجا عن أمر واقع، وبالتالى فإن الرجل دفع ثمن صراحته، وبعد خروجه من المنصب بدا متمسكا بما قال.

وزيرة العشوائيات تبرأت لاحقا من التصريح، وقالت إن ما نُشِر على لسانها «غير دقيق»، وهو التعبير الشهير الذى يقوله كل مسؤول يريد أن يتراجع عن تصريحاته، خصوصا بعد الانتقادات الواسعة التى تعرضت لها إسكندر من ناشطين صعايدة طالبوا بإقالتها أو على الأقل اعتذارها.

كثير من الكتاب والمعلقين ناقشوا مضمون ما قاله الوزير والوزيرة وأشبعوه تحليلا، وبالتالى علينا أن نلتفت إلى نقطة أخرى مهمة وهى كيفية تدريب الوزراء على أن يكونوا سياسيين.

هذا الأمر ليس هزلا أو سخرية أو دعابة، بل هو أمر مهم، وفى كل البلدان التى تريد أن تتقدم فالطبيعى أن يكون الوزير سياسيا مخضرما.

فى البلدان الناضجة ديمقراطيا يندر أن يأتى وزير إلى منصبه فجأة، من الجامعة أو القضاء أو الشرطة أو الجيش. هذا لا يحدث إلا فى البلدان النامية. أما فى البلدان المتقدمة أو الديمقراطية فإن الوزير يبدأ حياته عضوا فى حزب ويتدرج فى المراكز القيادية حتى يصير كادرا وناشطا، وعندما يصل حزبه إلى السلطة، أو يحقق نتائج جيدة فى الانتخابات العامة، من الممكن أن يتولى منصبا وزاريا أو فى أى جهة مهمة. عندما يحصل على هذا المنصب يكون قد قضى فترة قد لا تقل أحيانا عن عشر سنوات فى العمل السياسى، وبالتالى يكون قد عرك وخبر وفهم دهاليز العمل السياسى، وتدرب على الخطابة ومواجهة الجماهير وفهم القضايا الداخلية والخارجية، والنتيجة أن هذا الوزير يصعب عليه أن يقع فى خطأ فادح من قبيل ما وقع فيه وزير العدل المستقيل.

الوزراء والمسؤولون فى الخارج يخضعون لدورات متخصصة فى موضوعات متعددة مثل كيف يتحدث إلى الناس، وكيف يخاطب الإعلام، وكيف يتعامل أمنيا إذا سافر إلى الخارج، خصوصا فى مسائل المعلومات والنساء والأموال.

وبما أننا فى مصر ومعظم الوزراء يأتون من طبقة التكنوقراط ولم يسبق لهم أن مارسوا العمل السياسى المعتاد، وبما أن الحكومة لا تريد صداعا مستمرا فى رأسها من جراء زلات اللسان الفادحة التى يقعون فيها، فإن البعض يرى أن تكون هناك ورشة عمل أو دورة أو برنامج تأهيلى للوزراء وكبار المسؤولين يتعلمون فيها كيفية التعامل مع الناس والإعلام.

فى هذه الدورة، لا بدّ من تثقيف الوزراء على كيفية مواجهة وسائل الإعلام، والتفكير مرات قبل الإجابة عن أى سؤال، لأن كلمة عابرة من هذا الوزير أو ذاك قد تكبد الحكومة ما لا تطيق. فكرة الدورة أو الورشة لا تنتقص من قيمة الحكومة أو الوزير، بل الذى يقود لذلك هو قلة الخبرة التى تؤدى إلى كوارث.

أى أزمة وأى تناقض يعيشه وزراء بينهم وبين السياسة بحور، فإذا جربوا السباحة فيها غرقوا، وأصبح حادث الغرق نفسه فضيحة سياسية!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "البحث عن وزير سياسي"

أكتب تعليقا