مجلس نواب.. بلا أنياب

| |




في السباق حول انتخاب برلمان جديد في مصر قبل أن يطوي عام 2015 أوراقه الأخيرة، نشهد حالة من الارتباك والضبابية نتيجة عدم حسم عدد من القضايا المتعلقة بالمجلس النيابي ومهامه وعلاقته بالسلطة التنفيذية، فضلاً عن تساؤلات بشأن الدور الرقابي والتشريعي لهذا البرلمان في ظل غياب تام للمعارضة عن الساحتين السياسية والحزبية.

تبدو التأكيدات غائبة، والإشارات متضاربة.

فقد أثار إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسى قانون «تقسيم الدوائر» وحده، دون قانونى «مباشرة الحقوق السياسية» و«مجلس النواب»، جدلا واسعا، على الرغم من وجود القوانين الثلاثة المنظمة لانتخابات النواب فى مؤسسة الرئاسة بعد انتهاء التعديلات عليها، وبالتزامن مع مرور 100 يوم على صدور أحكام المحكمة الدستورية العليا ببطلان قوانين الانتخابات.

لا الرئيس ولا متحدثه الرسمى أوضحا أسباب عدم إصدار القانونين، خصوصًا فى ظل بالونات الاختبار التى تعمدت الحكومة إلهاء الرأى العام بها طوال فترة إعداد القوانين، سواء بالحديث عن تحصين البرلمان وتعديل قانون المحكمة الدستورية، أو بدعوة رئيس الوزراء للأحزاب والقوى السياسية للانعقاد، بحجة الاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم بعد شهر من عمل لجنة تعديل القوانين.

ربما رجَّح رئيس الجمهورية إصدار قانون تقسيم الدوائر لإغلاق باب الجدل الثائر حول هذا القانون، ونظرا إلى أهميته. فى غالب الأمر لن تصدر أى تعديلات على قانون مباشرة الحقوق السياسية. لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن قانون «تقسيم الدوائر» محل طعن، خصوصًا أن اللجنة أصرت على المشروع الذى تقدمت به، ورفضت الأخذ بالتعديلات التى أبداها مجلس الدولة فى ما يتعلق بمواد القانون، كما أن تجاهُل تلك التعديلات من شأنه إخراج القانون بعوار يحول دون إتمام الانتخابات.

يأتى ذلك فى الوقت الذى لم يصدر فيه الرئيس قرارا جمهوريا بإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، بعد خروج 5 أعضاء منها فى 30 يونيو الماضى، لبلوغهم سن التقاعد، وترقية آخرين بدلًا منهم، لأن القرار الجمهورى بتشكيل اللجنة الأولى بأسماء وصفات الأعضاء الأصليين والاحتياطيين، وهو ما يستلزم صدور قرار جمهورى جديد يسمى الأعضاء حتى لا يكون عمل اللجنة مخالفًا لنص المادة (228) من الدستور التى نصت على أن تتولى اللجنة العليا للانتخابات (القائمة) فى تاريخ العمل بالدستور، الإشراف الكامل على أول انتخابات برلمانية تالية.

فى تقديرنا أن قانون تقسيم الدوائر، حمل عيوب نظامَى «الفردى» و«القائمة النسبية»، ولم تستجب الحكومة لمطالب الأحزاب، التى عرضتها فى اللقاءات التشاورية الأخيرة.

على أى حال، فإن نظام انتخاب مجلس النواب المقبل لا يسمح بتوقع توازن قوى على النحو اللازم لتضافر الجهود وبناء المؤسسات فى مرحلة بالغة الصعوبة يتراكم فيها ميراث نحو أربعة عقود من التسلط والفساد وسوء الإدارة وسطوة الثروة حين تحالفت مع السلطة.

يتوقع أن يكون مجلس النواب المقبل مفتتًا بين عدد ضخم من الأحزاب والمجموعات والأشخاص، فى حالة هى أقرب ما تكون إلى توازن الضعف، بسبب نظام الانتخاب القائم على الأغلبية المطلقة سواء للأفراد أو المجموعات (القوائم). وفى ظل غياب أحزاب كبيرة ونتيجة عدم وجود مجالس محلية ستكون الغلبة للمرشحين أصحاب النفوذ المحلى والمالى والعصبيات العائلية والعشائرية. وإذا كان نظام انتخاب سيئ أدى فى عهود سابقة إلى مجلس بلا أغلبية وفق النتائج الرسمية، وقبل إعادة ترتيب الوضع، فى وجود «حزب» ذى حجم تجمعه مصالح واسعة، كما كان الحال بالنسبة إلى الحزب الوطنى الديمقراطى، فما بالنا بما سيترتب على مثله فى غياب مثل هذا الحزب.

وإذا كانت خريطة الأحزاب المتوقع أن يكون لها تمثيل فى المجلس المقبل مفتتة على نحو كبير، فى الوقت الذى يرجح فيه أن يكون نصف هذا المجلس أفرادًا مستقلين لا يعنى معظمهم بأكثر من مصالحه وقضايا دائرته الانتخابية، فمن الصعب توقع أداء قوى لهذا المجلس فى ظل توازن الضعف هذا.

ومع ذلك يظل وجود مثل هذا المجلس بكل علاته أفضل من غيابه أو تغييبه، وسيبقى ثمة دور مهم لكثير من ممثلى الأحزاب الديمقراطية وبعض نواب الأحزاب التقليدية على المستويين التشريعى والرقابى.

تشير المؤشرات التى يمكن استنباطها من المعطيات الراهنة إلى قصور القوانين واللوائح والإجراءات فى تحقيق المشاركة الحزبية المرغوبة فى مجلس النواب المقبل، ومن ثم عدم تحقيقه التمثيل الأمثل لفئات المجتمع ومؤسساته السياسية، فمن المتوقع أن ينتج عن النسبة المتدنية للمقاعد المخصصة للقوائم (مع اتساع دوائرها الانتخابية من حيث عدد الناخبين والمساحة الجغرافية) عدد من القيود التى تقلل من قدرة الأحزاب وفاعليتها فى المشاركة.

السؤال المهم لمصر كلها: أين نحن من الانتخابات البرلمانية؟ أين الحكومة تحديدًا؟

يعد البرلمان المقبل مجلسًا تأسيسيًّا للجمهورية الثالثة، على نحو ما يأمل كثيرون، وهو فى ذلك بحاجة إلى أجندة تشريعية واضحة وتركيبة متوازنة ونواب حريصين على المصلحة الوطنية، بعيدًا عن المنازعات الانتخابية والحزبية التى تحكمها المصالح الضيقة.

السؤال الأكثر إلحاحًا بشأن موضوع البرلمان المقبل هو: هل يسمح القانون الجديد للانتخابات البرلمانية بدعم النظام الحزبى فى مصر بحكم أنه يمثل أحد العوامل الحاكمة لنجاح أى تجربة ديمقراطية؟

الحكومة ستجد نفسها أمام عدد كبير من النواب فى هذه الدورة المهمة، يقترب من 600 عضو، فهل تستوعب قاعة مجلس النواب هذا العدد؟ لا توجد إجابة على ذلك لدى الحكومة الآن، خصوصًا أن المجلس الجديد سيضم نوابًا من ذوى الإعاقة -قرابة 8 نواب على الأقل حسب نص الدستور الجديد- فهل نملك إمكانيات تعامل هؤلاء مع زملائهم ومع جلسات البرلمان، وكيف سيقومون بإبداء آرائهم.. بمعنى هل سيكون هناك مترجمو إشارة للصم والبكم منهم، أو مطبوعات بطريقة «برايل» للمكفوفين منهم، أو مصاعد مخصصة فى العموم لهم؟

أما نحن كمواطنين فيجب أن نحدّد مَن نريده، هل نريده نائبًا خدميًّا يعزّينا فى المآتم ويحضر الأفراح ويشغَّل الأقارب والمعارف؟ أم نريده نائب تشريع يقدّم خدمات أكبر وأهم؟

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مجلس نواب.. بلا أنياب"

أكتب تعليقا