عمر الشريف.. بداية ونهاية

| |




مسيرة فنية طويلة قطعها عمر الشريف، توجها بنجومية كبيرة وشهرة واسعة عربيـًا وعالمياً، فضلاً عن ترشحه لجائزة الأوسكار وفوزه بثلاث جوائز الكرة الذهبية "غولدن غلوب" وجائزة سيزر.
 دخل عمر الشريف عالم السينما من بوابة المخرج يوسف شاهين، فقدم شكلاً مختلفاً للممثل والأداء في السينما المصرية. ربما تأثر ميشيل ديميتري شلهوب -وهذا هو اسمه الأصلي- بثقافته الأدبية التي تلقاها في مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية؛ حيث درس وليام شكسبير وكورني وراسين، كما أحبَّ التمثيل ومارسه كهواية، فضلا عن تمتعه بملامح وجه واضحة، أوضح ما فيها عينان واسعتان، غائرتان، تلتمعان بالذكاء والانتباه والقدرة على التركيز والاستيعاب، تترقرقان أحيانـًا بنظرة رومانسية حالمة، ومن الممكن أن تغدو النظرة حادة جارحة، أقرب لنظرات صقر.
فوق العينين حاجبان كثيفان يؤكدان أهمية العينين، وجبهة عريضة توحي باتساع أفق صاحبها.. فم رقيق الشفتين، توحيان في ابتسامتهما بالألفة والرضا، وتعلنان في انطباقهما عن قوة العزيمة والاستعداد لقبول التحدي، وثمة شامة على الجانب الأيمن من الأنف، تُكسب الوجه طابعـًا خاصـًا. 
مشكلتان واجهتا عمر الشريف في البداية، تتعلق إحداهما بأدائه الصوتي المتسم بلكنة أجنبية لا تجيد نطق حرفَي الطاء والضاد، وتتجسد الثانية في بطء التعبير عن ردود الفعل، فانفعالاته تتأخر للحظات قبل أن يعبر عنها، وهذه المشكلة تلاشت أو كادت مع يوسف شاهين الذي منحه بطولة "صراع في الوادي" 1954. 
في هذا الممثل، تعرض البطل "أحمد"، المهندس الزراعي النابه، إلى عشرات المواقف المتباينة والأحداث الساخنة، تتوالى متسارعة، بطريقة تتطلب من عمر الشريف انتقالًا يقظـًا، متفهمـًا، من إحساس لآخر، فضلًا عن تهيُئه، نفسيـًا وجسمانيـًا، للدخول في جميع ألوان الصراع: الساكن، المتصاعد، المتصادم، داخل ذاته وضد آخرين، بل ثمة مطاردات دامية بين أعمدة معبد الكرنك، ومعارك حياة أو موت، وبالتالي كان لا بدَّ أن ينطلق عمر الشريف برشاقة وسرعة، ما أدى إلى تخلي عمر الشريف عن تحفظه وجموده وجعله أكثر مرونة وطواعية.
بدا في الجزء الأول من الفيلم مشرقـًا متوهجـًا، بفعل عاطفته وشخصيته، أما في النصف الثاني، عقب القبض على والده، فقد ارتسمت في عينيه تلك النظرة القلقة، الحائرة، الحذرة، الحزينة برغم لمسات الأمل والمحبة التي يحظى بها من حبيبته "بطاطا" أو "بتاتا" حسب نطقه. 
نجح عمر الشريف في الاختيار واستقبل نقديـًا وجماهيريـًا بحفاوة لم تتحقق في فيلمه التالي "شيطان الصحراء" ليوسف شاهين 1954، الأقرب للمغامرات ذات الطابع التاريخي، ذلك أنه هنا يقدم دور الفارس الذي يمتطي صهوة جواده ويعدو به مبارزًا جنود طاغية، منقذًا فتاة من قبيلته. 
دور يتطلب حركة خارجية ولياقة بدنية ويكاد يخلو من الانفعالات الداخلية التي وجدها في فيلمه التالي "صراع في الميناء" ليوسف شاهين أيضـًا 1955، حيث يخوض صراعـًا أشد شراسة من صراعه ضد عواصف البحر التي تعرض لها في مهنته كبحار، في هذا الفيلم رسخ عمر الشريف نجاحه الذي حققه في "صراع في الوادd".
ثم شارك عمر الشريف كُلًا من عبدالحليم حافظ وأحمد رمزي في "أيامنا الحلوة" لحلمي حليم عام 1955. جاء الفيلم دافئـًا رقيقـًا، يعلي من شأن الصداقة بين الشبان الثلاثة. وظهر عمر الشريف متوازنـًا، عقلانيـًا، يُعبر باقتصاد ولكن بعمق عن أحاسيسه المترعة بالمحبة تارة والقلق تارة ثانية والحزينة تارة أخرى.
توالت أفلام عمر الشريف مع مخرجين أضافوا له بقدر ما أضاف لهم، وأثبت قدرته على مراعاة ظلال الشخصيات التي يؤديها برغم تكوينها الداخلي المتشابه، فمثلًا جسد شخصية الشاب الذي تبلغ براءته حد السذاجة، حتى أنه يغدو ألعوبة في يد الآخرين، بل مخلبـًا ينفذ إرادة الأشرار. في هذا الإطار قدم "من أجل امرأة" لكمال الشيخ عام 1959، و"صراع في النيل" لعاطف سالم عام 1959، و"إشاعة حب" لفطين عبدالوهاب عام 1960. 
في "من أجل امرأة" المحكم البناء، يمتزج الحب الجنوني بالجريمة، والجمال بالتآمر، والثقة بالخداع. عمر الشريف، مع أستاذ التشويق الهادئ كمال الشيخ، تعلم ضبط الانفعال لا إطلاقه، السيطرة الكاملة على ملامح الوجه وارتفاع الصوت، فضلًا عن الانتقال السلس من إحساس لإحساس، ولعل لحظات التردد التي انتابت عمر الشريف إزاء إلقاء ضحيته من باب القطار تعد من أعمق اللحظات إبداعـًا، فالإنهاك النفساني الذي يحسه عمر الشريف ينعكس على جسمه فيبدو مرهقـًا تمامـًا، يتابع بنظرات مضطربة، زائغة، حركة الثري العجوز الجالس بالقرب منه، وفجأة تداهمه رغبة في القيء، إنه ليس مجرمـًا بالسليقة، لكن متورطـًا بلا عودة.
من شخصية الأفندي، الموظف، المحترم والمحبوب في "من أجل امرأة" ينتقل إلى شخصية الصعيدي الطيب، المكلف بالسفر للقاهرة كي يشتري "صندلًا" نيليـًا جديدًا، ومعه قريبه المجرب رشدي أباظة، ولأن محاولة نشل النقود التي معه تفشل، تدس العصابة في المركب غانية تؤدي دورها هند رستم، تفتنه بجمالها، وتحاول سرقة النقود، ويغدو ألعوبة في يدها، حتى إنها تثير غيرته تجاه قريبه ويتمنى الفتك به. 
هنا تتباين طريقة أداء عمر الشريف عما كانت عليه في "من أجل امرأة"، ذلك أنه يضع الفروق التفصيلية بين الشخصيتين في وعيه. إنه عاشق في "من أجل امرأة" ومستثار في "صراع في النيل". الثروة المتوقعة تزيد من اندفاعه في الفيلم الأول، والشبق فقط هو الذي يحركه في الفيلم الثاني. مشارك وفعال مع كمال الشيخ وأقرب إلى المراهق الذي يسيل لعابه مع عاطف سالم. 
في "إشاعة حب" حقق عمر الشريف نجاحـًا مختلفـًا، هذه المرة في مجال الكوميديا؛ إذ يطالعنا بنظارة طبية وشارب مشعث وبذلة غير مكواة ورابطة عنق مترهلة، مظهره يتوافق مع مخبره كوقور ساذج، يحب ابنة عمه ــ سعاد حسني التي لا تكترث به.
طوال الفيلم، يحافظ عمر الشريف على وحدة أدائه بلا مغالاة أو افتعال، وتتجلى سيطرته على أدواته خلال ردود فعله المتباطئة وصوته المنخفض البعيد عن الانفعالات الساخنة ومتابعته للمواقف كمشاهد أكثر من كونه مشاركـًا، وهذه كلها تصب وتعبر عن شخصيته.
في أقل من عشر سنوات، قبل انتقاله للسينما العالمية، قدم عمر الشريف أكثر من عشرين فيلمـًا وعمل مع كبار المخرجين المصريين: نيازي مصطفى في "فضيحة في الزمالك" عام 1959، وعز الدين ذو الفقار في "نهر الحب" عام 1960، وهنري بركات في "في بيتنا رجل" عام 1961، لكنه يصل إلى مرتبة رفيعة مع صلاح أبو سيف في "بداية ونهاية" عام 1960.

"حسنين"، الضابط الشاب، الموغل في الأنانية، ابن الأسرة الفقيرة التي مات عائلها، يعيش متذمرًا على وضعه الاجتماعي المتدني، يطمح للصعود بأي ثمن وأية وسيلة.
شخصية مركبة، تعيش في أجواء خانقة وعاصفة في آن، تريد تغيير العالم وفق هواها، وبأسلوبه المتميز استوعب عمر الشريف هذه الشخصية وامتلأ بها وعبر عنها بلمسات تفصيلية بالغة البساطة قوية الإيحاء.
في مشهد النهاية، تلقى الشقيقة "نفيسة" (سناء جميل) بنفسها إلى مياه النيل، وبلقطة واحدة يمتزج في عينَي عمر الشريف مزيج من الانفعالات المركبة: الذعر مع الأسى ومع الرغبة في إيقافها مع اليأس.
في السينما العالمية، ترك عمر الشريف بصمته.
في "لورانس العرب" للمخرج البريطاني ديفيد لين، أدى عمر الشريف دوره على نحو متفهم، متمكن، معبرًا عن قوة وصلابة وربما خشونة "الشريف علي"، المقاتل، الذي لا يعرف الخوف أو التردد لقلبه سبيلًا، ومع نجاح الفيلم نجاحـًا هائلًا، أصبح لعمر الشريف حضورٌ معترف به على شاشة السينما العالمية.
تلاحقت أفلام عمر الشريف: "انظر إلى جواد شاحب" ( 1962) من إخراج فريد زينمان، أمام غريغوري بيك وأنتوني كوين، "سقوط الإمبراطورية الرومانية" (1962) من إخراج أنتوني مان، أمام صوفيا لورين وستيفن بويد وجيمس مايسون، "الرولز رويس الصفراء" (1963) من إخراج أنتوني اسكويس أمام إنغريد برغمان وركس هاريسون وآلن ديلون، ومرة ثانية يتعاون عمر الشريف مع مكتشفه عالميـًا ديفيد لين، الذي منحه بطولة "دكتور زيفاغو" عام 1965 أمام جولي كريستي وجيرالدين شابلن.
المساحة التي شغلها عمر الشريف في "دكتور زيفاغو" تختلف تمامـًا عن المساحة التي تمتع بها في "لورانس العرب"، فهنا تكاد تكون البطولة مقصورة على شخصية محورية واحدة، تجد نفسها في دوامة أحداث تاريخية عاصفة، فضلًا عن مواقف عاطفية تتضمن الحب والفراق واللقاء من جديد والوداع والألم والسعادة، وتمتزج أحداث الثورة والمطاردة والهروب الجماعي والنجاة مع المواقف الذاتية للدكتور زيفاغو. 
عمر الشريف وجد ضالته في هذا الدور الذي جسد فيه عشرات الأحاسيس بشفافية أخاذة، خصوصـًا أن زيفاغو يكتب الشعر، وبالتالي يتأثر بعمق وهو يرى الممارسات الوحشية للثوار ضد الناس. بصرف النظر عن التوجه السياسي العام للفيلم، إلا أنه، بما في ذلك عمر الشريف، جاء قويـًا، مؤثرًا، ناجحـًا تمامـًا، خصوصـًا من ناحية شباك التذاكر. 
لاحقـًا، أدى عمر الشريف الأدوار الأساسية في عشرات الأفلام، بعضها متواضع القيمة، لكنه، في مشواره الذي أخذه مأخذ الجد، صقل موهبته وازداد خبرة ودراية، حتى إن أداءه في العديد من المشاهد يظل عالقـًا في الذاكرة، ربما بمعزل عن الأفلام التي علاها غبار النسيان، فعلى سبيل المثال في "الموعد" لسيدني لوميت (1969) يهيم حُبـًّا بامرأة -آنوك إيميه- ولأسباب عدة تعصف به الشكوك، وها هو يقف وراء باب في بيت مشبوه ويتوقع قدومها.. يسمع خطوات امرأة في الممر، وصوت اقتراب الخطوات ينعكس على كيانه كله الذي يوحي لنا بأنه يتداعى، نكاد نسمع دقات قلبه المضطربة، الإعياء يتزايد على صفحة وجهه، في حين تعبر نظرته عن انفعال مركب من حب الاستطلاع والحزن والخوف، هكذا، في لحظة واحدة..
الأهم، في أداء عمر الشريف تلك القوة الإيحائية التي تبعث بالرسالة من دون أن تعلن عنها مباشرة. في المشهد الافتتاحي لفيلم "السيد إبراهيم وزهور القرآن" الذي أخرجه فرانسوا دوبيرون (2003)، يجلس صاحب محل البقالة ــ عمر الشريف ــ صامتـًا، مستكينـًا، أمام طاولة صغيرة، ورغم أنه لا يرى الصبي الذي يسرق بعض المعلبات فإنه يعطي إحساسـًا بأنه يراه، وهذا ما نتأكد منه عندما يحنو على الصبي السارق ويمنحه ما سرقه.. لقد وصل عمر الشريف إلى درجة عالية من الشفافية.
في "السيد إبراهيم وزهور القرآن"، الذي حصل عنه على جائزة "سيزار" كأفضل ممثل، أحدث جدلًا كبيرًا لما قدمه من شخصية لعجوز مسلم يصادق طفلًا يهوديـًا، كما قدم بعده أفلامـًا مثل "هيدالغو" (٢٠٠٤)، و"القديس بطرس" (٢٠٠٥).
في رحلته الطويلة خارج البلاد، لم ينفصل عمر الشريف عن مصر؛ حيث كان يعود بين الحين والحين ليشارك في مسلسلات إذاعية مثل "أنف وثلاث عيون" عن رواية إحسان عبدالقدوس، و"الحب الضائع" عن رواية لطه حسين، كما قام ببطولة ثلاثة أفلام: "أيوب» لهاني لاشين (1984)، "الأراجوز" لهاني لاشين (1989)، "المواطن مصري" لصلاح أبو سيف (1991).
ومن دور العمدة المتجبر في "المواطن مصري" إلى الرجل المقعد في "أيوب" والصعلوك المشاكس في "الأراجوز" تنوعت طرق أداء وانفعالات عمر الشريف بشكل مدهش.
شارك عمر الشريف أيضـًا في فيلمَي "ضحك ولعب وجد وحب" (1993)، و"حسن ومرقص" (2008) ليحقق في الفيلم الأخير أمنيته بتقديم عمل سينمائي مع عادل إمام، لكنه رحل دون أن يحقق أمنيته الأخرى وهو أن يتقاسم بطولة فيلم مع أحمد زكي، الذي كان يشيد بأدائه التمثيلي وموهبته.
إنسانيـًا، أحَبَّ عمر الشريف نساء كثيرات، لكن حُبَّه الأكبر ظل حتى النهاية مرتبطـًا بسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
في لقاء صحفي، قال عمر الشريف، أيقونة الوسامة عند أغلب النساء العرب: "لا أنكر أنني وقعت في غرام نجمات أفلامي لبعض الوقت، مثل آفا غاردنر وإنغريد برغمان وباربرا سترايسند وأنوك إيميه، لكن، كان ذلك مجرد إعجاب في النهاية، ولم يتحوّل إلى الحب الحقيقي الصادق الذي لم أعشه إلا مرة واحدة في حياتي".
في لقاء آخر، قال الشريف عام 2002: "الحب في حياتي مسألة منتهية منذ نحو 30 عامـًا. بعد انفصالي عن فاتن حمامة ولم أجد لدى أي امرأة التقيت بها الحب الذي كنت أبحث عنه"، وعن مواصفات المرأة التي يبحث عنها، أجاب قائلًا: "أقدر المرأة التي لها شخصيتها المستقلة، ولا تكون تابعة لي ولديها عقل يجبرني على احترامها فأحب الحوار معها".
فاتن حمامة كانت، إذًا، حُبَّه الأكبر.
للقاء الأول أحكامه، ففي منزل فاتن حمامة عام 1954، امتدح عمر "بورتريه" رسمه الفنان الكبير صلاح طاهر للفنانة المتألقة، حين قال: "الله.. بورتريه رائع رسمه فنان مبدع.. بس فعلًا ما يساويش حاجة جنب الإبداع اللي عمله ربنا.. رسم وصور أجمل ملامح.. بأعظم ريشة في الكون وجسد الإبداع كله في أرق مخلوقة ممكن الإنسان يقابلها في حياته".
نفذت الكلمات إلى قلب الممثلة الخارجة للتو من تجربة زواج من المخرج عز الدين ذو الفقار.
أحداث الفيلم جمعت خيوط القلبين أكثر، حتى باح لها عمر في الكواليس أخيرًا: "مدام فاتن.. أنا بحبك"، فألقت فاتن نظرتها عند قدميها وصمتت. لم تنبس بشفة. فاستدرك عمر: "هل تقبلي قلبي؟ هل بتحبيني؟".
أومأت فاتن برأسها، فامتدت يد عمر إلى يد فاتن تلامسها بحنان ورفق وتلاقت نظرات الحُبِّ بينهما. فعاد يسألها: "بتحبيني؟"، فأدمعت عينا سيدة الشاشة وقالت في همس: "أيوه بحبك يا عمر"، فقال: "تتجوزيني"، فقبلت ولكنها طلبت منه تأجيل الأمر، إلى أن تدبّر أحوالها، حسب ما ورد في مجلة "إل" الفرنسية.
لم تمر تلك المشاعر بسلام، فقد فجَّرتها قبلة.
ففي المشاهد النهائية للفيلم، حدثت القبلة القنبلة بين فاتن وعمر، وهي القبلة التي عاتبها عليها شكري سرحان -الذي كان معروفـًا في الوسط الفني بأنه يميل لها- في حين أكدت فاتن بدورها، أنها لم تخرج عن التقاليد التي وضعتها لنفسها؛ "لأن مشهد القُبلة الذي ظهر في هذا الفيلم لا يمثل القُبلة بمعناها الصحيح؛ لأنها بسيطة عادية على الخد".
ودافع عمر الشريف، قائلًا "إن الموقف كان يتطلّب وجود قُبلة لشاب جريح يتعذَّب من الألم، وفي أشد الحاجة إلى العطف والحنان، ومن هنا كانت الُقبلة واجبة في هذا الموقف للتعبير عن هذه العاطفة الإنسانية نحو إنسان مصاب ويتعذَّب من الألم".
شنَّت الصحافة حملات ضد فاتن وعمر، خصوصـًا بسبب اختلاف الديانة، وفارق الشهرة.
بعدها كتب علي أمين مقالًا نفدت بعده نسخ جريدة "أخبار اليوم" من الأسواق بشكل مذهل، كان عنوانه "دموع فاتن حمامة" وكانت آخر جملة به: "من حق فاتن أن تتزوَّج من الرجل الذي أحبَّته.. وواجب جمهورها أن يجفّف دموعها.. ويساعدها على اجتياز المحنة.. لأنها تحب جمهورها بنفس القدر الذي يحبها به".
أعلن ميشيل شلهوب اعتناقه الإسلام واحتفظ باسم عمر الشريف طوال حياته، وتعاطف الجمهور بشدة مع قصة الحبيبين، وتزوج عمر وفاتن عام 1955.
تشارك الاثنان بطولة العديد من الأفلام منها "صراع في الميناء" (١٩٥٦)، و"لا أنام" (١٩٥٨)، و"سيدة القصر" (١٩٥٩)، و"نهر الحب" (١٩٦١).
غير أن بريق النجومية خطف عمر من فاتن، خصوصـًا بعد أن وقع الاختيار على النجم الشاب لبطولة فيلم "لورانس العرب". ترك عمر فاتن وابنهما طارق وسافر، لتتباعد المسافات أكثر فأكثر بينهما على مر السنوات وانتشرت الشائعات عن غراميات "عصفور الشرق" مع نجمات مثل الأميركية باربرا سترايسند، والإيطالية آنا ماريا كاتالي، وغيرهما.
مع تمسُّك عمر بملاحقة أحلامه في هوليوود، خاضت فاتن تجربة التمثيل خارج الحدود، فمثّلت فيلمـًا بعنوان "رمال من ذهب" مع نجم فرنسي، إلا أنه لم يُكتب له النجاح، ويُقال إنها كانت على وشك اعتزال السينما بعد ذلك لإنقاذ زوجها، إلا أن القدر شاء عكس ذلك، ووسط تمسُّك كل فرد بالبقاء في بلد معيّن، استقرا على الطلاق في عام 1974.
غير أن عمر الشريف فاجأ الجميع في عام 2011، قائلًا إنه لم يطلّق الفنانة فاتن حمامة في عام 1974، وإنما طلّقها في عام 2005، حين طلبت ذلك لترتبط بزوج آخر، وحتى تلك الفترة كان عمر وفاتن زوجَين على الورق.
في جميع حواراته الصحفية كان يتحدث عنها بكل ود، ويلقبها بأنها "حبه الوحيد"، إلا أنها طلبت منه الكف عن الحديث عنها وعن علاقته بها بعدما تزوجت رجلًا آخر، فاستجاب لها، وحافظ الاثنان على علاقة ودية تربطهما خاصة مع وجود رابط قوي بينهما هو ابنهما الوحيد طارق.
على الجانب الآخر، تعددت علاقاته العاطفية خاصة مع عمله في الأفلام الأجنبية، وانتقاله للإقامة في عدة دول منها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة.
غير أن أول قصة حُبِّ في حياة الشريف كانت في العاصمة الفرنسية، باريس، حيث سافر مع والدته، وهناك تعرف على فتاة تدعى يان لي مولر، وسعد كثيرًا عندما عرف أنها أيضـًا في زيارة لباريس وأنها تعيش في الإسكندرية.
ورغم حُبِّه للفتاة فإن والده رفض بشدة الزواج منها؛ لأنها مسيحية بروتستانتية، وعائلة شلهوب مسيحية كاثوليكية، وكانت الصدمة الأولى عاطفيـًا في حياته، ولم يكتف والده بذلك بل اصطحبه معه للعيش في القاهرة، وزادت أحزانه، بعد علمه أنها تزوجت شابـًا آخر غيره.
في رحلته السينمائية خارج مصر، ارتبط عمر الشريف عاطفيـًا بكل من باربرا سترايسند وجولي أندروز. الأولى شاركته بطولة فيلم "فتاة مرحة" للمخرج ويليام ويلر عام 1968.
يقول الشريف: "قصة الحب التي عشتها مع البطلة أثناء إعداد الفيلم، ورغم أن باربرا بدت قبيحة أول الأمر كشفت، شيئـًا فشيئـًا، عن موهبة رائعة وشخصية جذابة فربطتنا قصة حب أحيطت بتكتم شديد، عاشت 4 أشهر ولفظت أنفاسها الأخيرة مع تصوير المشهد النهائي".
أما الإيطالية صوفيا لورين، فقال عنها: "صاحبة أجمل عينين رأيتهما في حياتي، وكنت أظن هذه الفاتنة متعجرفة تتكبر على من حولها، إلا أنني اكتشفت في أول مناسبة ضمتنا معـًا أنها متواضعة أليفة، حتى إنها فاقت كثيرات من الممثلات بساطة ومودة، وتطوعت مرارًا بتحضير الطعام لنا فلم تتردد في الذهاب إلى المطبخ كي تشرف أو تسهم في إعداد المعكرونة وغيرها من الأطباق الإيطالية الشهية التي سال لها لعابنا".
كما تحدث عن وقوعه في غرام الممثلة الفرنسية أنوك إيميه، وذلك في حوار له لصحيفة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن، قائلاً: "بدأت قصة الحب عندما قدمت دورًا عصريـًا في فيلم "الموعد" إخراج سيدني لوميت، وأمام أنوك إيميه"، التي أحبته بشدة، وتفانت في إظهار الحب الذي أبهره وجعله يتشبث بهذه الفتاة الرقيقة التي اقتحمت وبهدوء حياته فجأة حتى صارت ملمحـًا أساسيـًا فيها لا يمكن الاستغناء عنه، وذلك بقدر ما أسعده أخافه.

نساء كثيرات عبرن في حياة عمر الشريف، لاعب البريدج، المغامر، الذي عانى في أواخر حياته من الألزهايمر، وانتهت حياته في مستشفى بهمان بمنطقة حلوان في القاهرة في 10 يوليو 2015، لتطوى حياة واحد من أشهر الممثلين في تاريخ السينما العربية,

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "عمر الشريف.. بداية ونهاية"

أكتب تعليقا