الخطاب الديني.. وحروب المتلونين!

| |







تتحدث القيادة السياسية عن تجديد الخطاب الديني، غير أن المؤسسات الدينية، وخاصة وزارة الأوقاف تتحدث لغة أخرى.
شغلت وزارة الأوقاف نفسها بشن حرب على الشيخ محمد جبريل بسبب دعاء عام على الظالمين والفاسدين، خلال إمامته للمصلين في ليلة السابع والعشرين من رمضان في مسجد عمرو بن العاص. شهدنا هستيريا، ردًا على قول جبريل في دعائه "اللهم نعوذ بك من فساد الإعلام ومن جاهلية الحُكم والأمراء ومن ضلال العلماء".
هكذا قرر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، منع جبريل من أي عمل داخل المساجد، سواء الإمامة أو إلقاء دروس خاصة. وقال الوزير في مداخلة هاتفية في أحد البرامج التليفزيونية إن أي شخص سيساعد جبريل في الإمامة أو إلقاء خطب أو دروس بالمساجد سيتم تنفيذ الإجراءات الحاسمة ضده، مضيفـًا أن جبريل لو جاء إلى مسجد عمرو بن العاص سيواجه بإجراء حاسم قد يصل لمنعه من الدخول. وأضاف أنه تم تحرير محضر ضد جبريل بموجب الضبطية القضائية، لأنه تحوّل بالصلاة إلى التوظيف السياسي.
لم يكتف جمعة بذلك، بل أوغل في الخصومة، قائلاً: "سنخاطب التليفزيون المصري، وسنطلب منه عدم إذاعة أي تسجيلات لجبريل، كما سنطالب الدول العربية بعدم استضافته، أو السماح له بممارسة أي أعمال بمساجدها".
عن واقعة محمد جبريل ومنعه من السفر، قال وزير الأوقاف: "هو إنسان مبتدع هو وأمثاله وهذا كلام شرعي وليس سياسيـًا، وذلك لأنه لا يجوز تحويل المسجد إلى ساحة غناء أو رقص أو حائط مبكى كما يفعل محمد جبريل، فهؤلاء مبتدعون يبحثون عن أمجاد شخصية وتحقيق مجد شخصي على حساب دين الله، والإنسان المبتدع في دين الله لا مكان له، ونحن نبهنا من أول رمضان على تجنب هذه الأمور وتحديد القنوت فى الصلاة بحد أعلى 7 دقائق مع توقيع الإمام الخارجي إقرارًا بذلك، كما فعلنا مع صلاح الجمل، ونحن لا نكيل بمكيالين".
بل إن وزير الأوقاف، الذي وصف جبريل بأنه "متلون"، تحدث عن إعداد الوزارة قائمة سوداء بأسماء الأئمة المنتمين لجماعة الإخوان لمنعهم من الوصول للمنابر، وإلقاء الخطب، مضيفـًا أنه سيتم إضافة المخالفين إليها تباعـًا، حتى نحاصرهم ونمنعهم من الوصول إلى منابر الدولة للنيل منها.
"سوف يضاف للقائمة السوداء كل أسبوع أسماء جديدة للمخالفين لتعليمات الوزارة والذين يعملون ضد مصلحة البلد، وسيتم إعلان القائمة عبر موقع الوزارة حتى يُفتضح أمرهم ويتم حظرهم وإبعادهم عن العمل الدعوى"، حسب تصريح الوزير.
المفارقة أن وزير الأوقاف يؤكد أنه لا يستطيع التنقيب فى قلوب الناس، وليس من عمل الأوقاف أن تنقب وتصنف الناس، لكن من يثبت وقوفه ضد المصلحة الوطنية سوف يتم إبعاده طالما يعمل ضد مصر، وحتى لو كان إمامـًا للأوقاف، قائلًا: أنا ليس لدي جدول أصنف فيه الناس وإنما من سيخرج عن المصلحة الوطنية، خاصة المنتمين إلى الإخوان الذي ثبت أنهم أشد خطرًا على الوطن سيتم منعه.
سرعان ما دارت عجلة الاتهامات والإجراءات؛ حيث منعت أجهزة الأمن محمد جبريل من السفر إلى لندن التي كان يعتزم السفر إليها عبر مطار القاهرة.
وصل جبريل إلى مطار القاهرة معتزمـًا السفر إلى لندن، وتم منعه لوجود بلاغ ضده من وزارة الأوقاف، حيث حررت الوزارة المحضر رقم 4776 إداري مصر القديمة، بتاريخ 14 يوليو 2015 تتهم جبريل فيه بمخالفته تعليمات الوزارة الدعوية، وتوظيف دعاء القنوت، الذي هو أمر تعبدي، توظيفـًا سياسيـًا يدعم الفكر المتطرف، فضلًا عن دعائه على مسؤولي الدولة والإعلاميين، مطلِقـًا عليهم نفس الوصف الذي أطلقه قبل ذلك محمد بديع مرشد الإخوان وهو "سحرة فرعون"، مما يعد متاجرة بعواطف المصلين ومشاعرهم الدينية.
من جانبه، أكد جبريل خلال التحقيق معه من قِبل اللجنة المرسلة من مديرية أوقاف القاهرة أنه لم يقصد أي قيادة سياسية في مصر، بل كان دعاؤه موجهـًا لقادة الدول المعادية لمصر -حسب قوله- بعد أن تسببوا في حالة عدم الاستقرار ودعمهم للعمليات الإرهابية في سيناء، وهو ما تسبب في قتل العديد من أبناء القوات المسلحة والجيش وتيتم أطفالهم وترمل نسائهم.
وإذا كانت النيابة اتخذت الإجراءات القانونية ضد جبريل، فإن عددًا من الأحزاب، بينها حزب «إحنا الشعب» تحت التأسيس، أرسل مذكرة إلى لجنة التحفظ على أموال الإخوان، للمطالبة باتخاذ إجراءات التحفظ على أموال وممتلكات محمد جبريل، واتهامه بالانتماء لجماعة الإخوان وإنفاق أمواله فى أعمال العنف.
جاء الهجوم أيضـًا من صفوف عدد من القوى الإسلامية، ومن ذلك الهجوم العنيف الذي شنّه الشيخ محمد سعيد رسلان، زعيم السلفية المدخلية، على محمد جبريل، قائلًا: إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وبدعة ومن الخوارج، فلماذا وصل إلى هذا المكان؟ وكيف وصل؟ يكرمونك فتهينهم، ويحسنون إليك فتسيء إليهم ويأتمنونك فتخونهم فليقبحك الله".
وزارة الأوقاف بررت موقفها بأنها تطبق القانون فقط وليست في خصومة مع جبريل، بدليل أنه تم السماح له بإحياء ليلة القدر وإمامة المصلين في صلاة التراويح بمسجد عمرو بن العاص.
لا أمل في أي شيء، قبل أن تدرك الدولة أنها في مأزق وأن ترك هذه الكائنات لتتحدث باسمها يكلفها ثمنـًا باهظـًا من سمعتها. على أجهزة معلومات الدولة أن تعرف أن سمعتها وشعبيتها تتضاءل لأسباب تافهة مثل أزمة دعاء الشيخ جبريل. ثم إن هذا الدعاء لا يمكن أن يكون علاجه قرار إداري بالمنع من السفر أو القول بأن جبريل إخواني الانتماء أو الهوى.
حروب الخصومة والإقصاء لأي صوت مخالف أو يغرد خارج السرب -حتى ولو بدعاء- ستقودنا إلى أزمة حقيقية وربما هستيريا في منابرنا ومساجدنا وشوارعنا. ففي أعقاب تفجر أزمة محمد جبريل، قرر الشيخ محمد عبدالرازق رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، منع الدكتور محمد بهاء النور، مدرس الحديث وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، من الخطابة، وذلك لحين انتهاء جامعة الأزهر من التحقيق معه فيما نُسِب إليه من إساءة لبعض رموز الدولة، وتبني أفكار بعض الجماعات المتشددة، كما تم منع الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ، بسبب اتهامه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.
إلى أين يقودنا هذا؟
الأكيد أننا لسنا في الطريق إلى توحيد الصف أو رأب الصدع، أو حتى تجديد الخطاب الديني، الذي تاه في الطريق بين القول المعلن وأفعال هذا الطرف أو ذااك.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

13 التعليقات على "الخطاب الديني.. وحروب المتلونين!"

أكتب تعليقا