ماسبيرو.. مريض على النيل

| |

ما زال مبنى ماسبيرو، هذا الجهاز الإذاعى التليفزيونى الذى يطل على النيل، مريضًا يحارب الموت الإكلينيكى بعد أن وصلت مديونيته إلى ٢٢ مليار جنيه، فى ظل عدم وجود سياسة واحدة تحكم الأمر، ولا معايير تهدف إلى تطوير حقيقى يحقق الأرباح.
أعطى التليفزيون بتراجعه الفرصة لتفوق الفضائيات الخاصة، وسط نداءات استغاثة لإنقاذ ماسبيرو من أوضاعه المتدهورة وترهله الوظيفى والإدارى.
أكثر من 42 ألفًا يعملون فى مؤسسة واحدة خاسرة ومدينة بمليارات الجنيهات، بل إن «ماسبيرو» فى الحساب الختامى للدولة (2013- 2014) كان المؤسسة التى حققت أكبر خسارة بين مؤسسات الدولة بمقدار أكثر من 4 مليارات جنيه، فى حين أن لديها ديونًا مستحقة لدى الغير تصل إلى 1.4 مليار جنيه.
الرقم أحد أسباب الدهشة لما يقدمه هذا التليفزيون من خدمة سيئة، فالتليفزيون بقنواته المتعددة وقطاعاته المختلفة يعمل فيه هذا العدد الضخم، دون أن يثمر ذلك عن تحقيق طفرة إعلامية، بل ساهم فى ضعف مستوى الخدمة وانتشار الفساد، فضلاً عن تهمة تضليل المصريين إعلاميًّا على مدى سنوات.
جيش من «الموظفين» يتقاضون رواتب شهرية تصل إلى 220 مليون جنيه تدفع اليوم بالكامل من ميزانية الدولة، ومن أموال دافعى الضرائب. أما التناقضات الصارخة فحدّث ولا حرج، ومن ذلك أن توضع القنوات الإقليمية الموجهة لخدمة مناطق جغرافية محددة، كمنطقة قناة السويس ومناطق شمال ووسط وجنوب الصعيد، على القمر الاصطناعى وتُكلف الدولة ملايين الدولارات سنويًّا، فى حين أن فلسفة إنشاء هذه القنوات هى تغطية أقاليمها الجغرافية فقط.
غير أن مبعث الدهشة خلال الأيام القليلة الماضية كان مردّه حوارا صحفيا أجرته جريدة «المصرى اليوم» مع عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، بدا فيه كأنه مقاول أنفار أو رجل غارق فى الديون يسعى إلى بيع أثاث الشقة بدعوى إطعام الأولاد!
فى الحوار المذكور، ترك عصام الأمير قضايا تطوير ماسبيرو وتحديث مستواه، لينفى عن نفسه مسؤولية تسويد شاشات ماسبيرو، فى فضيحة لم يسبق لها مثيل فى تاريخ مصر. وحين سئل: «وضعت استقالتك قبل أن تعرف شيئًا عن أزمة الكهرباء والنيابة أدانت البعض نتيجة للإهمال.. فهل تنفذ قرار الاستقالة؟»، رد بالقول: «عليهم أن يقيلونى من منصبى إذا وجدت الأجهزة المعنية هذا، فلست موقعا لعقد مع الدولة بأن أظل رئيس اتحاد مدى الحياة، ووضعت استقالتى أمام المسؤولين كنوع من التعامل الأدبى مع أجهزة الدولة المعنية بهذا الأمر، وهو نوع من الشياكة فى التعامل مع رؤسائى».
غير أن «الشياكة» كانت تقتضى الثبات على المبدأ والاستقالة فى ظل الفشل الذريع فى إدارة الأزمة والتنصل من المسؤولية.
يقر رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون بأن مديونية الاتحاد بلغت ٢٢ مليار جنيه، لكنه كرر الحديث عن سياسة البيع والتخلص من الأراضى والأصول الثابتة كمخرج من المأزق، دون أن يظهر قدرًا من المسؤولية عن عزوف الجمهور عن مشاهدة القنوات التليفزيونية الرسمية، ويقدم كشف حساب بشأن التطوير الحاصل وأثره الفعلى على ماسبيرو وجمهوره.
اكتفى الأمير بترديد عبارات عن «الأراضى التى لسنا فى احتياج إليها»، والقول إن الاتحاد «يملك أراضى كثيرة ليس فى حاجة إليها، ومن الممكن أن يتم بيع جزء واستثمار آخر، ولكن بعد سداد جزء كبير من الدين»، قبل أن يضيف ردًا على سؤال آخر ذى صلة بالقول: «٣٢ قطعة سيتم الاستغناء عنها كمرحلة أولى، وهيئة الأراضى الحكومية سوف تثمن الأراضى، ولدينا أراض أخرى سيتم الاستغناء عنها، وهى ما يقرب من ٧٥ قطعة أخرى، ومن الممكن أن أنهى كل الدين بعد أن تبدأ لجنة فض المنازعات بين الجهات الحكومية عملها، وأيضا بعد بيع بعض الترددات الإذاعية، وهذا يغطى نحو ٢٢ مليار جنيه ديونًا على الاتحاد».
وإذا كان رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون يتحدث عن طلبه الحصول على قروض بقيمة 49 مليون جنيه من بنك الاستثمار، فإن الرجل لا يعالج لب المشكلة، وهو ذلك الترهل الإدارى والفشل الذريع فى إدارة هذا المبنى والعاملين فيه، فضلاً عن وجود تضخم فى قطاع الأمن يتجاوز ١٠ آلاف شخص، كما أن عديدًا من العاملين فى الأمن ووظائف أخرى، من المتقاعدين من رجال الشرطة، ويحصلون على وظائف ومناصب ومرتبات كبيرة ولا حاجة إليهم فى المبنى، إلا أن تعيينهم وتكليفهم بتلك المناصب جاء نتيجة العلاقات الشخصية والوساطة مع أقاربهم فى المبنى.
المؤسف حقًّا أن هناك وظائف فى هذه المؤسسة الإعلامية الكبيرة ليس لها أساس أو تسمية فى وزارات أخرى، وهناك هياكل إدارية فى ماسبيرو لسنا فى حاجة إليها، وكانت القرابة عاملاً من ضمن تضخم العمالة فى المبنى، كما أن لوزراء الإعلام فى عهد مبارك دورًا رئيسيًّا فى زيادة العمالة للتقرب من أعضاء مجلس الشعب، وتحسين صورة الحزب الوطنى، وذلك لاعتبار أن العمل فى الإعلام نوع من الوجاهة الاجتماعية لكثير من العاملين فيه. لعقود طويلة، كان هناك إقبال شديد من الناس للعمل فى ماسبيرو، وكان الإقبال أكثر على القنوات المتخصصة والإقليمية، وبعد ذلك رحل كثيرون إلى القنوات الرئيسية فى المبنى.
هذا المبنى المتهالك بحاجة إلى قرارات سريعة وإصلاحات حازمة، بدلاً من الاكتفاء بسياسة البيع والتخلص من الأراضى والممتلكات، بل وحتى التفكير فى بيع الترددات الإذاعية، لفك ضائقة مالية ستتكرر ما دام على رأس المبنى من لا يحسن إدارته.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ماسبيرو.. مريض على النيل"

أكتب تعليقا