أموال آل مبارك.. والنصيحة السويسرية

| |





قضية الأموال المنهوبة وسبل استردادها هى موضوع الساعة فى بلدٍ يعانى اقتصاديا.

ملف أموال الرئيس الأسبق حسنى مبارك وعائلته، هو أحد تلك الملفات الساخنة والغامضة فى آنٍ معـًا.

ما حجم ثروة مبارك بالضبط؟ وما أرصدته وممتلكاته ومنقولاته وعائلته فى الحسابات المصرفية والعقارات والشركات فى الخارج؟

والأهم من ذلك: كيف نستعيد الأموال المنهوبة والحسابات السرية لهؤلاء وغيرهم بالطرق القانونية المتعارف عليها دوليا؟

الأكيد أن أى دولة تمتلك أموالاً وأرصدة مهربة أو تخص شخصيات بارزة متهمة بالفساد والتربح، ستطلب من جهات التحقيق فى مصر جميع القرارات والأحكام التى صدرت بحق هذه الشخصيات، لضمان عدم وجود أى تأثيرات خارجية على هذه المحاكمات، وتناسبها مع المعاهدات الدولية الموقعة بين الدول، لتجنب الإخلال بحق هؤلاء.

عن أسباب توقف الدعوى المتعلقة بإعادة أموال مبارك، يمكن الإحالة إلى تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية فى سويسرا، إيف روسييه التي قال فيها: «نحن لا نريد أموال مبارك ورموز نظامه ونريد من المصريين إقامة دعوى للحصول على هذه الأموال، وبالعكس البنوك السويسرية، تريد التخلص منها وهم يقولون لنا خذوا هذه الأموال لأنها تحرق أيدينا».

وتابع: «هناك أنظمة دول لا تريد استرجاع الأموال لأسباب سياسية، ولا أقول إن هذه الحالة فى مصر، لكنها تحدث فى بعض الدول، وما نريده هو إجراءات قضائية تسير بصورة جيدة وبعدها لا شىء سيمنع إعادة الأموال كما حدث من قبل مع نيجيريا والفلبين، وهذه ليست مشكلتنا إنما مشكلة مصر فى الأساس».

وقبله، أكد السفير فلانتين زيلوجر، مدير إدارة القانون الدولى فى وزارة الخارجية السويسرية، حِرص حكومة برن على رد الأموال التى هربها مسؤولو نظام حكم الرئيس الأسبق مبارك إلى البنوك السويسرية؛ لأن مثل هذه الأموال عبء على النظام المصرفى السويسرى فى المقام الأول، مشددًا على أن سويسرا لا تريد بقاء مثل هذه الأموال لديها، لكن الإجراءات والقواعد القانونية، التى تضمن حماية الجميع فى المقام الأول هى التى تؤخر مثل هذه الخطوة.

وقال زيلوجر إن حكومة سويسرا سارعت إلى تجميد أموال الرئيس مبارك ومسؤولى نظام حكمه بعد الإطاحة به بنصف ساعة فقط من أجل المحافظة على هذه الأموال لمصلحة الشعب المصرى إن تأكد فعلًا إنها جاءت من مصادر غير مشروعة.

حجم الأموال التى تم تجميدها بالفعل فى سويسرا يبلغ نحو 650 مليون دولار، وهو رقم متغير إلى حد بعيد بسبب تقلبات أسعار صرف الفرنك السويسرى أمام الدولار واليورو، وأن قائمة الشخصيات التى تم تجميد أموالها تضم 30 شخصية من المقربين من مبارك ودوائر السلطة فى عهده.

وعن العقبات التى تحول دون إعادة هذه الأموال إلى مصر رغم مرور نحو 4 سنوات على الإطاحة بمبارك قال المسؤول السويسرى إن «الكرة من البداية فى ملعب مصر»، حيث إنه مطلوب من السلطات المصرية تقديم ما لديها من أدلة وتحقيقات إلى السلطات القضائية المصرية، لكى تصدر أحكامها بفساد هذه الشخصيات، ثم تتقدم بهذه الأحكام إلى السلطات السويسرية، التى لن تتردد فى اتخاذ قرارها برد الأموال، مشددا فى الوقت نفسه على أن قرار الحكومة السويسرية برد هذه الأموال إلى مصر يجب أن يستند إلى أسس قانونية وإجرائية سليمة تماما بما فى ذلك إجراءات المحاكمات فى مصر حتى لا يتدخل أصحاب هذه الأموال، ويلجؤون إلى القضاء السويسرى لاستصدار قرارات بوقف إعادة الأموال بدعوى أن السلطات المصرية لم تتبع معايير المحاكمات الصحيحة مثلًا، وساعتها يمكن أن يصدر القضاء السويسرى حكما بوقف رد الأموال.

ولعلنا نذكر كيف أن المحكمة العليا فى سويسرا أصدرت فى 12 ديسمبر 2012 قرارًا بوقف تبادل المعلومات مع سلطات النيابة فى مصر بسبب قرار الرئيس الأسبق محمد مرسى فى نوفمبر من العام نفسه بإقالة النائب العام وتعيين نائب عام جديد، وهو ما أثار الشكوك فى استقلالية سلطة النائب العام فى مصر عن السلطة التنفيذية، وهو أمر حاسم بالنسبة إلى القضاء السويسرى.

هكذا ألغت السلطات السويسرية حق مصر فى الإطلاع على «الملف المالى» للرئيس الأسبق مبارك، ومعاونيه، فى ظل ممارسات تثير القلق من الحكومة المصرية، خصوصا فى ما يتعلق بضمانات إنجاز تحقيق عادل ومستقل فى التهم المنسوبة إلى مبارك ومعاونيه.

ورأت جهات قضائية سويسرية أن الضمانات القضائية التى تعهدت بها القاهرة تم العصف بها بقوة، وهو ما قدمه الخصوم فى الدعوى، حيث دفعوا بأن جهات التحقيق المصرية لم تعد مستقلة بعد إصدار إعلان دستورى جديد يمكن السلطة التنفيذية فى مصر، ممثلة فى الرئيس -حينذاك- محمد مرسى، من الإطاحة بالمحققين.

غنى عن القول، إن القوانين السويسرية تؤكد بشكل صارم ضرورة استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، فلا يمكن للحكومة أو المدعى العام فى سويسرا أن يتبادلا المعلومات مع النائب العام فى مصر إذا لم يمكن هناك ما يضمن تماما عدم انتقال هذه المعلومات من النائب العام إلى السلطة التنفيذية، وهو ما لم تقتنع به المحكمة العليا بعد إقالة النائب العام فى مصر فى ذلك الوقت.

حسب زيلوجر، فإن المشكلة ما زالت قائمة وما زالت السلطات السويسرية غير قادرة على المطالبة بإلغاء قرار وقف تبادل المعلومات مع السلطات القضائية المصرية لأسباب عديدة، منها المحاكمات الجماعية وأحكام الإعدام الكثيرة التى صدرت بعد الإطاحة بحكم محمد مرسى، لأن القانون السويسرى يفرض قيودا على التعاون مع الدول التى تطبق عقوبة الإعدام بما فى ذلك الولايات المتحدة، التى توجد فيها هذه العقوبة.

النصيحة السويسرية تستحق الاستفادة منها، حتى نفهم أن العالم له قواعد وأسس واضحة لاستعادة أى أموال منهوبة أو مهربة سواء أكانت لرئيس معزول أو لرجل أعمال فاسد.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "أموال آل مبارك.. والنصيحة السويسرية"

أكتب تعليقا