الزواج الثاني.. عُقدة الأقباط

| |






تبدو قضية الزواج الثانى عقدة أساسية فى ملف الأحوال الشخصية للأقباط. فى منتصف نوفمبر 2014، أفادت الأنباء المتاحة أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، التى قدمتها الكنيسة لوزارة العدالة الانتقالية جاءت مطابقة لأغلب مواد القانون، إلا أن اللجنة المسؤولة عن القانون بوزارة العدالة الانتقالية قامت بضبط صياغة المواد، وضبط التعريفات التى كانت غير واضحة وغير دقيقة، وهو ما كان يسبب مشكلات عند تفسيرها فى حالة اللجوء للقضاء فى دعوى تخص الأحوال الشخصية، كما أضافت اللجنة إلى القانون فصلاً جديدًا خاصـًّا بالزواج المدنى.

غير أن ملف الزواج المدنى عاد إلى المربع رقم واحد، فى ظل اعتراض قيادات كنسية على هذا النوع من الزواج، وتحفظها على عدم استشارة وزارة العدالة الانتقالية للكنيسة قبل وضع مواد الزواج المدنى.

فى 24 نوفمبر 2014، وعقب اجتماع ممثلى الكنائس المصرية بالكاتدرائية لمناقشة مسودة قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، بدا أن الكنائس متوافقة على كل نصوص القانون فى ما عدا البند الخاص بالزواج المدنى والطلاق.

وقال د.صفوت البياضى، رئيس الطائفة الإنجيلية، إن الطائفة اتفقت مع الكنائس الأخرى على رفض مواد الزواج المدنى، حيث تقر الكنائس النص الإنجيلى أنه لا طلاق إلا لعلة الزنى، مشيرًا إلى أن مشروع القانون الموحد لجميع الطوائف لن يتضمن نصـًّا لكل كنيسة. وأضاف أن الكنيسة لم تكن تتدخل فى الزواج والطلاق حتى القرن الثانى عشر، والأقباط يتم تطبيق قوانين الدول الأجنبية عليهم فى الزواج والطلاق وليس قوانين الكنيسة، موضحـًا أن المشروع المذكور سيحل مشكلات عشرات الآلاف من الأقباط ممن يعانون مشكلة الحصول على تصريح بالزواج الثانى.

والحقيقة أن وضع الزواج المدنى جاء بناء على مطالب تقدم بها عددٌ من المسيحيين إلى اللجنة المسؤولة عن القانون، كمخرج للمسيحيين الذين يواجهون رفض الكنيسة تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بالتطليق، وربطت اللجنة الزواج المدنى بالنصوص التى تحدد موانع الزواج الموجودة فى القانون وتعتبره باطلاً فى حال توفر أحد الموانع فيه.

ولعل من أسباب إضافة الزواج المدنى إعطاء مساحة أكبر للمسيحيين لتدارك آثار حالات البطلان المطلق للزواج، التى نصت عليها الكنيسة، وتتمثل فى انعدام الرضا وعدم القيام بصلاة الإكليل، ووجود مانع للزواج، بالإضافة إلى بطلان العقد فى حالة عدم الحصول على إذن الرئيس الدينى للمسيحى.

كما ربطت اللجنة عددًا من مواد الزواج المدنى بمواد أخرى فى القانون لتمرير الفكرة التى قد تواجه اعتراضـًا من كثير من المسيحيين ومراعاة لأبعاد سياسية أخرى. اللافت للانتباه أن الربط بالنصوص الأخرى التى تجعل للكنيسة مساحة للتدخل فى الزواج المدنى أثر فى مواد الزواج المدنى إلا أنها لم تفرغها من مضمونها.

جاء الزواج المدنى فى الفصل الأخير من مشروع القانون واحتوى على ١٢ مادة، بدأت بالمادة ١٢٧ وتنص على أنه «لا يتم الزواج الدينى المسيحى الصحيح ولا ينحل إلا وفقـًا للقواعد والأحكام والشروط المنصوص عليها فى هذا القانون، ولا يجوز لأى من الزوجين المسيحيين اللذين تم زواجهما زواجـا دينيـا صحيحـا أن يتزوج أى منهما زواجـا مدنيـا غير كنسى دون انحلال علاقته الزوجية الدينية القائمة انحلالا دينيـا طبقـا لنصوص هذا القانون».

وتنص المادة ١٢٨ على أنه «يجوز أن يتزوج المسيحى من مسيحية زواجـا مدنيـا غير كنسى وفقـًا لقواعد وشروط الزواج المدنى غير الكنسى المنصوص عليها فى هذا القانون، وعدم إلزام الكنائس المسيحية فى مصر بالاعتراف بالزواج المدنى غير الكنسى ولا بإجراء مراسم زواج دينى مسيحى صحيح على زواج مدنى غير كنسى».

ونصت المادة ١٢٩ على «أنه يجوز للمسيحى الحاصل على حكم بات ونهائى بالتطليق وامتنعت الكنيسة عن تنفيذه أن يتزوج مدنيـا حفاظـا على استقرار العلاقات الاجتماعية داخل الدولة. وعلى المرأة المحكوم بتطليقها أن لا تتزوج مدنيـا إلا بعد مرور ١٠ أشهر من تاريخ صدور الحكم أو إذا وضعت حملها قبل هذه المدة».

ونصت المادة ١٣٠ على أنه «لا ينعقد الزواج المدنى غير الكنسى للمسيحيين فى مصر إلا بين رجل واحد وامراة واحدة كاملى الأهلية، وبرضائهما الصحيح، بشرط أن يتم التعبير عن هذا الرضاء أمام الموثق المختص بالشهر العقارى والتوثيق الصادر بتحديد اختصاصه بقرار من وزير العدل، وبحضور شاهدين مسيحيين راشدين تثبت بياناتهما الشخصية فى عقد الزواج المدنى».

ونصت المادة ١٣١ على أن يكون الزواج المدنى باطلاً بطلانـًا مطلقـًا وغير نافذ إذا انطوى على أى مخالفة للنظام العام والآداب العامة لجمهورية مصر العربية أو إذا كان محدد المدة. أما المادة ١٣٢ من القانون فتنص على «أن تسرى على الزواج المدنى موانع الزواج المنصوص عليها فى المواد ١٧ و١٨ و٢٠ و٢٢ و٢٣، وتحدد هذه النصوص الموانع فى زواج الأقارب، والمصاهرة بالنسبة لأقارب الزوجة المتوفاة مثل أمها وجدتها وابنتها من زوج آخر وأخت زوجته ونسلها وزوجة أخيه وأصولها وعمة زوجته وزوجة عمها وخالتها وزوجة خالها، كما لا يجوز زواج من طلاقه لعلة الزنى، والزواج ممن تنتمى إلى دين آخر أو مذهب غير مسيحى كالسبتيين وشهود يهوه والبهائيين والمرمون، أو إذا كان هناك مانع طبيعى لدى أحد الطرفين، أو أحدهما مجنون أو مصاب بمرض قاتل يجعله غير صالح للحياة».

ونصت المادة ١٣٣ على أنه ينطبق على الزواج المدنى غير الكنسى جميع الأحكام المتعلقة بحقوق الزوجين وواجباتهما المنصوص عليها فى المواد من ٣٨ إلى ٤٤ من هذا القانون. كما تنطبق على الزواج المدنى كل أحكام النفقة والحضانة والنسب والرؤية المنصوص عليها فى القانون، كما جاء فى نص المادة ١٣٤، وتنص المادة ١٣٥ على أن يعتبر الولد الثابتة ولادته من الزوجة ولدًا شرعيـًّا بزواج والديه المدنى غير الكنسى.

كما نصت المادة ١٣٦ على أن ينحل الزواج المدنى غير الكنسى فى حالة موت أحد الزوجين أو التطليق، فى حال توافرت الأسباب الممثلة فى خروج أحد الزوجين عن الدين المسيحى، غياب أحد الزوجين ٥ سنوات متتالية، بحيث لا يعرف مقره، والحكم على أحد الزوجين بعقوبة السجن المشدد لمدة ٧ سنوات فأكثر أو إصابة أحد الزوجين بجنون مطبق أو مرض معدٍ يخشى منه على سلامة الآخر أو إصابة الزوج بالعنة أو اتفاق الطرفين على إنهاء الزواج بما لا يخالف هذا الاتفاق قواعد النظام العام والآداب العامة، وتنص المادة ١٣٨ على أن الزواج المدنى غير الكنسى لا يعد صحيحـًا إذا لم يتم إثباته فى دفتر يعد لذلك فى الشهر العقارى، ويقوم الموثق المختص بإعداد ٤ نسخ من عقد الزواج تحفظ إحداها فى مصلحة الشهر العقارى، ونسخة إلى كل من الزوجين ورابعة تحفظ فى سجل خاص بالمحكمة الجزئية.

يشير البعض إلى أنه حتى عام ١٩٥٥ كانت الكنيسة هى صاحبة السلطة فى الزواج والطلاق فى مصر، إلى أن أصدر الرئيس جمال عبد الناصر فى سبتمبر من ذلك العام قانونـًا يقضى بإلغاء المحاكم الملية والمحاكم الشرعية. احتجت الكنيسة على هذا القانون، لكن عبد الناصر أصر على تنفيذه اعتبارًا من أول يناير عام ١٩٥٦.

وبالتالى، أصبحت القضايا كلها تُنظر أمام محاكم مدنية.. كانت المشكلة فى حالة اختلاف الطائفة أو الملة، فلو أن زوجين تزوجا وهما تابعين للكنيسة الأرثوذكسية ثم تحوَّل أحدهما إلى الطائفة الإنجيلية أو العكس، فإن القانون يقول إنه فى حالة اختلاف الطائفة أو الملة تطبق الشريعة الإسلامية، مما أثار حالة من الاحتجاج، وكتب كثيرون فى ذلك من المسيحيين والمسلمين على حد سواء، لكن كان هناك إصرار على أنه لا رجعة عن المحاكم المدنية.

ويمكن القول إن أوضاع الأحوال الشخصية للمسيحيين ظلت تعانى أزمة متراكمة منذ عام ١٩٧١، ما بين رغبة الكنيسة فى تغيير القانون المعمول به ومعاناة أصحاب القضايا الذين يزداد عددهم ما بين مُطالِب بالطلاق ومُطالِب بالتصريح بالزواج الثانى. ومن ناحية أخرى، ظلت هناك مطالبات بتغيير اللائحة المعمول بها حاليـا لانتخاب البابا، والتى تم بها انتخاب البابا تواضروس الثانى، إلى أن أعلنت الكنيسة عن أن المجمع المقدس قد أقر لائحة جديدة. والآن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على أبواب تغيير القوانين المعمول بها فى الأحوال الشخصية، كما أنها تنظر فى تغيير اللائحة التى سادت دومـًا فى انتخاب البابا، والتى كانت مثار انتقادات كثيرة.

وتعد اللائحة الجديدة بمنزلة الاستحقاق الأول لتطبيق المادة الثالثة من الدستور، التى ترتبط بالعديد من التشريعات التى تنظم علاقة المسيحيين بالكنيسة والدولة، ومن أبرزها قانون الأحوال الشخصية، حيث نصَّت المادة الثالثة على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية».

تباينت مواقف الكنائس من قضية الزواج المدنى.

فقد رأت الكنيسية الإنجيلية أنه إذا أراد زوجان أن يتزوجا زواجـا مدنيـا فلنخول لهما ذلك دون إلزام الكنيسة بأن تجرى لهما مراسم دينية، من هنا أخذت وزارة العدل هذه المادة ووضعتها فى مسودة القانون الذى أعدته بحيث وضعت بابـًا كاملاً للزواج المدنى. غير أن الكنيسة الأرثوذكسية اعترضت، من منطلق أنه فى حال الاعتراف بأن الزواج المدنى زواج سليم، فما هو الموقف، إذن، من الزواج الذى تعقده الكنيسة، أى من منطلق أن هذا يتعارض مع سلطة الكنيسة.

من هنا كان يجب أن تكون الدولة هى من يضع القانون المدنى وليس الكنيسة، إذ لا يستقيم القول إن الزواج سر مقدس ثم نقول للمسيحى تزوج مدنيـا. فى نفس الوقت اعترضت الكنيسة الكاثوليكية وأرادت أن تضع 94 مادة تخصها فى القانون، فالكنيسة الكاثوليكية لا تطلق، لكن لديها بطلان زواج، وهو ما يطلق عليه «تفسيح بولسى»، فبولس الرسول قال إنه إذا أرادت المرأة أن تفارق فلتفارق، وسموها «المفارقة»، وتوسعوا فى الإكراه، لأن الزواج المبنى على الإكراه باطل، فإذا أكره زوج على الزواج بالتهديد بمنعه من الميراث ثم مات الأب، يستطيع أن يبطل زواجه لزوال سبب الإكراه حتى لو مر أكثر من عشرين عامـًا وأنجب أبناء صاروا كبارًا فيطلب بطلانـًا، والذى يصدر هذا القرار البابا نفسه، لذا نجد مندوبـًا من الكنيسة يحمل الحقيبة إلى روما للعودة بالموافقة على البطلان للحالات المنظورة.

تباين مواقف الكنائس جعل التفكير يعود إلى حلول وأفكار سبق اقتراحها من قبل.

فى مداخلة مع لميس الحديدى، فى برنامجها التليفزيونى على قناة «سى بى سى»، تحدث البابا تواضروس الثانى عن مشكلة الأحوال الشخصية للأقباط، مشيرًا إلى لجنة الإصلاح التشريعى التى شكلها رئيس الجمهورية، متحدثــًا عن وجود قانون وافقت عليه الكنائس الثلاث منذ أكثر من 34 عامـًا، لكنه ما زال حبيس الأدراج دون أن يدرى سببـًا لذلك، كما أفاد.

يبقى هنا السؤال: هل يحل هذا القانون المشكلة الأخطر فى تاريخ الكنيسة القبطية أم أنه يعقّد المشكلة أكثر ولا يحلها؟

ظلت مشكلة الأحوال الشخصية للأقباط بلا حل منذ ١٩٧١ وحتى الآن.. وها هى الآن تعود لتحتل الصدارة مع الحديث عن اللجنة التشريعية المشكّلة من الرئاسة، والتى تنظر فى العديد من التشريعات، وعلى رأسها التشريعات المنظمة للأحوال الشخصية لغير المسلمين. وطبقـًا لتصريح البابا فإن «الكنائس سوف تطرح القانون الموحد القديم الذى سبق أن قدمته بعد النظر فيه»، والأمل الآن فى هذه العبارة الأخيرة «بعد النظر فيه»، وسط آمال بمراجعته ليكون صالحـًا لحل المشكلة المزمنة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "الزواج الثاني.. عُقدة الأقباط"

أكتب تعليقا