لعبة البَدَلات.. وحديث الاستثناءات

| |






يبدو أن تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور في مصر يواجه جبالاً من المشكلات والتحديات المختلفة، بدءًا من حديث الاستثناءات ومعارك التملص من هذه الحدود والسقوف بشتى السبل، ووصولاً إلى حديث البدلات.
هكذا شهدنا خلال الفترة الماضية فئات وشرائح مختلفة تعمد إلى استثناء نفسها من الحد الأقصى للأجور بدعوى هروب الكفاءات وما إلى ذلك من ذرائع، ولجوء بعض الجهات والمؤسسات إلى عدم السماح للجهاز المركزي للمحاسبات بالاطلاع على رواتب العاملين فيها، رغم أن راتب الرئيس نفسه أصبح معروفـًا ومعلومـًا للجميع.
في خط مواز، يجأر كثيرون بالشكوى من عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور في كثير من المؤسسات والهيئات وكذا الشركات الخاصة، الأمر الذي يجعل هذا الحد الأدنى مجرد حبر على ورق.
والآن، حان وقت فتح ملف البدلات.
كانت الطلقة الأولى من نصيب د.عماد مهنا، رئيس اللجنة المركزية لمجلس علماء مصر، الذي قال إن هناك بعض الوزراء تصل مرتباتهم إلى 3 ملايين جنيه بسبب البدلات، كما أشار محافظ البنك المركزي.
لم يحظ الحد الأقصى للأجور بنفس زخم مناقشات الحد الأدنى، وبدأ الحديث المكثف حوله بعد ثورة يناير، حيث طالب حقوقيون وسياسيون بتطبيق حد أعلى للأجور، لتوفير موارد الدولة وتوسيع قاعدة هيكلة الأجور لتصبح أكثر عدالة. 
وللمرة الثانية، ذرًا للرماد في العيون، أصدر المجلس العسكري في ديسمبر 2011 المرسوم بقانون رقم 242 لسنة 2011، الذي يقضي بألا يزيد الحد الأقصى للأجر على 35 مثل الحد الأدنى لمجموع أقل دخل، وتم تحديد الحد الأدنى للدخل بـ683 جنيهـًا. غير أن هذا المرسوم بقانون سرى على الحكومة فقط، أي أنه شمل أقل من 200 ألف من المعينين وقتها (فقط 2% من الأيدي العاملة في مصر). ولا عزاء لباقي العمال والموظفين الفقراء في القطاع الخاص، بل وفي هيئة مثل النقل العام، حيث يحصل السائق بعد عشرة أعوام على أقل من 500 جنيه.
بعد تولي د. كمال الجنزوري رئاسة الوزراء في ديسمبر 2011 أصدر قرارًا بتطبيق مرسوم القانون، على أن يبدأ التنفيذ من يناير 2012. وينص المرسوم على ألا يزيد مجموع الدخل الذي يتقاضاه أي شخص من الخاضعين لأحكام قانون العاملين المدنيين بالدولة، على خمسة وثلاثين مثل الحد الأدنى لمجموع أقل دخل في الجهة التي يعمل بها، وينطبق على كل ما يتقاضاه سواء كان في شكل راتب أو مكافأة أو حافز أو أجر إضافي أو بدل أو مقابل حضور جلسات مجلس إدارة أو لجان، وسواء في جهة عمله أو أي جهة أخرى، على أن تؤول إلى الخزانة العامة المبالغ التي تزيد على الحد الأقصى، وإلزام من تقاضاها بردها إلى جهة عمله قبل مضي ثلاثين يومـًا من انتهاء السنة المالية، مع فرض غرامة على الممتنع.
وفي أثناء حُكم الإخوان المسلمين، أصدر وزير المالية الأسبق المرسي حجازي منشورًا عامـًا برقم 1 لسنة 2013 يطالب من يتعدى دخله 35 ضعف الحد الأدنى للدخل بنفس الجهة بتقديم إقرار عن كامل دخله، مع سداد أي مبالغ تزيد على الحد الأقصى، وذلك في موعد أقصاه 30 مايو من كل عام.
وفي سبتمبر 2013، خاطبت وزارة المالية جميع الجهات الحكومية لاتخاذ إجراءات تطبيق الحد الأقصى لدخول العاملين بكل جهة على حدة، وربطه بالحد الأدني، بأثر رجعي من أول يوليو 2013. و في نوفمبر من نفس العام، أصدر د. حازم الببلاوي -رئيس الوزراء السابق- قرارًا بتحديد الحد الأقصى للدخل في الجهاز الإداري للدولة بـ35 مثل الحد الأدنى, وبحيث لا يتجاوز 42 ألف جنيه، واتخاذ الإجراءات القانونية لتطبيق ذلك ابتداء من أول يناير 2014، وتكليف وزيرَي المالية والتنمية الإدارية بتحديد الآليات اللازمة لتنفيذ ذلك. وأخيرًا في حكومة المهندس إبراهيم محلب، تم إصدار قرار بتطبيق الحد الأقصى للأجور ليشمل جميع ما يتقاضاه الموظف العام من بدلات حضور وانتقال وخلافه، وإلزام مراقبي حسابات المالية والجهاز المركزي للمحاسبات بتنفيذ هذا القرار، وعليهم وعلى كل الأجهزة الرقابية الأخرى الإبلاغ عن أية مخالفة، وإلزام من صرفت إليه المبالغ الزائدة بردها فورًا، وكان من المفترض أن يبدأ العمل بالقرار  في 26 مارس 2014.
في 3 يوليو 2014 أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي، قرارًا بقانون بتحديد الحد الأقصى للعاملين بأجر لدى أجهزة الدولة سواء في الحكومة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة والقومية الخدمية والاقتصادية وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة والعاملين بقوانين وكادرات خاصة بمبلغ ٤٢ ألف جنيه شهريـًا، وهو ما يمثل 35 ضعفـًا من الحد الأدنى (1200 جنيه).
وإذا كان وزير المالية هاني قدري، أكد أنه لن تحدث استثناءات للقضاء، ورجال الشرطة، والقوات المسلحة، وقطاع البترول، وقطاع البنوك من تطبيق الحد الأقصى للأجور، وأن القانون لايستثني أحدًا، وسيطبق على الجميع، فإن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، كشف أن عددًا من المؤسسات في مقدمتها الهيئات القضائية -عدا النيابة الإدارية- رفضت مد الجهاز بالمعلومات حول إجمالي ما يتقاضاه كافة العاملين بهذه الهيئات. ولفت إلى أن وزارة الداخلية رفضت أيضـًا التعاون مع الجهاز، كاشفـًا أن إجمالي مخصصات وزارة الداخلية في الموازنة العامة للدولة 23.5 مليار جنيه، منها 19.5 مليار جنيه للأجور و4 مليارات فقط تُصرف على التجهيزات ورفع الكفاءات.
وأشار رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات إلى أن البنوك تصدرت قائمة الجهات التي تتجاوز الحد الأقصى للأجور، قائلاً إن "هناك رئيس بنك يحصل على 2 مليون جنيه شهريـًا"، وأضاف أن بعض شركات البترول والطيران والاتصالات تتجاوز أجور عدد من العاملين فيها الحد الأقصى.
معركة، أو قل مهزلة، لا يستسلم فيها أحد للقانون، ويحاول كثيرون الاحتفاظ بالمزايا التي تجعلهم فوق القانون.

وهذا، تحديدًا، هو لب المأساة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "لعبة البَدَلات.. وحديث الاستثناءات"

أكتب تعليقا