غول الجهاز الإداري

| |


 



لمس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عصبـًا عاريـًا، حين قال خلال حديثه الشهري في مايو 2015، إن مشكلة الجهاز الإداري في الدولة مشكلة معقدة؛ لأنها مرتبطة بحياة أكثر من 6.5 مليون مصري يعملون في ذلك القطاع يتحملون مسؤولية أُسر. حسب السيسي، في خطابه المذكور، فإن إجراءات تصويب الجهاز الإداري لا يمكن الحديث عنها خلال سنة أو اثنتين أو حتى ثلاث سنوات بعد ترهله لأكثر من 30 عامـًا، مؤكدًا أن العمل قائم على إعداد قوانين إلا أنه لا بد من وجود إرادة مشتركة بين الدولة والشعب.
حديث السيسي يثبت مجددًا أن الحل في علاج ضعف أداء الجهاز الإداري للدولة والذي نوه عنه الرئيس لن يكون إلا بمشاركة الجميع، خاصة وأنه يحتوي على ما يقرب من 6.5 مليون موظف فلا بدَّ من توافر الإرادة والاستعداد الحقيقي لدي الجميع لزيادة إنتاجية الفرد وتعظيم الأداء والإخلاص فيه مع توافر الرقابة الذاتية التي يفرضها الضمير بجانب الرقابة من المستويات الإدارية الأعلى، فبزيادة الإنتاج وتفعيل الرقابة سنقضي علي الترهل وندفع العجلة إلى الأمام.
الشاهد أن قضية اصلاح الجهاز الإداري وزيادة قدرته وكفاءته أمر بالغ الأهمية لإنجاح أي مشروعات للإصلاح والتنمية في بلدٍ مثل مصر.
رغم المحاولات المبكرة لإصلاح وتطوير الجهاز الإداري في مصر، فإنه يمكن الزعم أن المشكلات التي عانى منها هذا الجهاز منذ خمسينيات القرن العشرين لازالت قائمة هي ذاتها حتى اليوم، بعد أن أصبحت أكثر حدة وأوسع نطاقـًا. فما رصده مونت بالمر وآخرون في كتابهم عن مشكلات البيروقراطية المصرية[1] هي ذاتها المشكلات الراهنة، ممثلة في: التقديس الزائد للسلطة، سيادة القيم المقيدة للإبداع، اللائحية ومقاومة التغيير، انتشار الرشوة والمحسوبية واللامبالاة، ضعف قيم المساءلة والمحاسبة. استمرار هذه المشكلات على هذا النحو يعني في التحليل الأخير فشل محاولات الإصلاح الإداري التي تم تطبيقها خلال العقود السابقة.
ومن خلال رصد المحاولات السابقة للإصلاح الإداري، يمكن إرجاع فشل سياسات وبرامج الإصلاح الإداري في مصر إلى مجموعة من العوامل أدت إما إلى تفريغ سياسات الإصلاح من مضمونها أو إلى ضعف نتائج هذه السياسات، ولعل أولها سياسة التوظف الحكومي؛ إذ إن سياسة التعيين بلا دراسة لحدود الأرقام المطلوبة أدت إلى توسع كبير في حجم الجهاز الإداري، وما ارتبط بذلك من زيادة في المرتبات.
ويتكون الجهاز الإداري المصري من أربعة أفرع أساسية، هي: الوزارات والأجهزة المركزية، الإدارة المحلية وتشمل مديريات الخدمات بالمحافظات ودواوين عموم المحافظات، الهيئات الخدمية، وأخيرًا الهيئات الاقتصادية.
ويبلغ متوسط العلاقة بين حجم الجهاز الإداري وعدد السكان حوالي موظف لكل 13 مواطنـًا، ينخفض إلى موظف لحوالي كل 11 مواطنـًا إذا ما أضفنا العمالة المؤقتة، وهي متوسطات تعد مرتفعة بالمقارنة بالمتوسطات العالمية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تعاني الأجهزة الحكومية من العمالة الفائضة (أو البطالة المقنعة)، باستثناء مواقع محدودة. هذه الظاهرة تطورت نتيجة عوامل عدة، منها ارتفاع معدل الزيادة السكانية، ونظام التعليم الذي ينتج خريجين لا يتمتعون بالمهارات الحقيقية المطلوبة في سوق العمل، ووصول القطاع الحكومي إلى طاقته الاستيعابية القصوى من العمالة وتضخمه، هذا بالإضافة إلى مجموعة التحولات الهيكلية التي حدثت في الاقتصاد والمجتمع في مصر ما أدى إلى ضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل المطلوبة. هذا إلى جانب القيم الاجتماعية التي تعطي للعلاقات الشخصية مكانة كبيرة في قرارات التوظيف والترقية بل ومختلف مجالات إدارة الموارد البشرية.
وساهمت التمايزات الاجتماعية في توسيع الهوة بين فئات العاملين داخل الأجهزة الحكومية. تتجسد هذه التمايزات فى نظام "الكوادر الخاصة"، فالموظفون طبقـًا لكوادر خاصة يتمتعون ببعض الامتيازات التي لا يتمتع بها غيرهم، مثل الرواتب والأجور والحوافز والبدلات والترقية.. إلخ، ما أدى إلى إيجاد حساسيات نفسية واجتماعية لدى العاملين خارج نطاق هذه "الكوادر الخاصة"، فضلًا عن ضعف إنتاجية عنصر العمل.
كما أن هناك عدة مصادر وراء انتشار حالة من الإحباط داخل نسبة كبيرة من العاملين بالجهاز الإداري[2]، منها وجود فجوة بين الخلفيات التعليمية والطموحات المهنية للعاملين في بعض الأجهزة الحكومية من جانب ونوعيات الأعمال والوظائف التي يؤدونها من جانب آخر. إلى جانب وجود نوع من الاختلال بين التعليم والمهنة والدخل، فالوضع الطبيعي أن تكون هناك علاقة واضحة بين المتغيرات الثلاثة، بحيث إنه كلما ارتفع مستوى التعليم، كلما ارتقت المهنة وزاد مستوى الدخل. لكن نتيجة للاختلالات العديدة التي يعاني منها الجهاز الإداري والاقتصاد لم يعد التناسب قائمـًا، مما يدفع الموظف إلى البحث عن مسالك أخرى مشروعة أو غير مشروعة لزيادة دخله، وتراجع قيمة وأهمية العمل الذي يقوم به داخل الجهاز الإداري.
كما ساهمت سياسة التوظيف الحكومي في اتساع ظاهرة الفساد الإداري. ونتج عنها تكدس الموظفين في الأجهزة الحكومية، وسوء تقديم الخدمات للمواطنين، وضعف دخول ومرتبات العاملين، ومحدودية إجراءات الرقابة والمتابعة في الأجهزة الحكومية، اتساع ظاهرة الفساد الإداري. في هذا الإطار تمكنت بعض الفئات غير المنتجة اجتماعيـًا من اختراق بعض الأجهزة الإدارية ومؤسسات الدولة، واستغلالها بطريق مباشر أو غير مباشر، واستطاعت في الوقت ذاته تحقيق ثروات خيالية.
أخذ الفساد الإداري صورًا، أوضحها تسهيل سيطرة بعض الأشخاص على ممتلكات الدولة، استخراج تراخيص لمبان غير قانوية، إرساء العطاءات على شركات ومؤسسات بعينها وذلك بتعمد تقاضي العمولات، والتهرب الضريبي. إلخ[3]. في ظل هذا المناخ، بدأ يتكرس شعور عام لدى قطاعات واسعة من المواطنين بضروروة تقديم رشاوى أو عمولات للحصول على الخدمات وإنجاز المصالح بصورة سريعة وميسرة. وإلى جانب انتشار ظاهرة الفساد الإداري، هناك ترسانة من القوانين واللوائح الجامدة، والإجراءات الروتينية والشكلية المعقدة التي تعرقل حصول المواطن على الخدمة بالشكل المناسب وفي الوقت المناسب. فضلًا عن المحاباة والوساطة والمركزية الشديدة وضعف القيم والمعايير الإدارية وعدم الميل إلى تحمل المسؤولية، وهي كلها ظواهر أثرت سلبـًا على كفاءة الجهاز الإداري[4].
ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى وجود عقبات تواجه الجهاز الإداري المصري، فرغم الأهمية الكبرى للجهاز الإداري في مصر فإن هناك عقبات متعددة تواجه هذا الجهاز وتجعل من الضرورات الملحة البحث عن حلول لعلاجها، وتتمثل أهم هذه العيوب والعقبات - حسب د. إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة[5]- فيما يلي:
أ- الفساد الإداري، ويرتبط الفساد الإداري في أغلب الحالات بعدم تطبيق القوانين واللوائح أو التحايل على تطبيقها، أو منح منافع لغير المستحقين أو عدم وصول المنافع أو المصالح لمستحقيها ومخالفة صحيح القانون ويرتبط ذلك بالحصول على منفعة شخصية للموظفين الإداريين سواء كانت منفعة مادية أو غيرها بما يمثله ذلك من مخالفات قانونية أو عدم حصول الدولة على بعض حقوقها (الجمارك - مخالفات البناء – السوق السوداء وغيرها) ولذلك فإن فساد الموظفين في الجهاز الإداري يعتبر من أهم عوائق قدرة الجهاز الإداري على أداء مهامه.
ب- البيروقراطية، ويقصد بالبيروقراطية في الأصل أداء العمل وفقـًا للقواعد والإجراءات المعلنة والمعروفة للجميع وبحيث يتسم هذا الأداء بالموضوعية والبعد عن الشخصنة، أما المقصود بها في المعنى الاصطلاحي فهو عرقلة أداء العمل وإطالة المدة الزمنية اللازمة للإنجاز والحصول على عائد مادي من جانب الموظفين من المواطنين، وبحيث يكون أداء الخدمة لمن يدفع المقابل للموظف وبذك تختلط البيروقراطية في المعنى الاصطلاحي بالفساد على النحو السابق الإشارة إليه.
ج- التعددية المبالغ فيها في التشريعات والتي تتيح للموظف الإداري الذي يمارس الفساد فرصة للتلاعب والتحايل وخصوصـًا إذا كانت بعض التشريعات تنطوي على درجة من عدم الاتساق أو التضارب حيث يمكن استغلالها من جانب الموظفين الراغبين في الفساد.
ثالثا: الإصلاح الإداري والإصلاح السياسي، فمن الملاحظ وجود درجة كبيرة من الارتباط بين الجانبين السياسي والإداري، ولذلك فإن الإصلاح السياسي لا ينفصل عن الإصلاح الإداري، فالجهاز الإداري هو الصورة الإدارية لسلطة الدولة ويحتاج إلى اتخاذ إجراءات فعالة لإصلاحه سواء من خلال محاربة الفساد أو القضاء على المحسوبية، بالإضافة إلى تحديث الهيكل التنظيمي والوظيفي فضلاً عن إعادة توزيع الموظفين وقياس أدائهم ودرجة الجودة في هذا الأداء بالإضافة إلى تطبيق نظام الحكومة الإلكترونية لتقليل التعامل المباشر بين المواطن والموظف الذي يؤدي إلى تزايد احتمالات الفساد، فضلًا عن إعادة التدريب والتأهيل للموظفين حتى يمكن أن يسير الإصلاح الإداري موازيـًا للإصلاح السياسي، وذلك نظرا لاعتبار الإصلاح الإداري من القضايا شديدة الأهمية بالنسبة لمصر والتي يمكن اعتبارها بمثابة قضية أمن قومي.
بشكل عام، يمكن القول إن برامج الإصلاح الإداري في مصر غلب عليها الأسلوب "الترقيعي"، ما أدى إلى تراكم كم هائل من القوانين واللوائح والترتيبات، وإنشاء، أو إلغاء أو دمج العديد من المؤسسات، لكن ظل الطابع العام لعميات الإصلاح الإداري هو الإصلاح الجزئي. ومن المعروف أن عملية الإصلاح تتطلب عادة الاختيار بين إستراتيجيتين، إما إستراتيجية الإصلاح الجذري الشامل، أو الإصلاح الجزئي التدريجي، لكل منهما شروطها ومميزاتها وسلبياتها.
أيضـًا اتسمت جهود الإصلاح المتتالية بالتضارب وعدم الاستمرارية، فما أن يبدأ مسؤول في وضع أسس لسياسة أو استراتيجية بعينها للإصلاح حتى يقوم المسؤول الذي يخلفه بتغيير هذه السياسة تمامـًا دون عناء تقييم التجربة السابقة والاستفادة من الخبرات المكتسبة واستكمال المناسب منها، ما أدى في كثير من الأحيان إلى صعوبة التوصل لحلول جذرية، وسيطرة النظرة الجزئية للمشكلات الإدارية وعدم الأخذ في الاعتبار البعد الزمني لها، واللجوء إلى الحلول الوسط لإرضاء جماعات الضغط المختلفة، والتطبيق المبتسر لعملية الإصلاح.
الأهم من ذلك، أن محاولات الإصلاح الإداري لم يتم تطويرها في إطار إستراتيجية شاملة تنطلق من أهداف محددة وواضحة وتربط عملية الإصلاح تلك بهذه الأهداف؛ إذ كانت الإصلاحات في الغالب ردود فعل لمشكلات يعاني منها الجهاز الإداري، أو محاولات لنقل تجربة أو مدخل جديد لم يتم دراسته أو الإعداد له بشكل جيد.
ويمكن القول إن محاولات الإصلاح تلك لم تأت في الغالب في إطار خطة عامة للدولة محددة الملامح والمراحل أو في إطار تكامل واضح مع خطة التنمية أو خطة الإصلاح الاقتصادي. ومن ثم، لم يكن من المتصور نجاح خطط التنمية والإصلاح الاقتصادي بدون وضع خطط موازية للإصلاح الإداري.
كذلك، فقد أغفلت خطط الإصلاح الإداري شرط الدعم الشعبي لهذه الخطط، بدءًا من مؤسسات المجتمع المدني وانتهاء بالمواطن الطبيعي. إن عدم ارتباط خطط الإصلاح بسياسة فاعلة لتعبئة هؤلاء الفاعلين غير الرسميين وراء هذه الخطط أدى بلا شك إلى افتقادها لشرط مهم من شروط نجاحها، فسلوك المواطن نفسه قد يحول دون تطبيق خطط الإصلاح بفعالية، فالمواطن الذي يبادر من جانبه بتقديم الرشوة لتسهيل الحصول على الخدمة الحكومية أو كسر القانون واللوائح الإدارية لصالحه، يشجع الموظف الحكومي على عدم الالتزام بخطط الإصلاح التي تسعى إلى القضاء على هذه الظواهر السلبية.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى عدد من المعوقات الأخرى، مثل الاعتماد على قيادات إدارية غير مؤهلة لتبني النسق الفكري والسلوكي الذي تتضمنه برامج الإصلاح، وعدم توافر الموارد المالية اللازمة لتنفيذ برامج إصلاح طموح، وضعف آليات التقييم الحقيقية، الكمي والكيفي، لنتائج الإصلاح، وضعف العلاقة بين الجهاز السياسي، ممثلًا في القيادة السياسية والحكومة، والجهاز الإداري، ما أدى إلى عدم تفهم الجهاز الإداري لبرامج الإصلاح أو عدم أخذ رأي الأخير قبل وضع هذه البرامج.
الهوامش



[1] مونت بالمر وآخرون، البيروقراطية المصرية: دراسة ميدانية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة، 1994، ص 33- 44.
[2] وزارة الدولة للتنمية الإدارية، مصر: الإصلاح الإداري، فبراير 2004. متاح على الرابط التالي: www.edara.gov.eg
[3] د. عبدالرحمن توفيق، أفكار لكسر الإطار- حتى لا يبقى الحال على ما هو عليه، مركز الخبرات المهنية للإدارة- بميك، القاهرة، 2002، ص 150- 151.
[4] د. إيمان مرعي، إصلاح الجهاز الإداري في مصر، مجلة "كراسات استراتيجية"، مؤسسة "الأهرام"، القاهرة، 1 نوفمبر 2011.
[5] د. إكرام بدر الدين، إصلاح الجهاز الإداري .. قضية أمن قومي، جريدة "الوفد"، القاهرة، 19 مايو 2015.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "غول الجهاز الإداري "

أكتب تعليقا