مصر بين حربين في اليمن

| |





بإعلان مصر دعمها السياسي والعسكري للخطوة التي اتخذها ائتلاف الدول الداعمة للحكومة الشرعية في اليمن استجابة لطلبها، دشنت مصر في عام 2015 المشاركة الثانية لها في الحرب على أرض اليمن، مع وجود اختلافات جوهرية بين الحربين وأهدافهما والأطراف والتحالفات المشاركة فيهما.
حسمت مصر موقفها من الأزمة المتصاعدة في اليمن واحتلال المسلحين الحوثيين صنعاء وميناء المخا، ما يعني أنهم كانوا على مسافة قصيرة من باب المندب، الذي يعد شريانـًا حيويـًا للملاحة، له تأثيره البالغ على قناة السويس، التي تعتبرها مصر "خطــًا أحمر" لا يمكن السكوت عن أي ضرر أو تهديد يمسها.
تحرك مصر هذه المرة يأتي انطلاقـًا من طبيعة علاقتها مع السعودية -التي تقود "عاصفة الحزم- فضلاً عن اعتبارات الأمن القومي العربي وخاصة أمن منطقة الخليج، بعد أن تابعت القاهرة بقلق بالغ على مدار  أسابيع التدهور الشديد في الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن، وما شهدته من انقضاض على المؤسسات الشرعية وانتشار لأعمال العنف والإرهاب، الأمر الذي لطالما أعلنت مصر رفضها الكامل له.
يتسق تدخل مصر في اليمن مع السياسة الداخلية للرئيس عبدالفتاح السيسي. أولًا، ليس هناك مكان في السياسة العربية اليوم لا للثوار ولا لـ"الإرهابيين". ثانيـًا، تؤكد المشاركة العسكرية في مصر على أولوية المؤسسات العسكرية على جميع مؤسسات الدولة الأخرى، بما في ذلك السلك الدبلوماسي. ومرة أخرى، يلعب الجيش دور "المنقذ"، ولكن هذه المرة في السياسة الخارجية.
وربما تُقدم المشاركة المصرية في عملية برية محتملة فرصة أيضـًا للجيش لاكتساب معرفة يفتقر إليها عن الحرب غير النظامية. وكانت المؤسسة العسكرية المصرية منذ فترة طويلة تقاوم التغيير في عقيدتها لإعادة توجيه التدريب نحو مكافحة الإرهاب بدلًا من الجيوش التقليدية. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي نشر القوات أيضـًا، إلى عدد كبير من الضحايا، علمـًا بأن القوات المصرية فقدت في حرب اليمن الأولى نحو عشرة آلاف جندي.
جاء قرار السيسي متمشيـًا مع استراتيجيته لإحياء دور مصر الإقليمي بما يتجاوز "القوة الناعمة" التقليدية. ويعتبر التدخل في كل من ليبيا واليمن جزءًا من خطة واضحة لتطوير الموقف المصري في الصراعات الإقليمية. ويمثل هذا الموقف تحديـًا باعتبار أن جميع الصراعات الداخلية في المنطقة يجري تدويلها جميعـًا، لكن تبين أيضـًا أنه فرصة لتعزيز مكانة النظام السياسي المصري عربيـًا وإقليميـًا.
يختلف دور مصر في الصراع حول اليمن في العام 2015، بشكل أساسي، حول الهدف. الهدف الآن هو الدفاع عن المصالح السعودية والمصرية، في حين كان الهدف في السابق التدخل لمجرد التدخل. وفي وقت سابق، قالت السلطات المصرية إن مصر لن تتسامح مع أي تدخل في مضيق باب المندب يعطل المرور إلى قناة السويس عبر البحر الأحمر. وفي أحد لقاءاته كمرشح رئاسي، وصف السيسي البحر الأحمر بأنه "بحيرة عربية"، ومن ثم، فإن نشر مشاة البحرية المصرية لحراستها لا يعتبر تدخلًا عسكريـًا أجنبيـًا. في أحد خطبه أيضـًا، أكد السيسي هذه الفكرة مرة أخرى، واصفـًا ما يجري في اليمن، بأنه ليس عدوانـًا، ولكنه من أجل الدفاع عن المنطقة وأمنها، مضيفـًا أن مضيق باب المندب يرتبط بـ"الأمن القومي المصري والعربي".
المشاركة المصرية في "عاصفة الحزم" تأتي في إطار التنسيق مع السعودية ودول الخليج الشقيقة بشأن ترتيبات المشاركة بقوة جوية وبحرية مصرية، وقوة برية إذا لزم الأمر، في إطار عمل الائتلاف، وذلك دفاعـًا عن أمن واستقرار اليمن وحفاظاً على وحدة أراضيه وصيانةً لأمن الدول العربية الشقيقة.
في المقابل، نجد أن حرب اليمن السابقة اندلعت عام 1962، ودخلت مصر تلك الحرب للوقوف إلى جانب الثورة اليمنية ضد الحكم الملكي للإمام البدر. شاركت القوات المصرية في تلك الحرب بأوامر من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، عقب جلسة جمعته مع عبدالرحمن البيضاني، قائد الثورة اليمنية.
بدأت الحرب بين أنصار النظام الجمهوري، الذين حاصروا قصر الإمام البدر، لتسقط المملكة المتوكلية التي كانت قائمة باليمن بعد يوم واحد، هرب الإمام للسعودية، إلا أن بريطانيا والسعودية والأردن استمرت في دعم أنصاره حتى عام 1970.
الأهداف واضحة هذه المرة، خاصة أن الخطر الحوثي أخذ يهدد باب المندب، بما يعنيه ذلك من تهديد لأمن وسلامة الملاحة في قناة السويس، كما أنه انقلب على شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي في اليمن، فضلاً عن أنه يأتي في إطار التمدد الإيراني.
بلغة الحقائق فالسعودية وإيران تتواجهان على الأرض اليمنية، وكل منهما يحاول أن يستقطب أنصارًا ويضخ أموالًا لإضعاف المعسكر الآخر.
كلاهما يدرك أن الأزمة إقليمية بقدر ما هي يمنية. وكلاهما يتحسب من أية ترتيبات تالية لمظاهرات السلاح. بالنسبة إلى السعودية فاليمن قضية تخص أمنها المباشر عند خاصرتها الجنوبية. كانت "عاصفة الحزم" تعبيرًا صريحـًا عن مستوى قلقها من ميل موازين القوى في اليمن لصالح المعسكر الذي تدعمه إيران. كانت مصر من الحلفاء الرئيسيين الذين تعول عليهم الرياض كي تتمكن من مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد إقليميـًا.
في مغامرة الستينيات، حاول محللون وخبراء عسكريون توضيح سبب إرسال القوات المصرية إلى اليمن، كما ذكر البريطاني "أنتوني ناتنغ" في كتاباته عن سيرة حياة عبدالناصر، عوامل عدة دفعت الأخير لإرسال قوات مصرية إلى اليمن.
ويقول الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في كتاب "لمصر لا لعبدالناصر"، إنه قد تناقش مع عبدالناصر في موضوع دعم ثورة اليمن، وكانت وجهة نظره أن وضع ثورة السلال لا يمكنها من احتواء العدد الكبير من القوات المصرية التي سترسل إلى اليمن لدعم نظامه، وأنه من الأفضل التفكير في إرسال متطوعين عرب من جميع أنحاء العالم العربي، للقتال بجانب القوات الجمهورية اليمنية.
وضرب هيكل مثال على ذلك بالحرب الأهلية الإسبانية للتطبيق في اليمن، لكن عبدالناصر رفض وجهة نظره وكان مُصرًا على ضرورة حماية الحركة القومية العربية.
هذه المرة تبدو مشاركة مصر في إطار قوة عربية وإسلامية مشتركة؛ إذ تشارك في "عاصفة الحزم"، خمس دول خليجية، إضافة إلى كل من مصر والمغرب والأردن والسودان، وجاءت حجم المشاركات كالآتي: السعودية 100 طائرة و150 ألف مقاتل، من بينهم 44 من أفراد قوات الكوماندوز تم إنزالهم إلى الأراضي اليمنية، الإمارات 20 طائرة، والكويت 15 طائرة، والبحرين 15 طائرة، وقطر 10 طائرات، والأردن 6 طائرات، والمغرب 6 طائرات، والسودان 3 طائرات.
وأعلنت مصر، أنها تنسق للمشاركة بحريًا وجويًا، وبذلك يصبح إجمالي عدد الطائرات المعلن حتى الآن 175 طائرة حربية، وفقـًا لتقديرات متطابقة.
وإذا قارنا هذه الصورة بما جرى ابتداء من عام 1962، سنجد أن عبدالناصر كان يعتقد أن لواء من القوات الخاصة المصرية مصحوبـًا بسرب من القاذفات المقاتلة، يمكنه أن يحمي الجمهوريين في اليمن، وكان عبدالناصر يتطلع إلى تغيير النظام اليمني منذ 1957، وفي يناير 1962 وجد الفرصة سانحة لتحقيق تطلعاته، وذلك بدعم حركة الضباط الأحرار اليمنيين بالإيواء والمال وعلى موجات إذاعة صوت العرب، وكان عبدالناصر يعتقد أن قدر مصر هو مواجهة الاستعمار.
أدرك عبد الناصر خلال ثلاثة أشهر من إرساله القوات إلى اليمن أن الأمر يتطلب أكثر مما توقع. وفي بدايات عام 1963, بدأ مسعاه الذي امتد أربعة أعوام لإخراج القوات المصرية من اليمن لحفظ ماء الوجه، ولكنه وجد نفسه مضطراً لإرسال المزيد من القوات. وكان عدد القوات أقل من 5,000 جندي في أكتوبر 1963. وبعد شهرين ارتفع عدد القوات النظامية هناك إلى 15,000 وفي نهاية عام 1963 بلغ عدد القوات 36,000 وفي نهاية عام 1964 بلغ 50,000 جندي مصري في اليمن وبلغ العدد ذروته في نهاية عام 1965 ليبلغ عدد القوات المرابطة هناك 55,000 جندي تم تقسيمهم إلى 13 لواء مشاة ملحقين بفرقة مدفعية وفرقة دبابات والعديد من قوات الصاعقة وألوية المظلات.
في مقابل الوضوح بشأن الدعم المصري للعملية العسكرية في اليمن عام 2015، نجد غموضـًا في المعلومات الخاصة بحرب اليمن السابقة؛ إذ لم يتحدث عبداللطيف بغدادي وزير الحربية في الفترة (1953-1954)، عن حرب اليمن، إلا في معرض حديثه عن اعتمادات مالية مطلوبة للقوات المصرية في اليمن، لكنه لم يتحدث عن أسبابها أو عن نتائجها أو عن تداعياتها على الحالة التي كانت تمر بها البلاد في ذلك الوقت.
في حرب اليمن الأولى، كان القادة الميدانيون المصريون يعانون من انعدام الخرائط الطبوغرافية مما سبب لهم مشكلة حقيقية في الأشهر الأولى من الحرب، فلم يستطع القادة وضع الخطط للعمليات العسكرية أو إرسال التقارير الدورية أو الإبلاغ عن الخسائر بدون الإحداثيات الدقيقة للمواقع. وكانت لدى وحدات القتال خرائط تستخدم فقط للملاحة الجوية. وقد أقر مدير المخابرات العامة المصرية صلاح نصر أن المعلومات عن اليمن كانت شحيحة، ولأن مصر لم يكن لديها سفارة في اليمن منذ 1961, فقد طلبت معلومات من السفير الأمريكي في اليمن، ولكن كل ما أرسله في تقريره كانت معلومات عن الاقتصاد اليمني.
وكان نقص الخرائط وعدم معرفة المصريين بأرض المعركة يؤدي إلى استمرار بقاء القوات المصرية في اليمن وكان من بين القواد الذين تم إرسالهم لتنفيذ العملية 9000 - وهو الاسم الذي أطلقه قادة الجيش المصري على حرب اليمن - لواء مصري واحد من أصل يمني من قبيلة بني سند اسمه طلعت حسن علي، وكان هذا اللواء هو الوحيد الذي يمكن أن يكون له معرفة باليمن. ولم يعان السعوديون والملكيون من هذه المشكلة بسبب الارتباط والتزاوج بين القبائل السعودية واليمنية على جانبي الحدود.
في شهادة الفريق عبدالمنعم خليل عن حرب اليمن ــالتي عرضها في كتابه المهم "حروب مصر المعاصرة في أوراق قائد ميداني"، الصادر عن دار المستقبل العربي، يقول: "وهكذا تورطت مصر في اليمن وبدأت في إنشاء جسر جوي وبحري ضخم عبر آلاف الكيلومترات لنقل الرجال والعتاد والأسلحة والمهمات والتعيينات والذهب إلى أرض اليمن التي ابتلعت خيرة وحدات القوات المسلحة وأهلكت أفرادها ومعداتها وأسلحتها وطائراتها واستنفدت أنفاسها.
"وبدأت عمليات قطع الطرق على قواتنا خاصة القولات الإدارية التي كانت تتحرك لإمداد القوات بالذخائر والأسلحة والتعيينات والمياه إلى بعض المناطق وبالطبع الزيوت والوقود والشحومات".
في العملية العسكرية عام 2015، تدرك مصر أنه لا التدخل البرى نزهة عسكرية ترفع رايات المنتصرين ولا التسوية السياسية مسألة ميسورة تعلن الأمن فوق التضاريس اليمنية الوعرة.
وربما كان جائزًا القول إن القيادة المصرية تدرك أيضـًا أن التسوية السياسية مراوغة بقدر ما التدخل البري مغامرة.
بدا أن المشاركة في مناورة عسكرية وصفِت بأنها كبرى على الأراضي السعودية مناورة سياسية بالسلاح وتأكيد جديد على الالتزام المصري بأمن دول الخليج.
غير أن أي عمل عسكري بلا دور سياسي يفقد احترامه.
هكذا تسربت معلومات وتقارير عن حوارات للقاهرة مع الحوثيين وأخرى مع الإيرانيين بصورة متقطعة وغير معلنة خشية حساسية الحليف الخليجي، وهذه لا محل لها، فمصر محام مؤتمن على أمنه.
بصورة أو أخرى فإن القاهرة لا غيرها هي المكان الذي يمكن أن تتوافق عليه الأطراف المتنازعة للتفاوض على حل سياسي.

اختلافاتٌ كثيرة بفارق زمني بفارق يتجاوز نصف قرن من الزمان. غير أنه من الضروري استقراء التاريخ حتى نعرف ما نريد أو ما نحاذر في المستقبل.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مصر بين حربين في اليمن"

أكتب تعليقا