الحجاب في الميدان

| |






أثار الكاتب الصحفي شريف الشوباشي موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة، بعد دعوته فتيات مصر إلى خلع الحجاب في تظاهرة عامة بميدان التحرير خلال الأسبوع الأول من شهر مايو  2015، وفقـًا لأحكام قانون التظاهر، حيث اقترح أن يتم إخطار مديرية أمن القاهرة لتوفير الحماية اللازمة، واعتبر أن أثر هذه المظاهرة لن يقل عما فعلته رائدة تحرير المرأة هدى شعراوي.
في المقابل، شن إسلاميون هجومـًا عنيفـًا على الشوباشي واعتبروا أن التظاهرة المدعو لها لن يكون لها أي تأثير، ووصفوها بأنها "كلام فاضي". موقف دار الإفتاء من الدعوة المذكورة كان واضحـًا وقاطعًـا، وشدد على أن الحجاب زي شرعي فرضه الإسلام على المرأة.
في المنشور الذي كتبه على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوكقال شريف الشوباشي: "أقترح الآتي: أن تقوم مجموعة من الفتيات بخلع الحجاب خلال تظاهرة عامة بميدان التحرير في يوم بالأسبوع الأول من شهر مايو المقبل على أن يحيط بهم مجموعة من الرجال لحمايتهم وسأكون أول هؤلاء الرجال.. وطبعـًا تخطر مديرية أمن القاهرة بذلك لتوفير الحماية.. أرجو التواصل هاتفيًا بسرعة لبحث تنفيذ هذه الفكرة التي سيكون لها أثر لا يقل عما فعلته هدى شعراوي عام ١٩٢٣.. أرجو سرعة التواصل".
في الوقت نفسه نشر الشوباشي مقطع فيديو مصور مدته 12 دقيقة من سلسلةحلقات سجلها في وقت لاحق تحت عنوان "كلام محظور"، أشار خلالها إلى واقعة مظاهرة هدى شعراوي لخلع النقاب بالتزامن مع ثورة 1919 التي اعتبرها بداية تكوين الهوية الحقيقية للمواطن المصري. وأوضح أن الحجاب اختفى من مصر لمدة 50 سنة بعد هذه المظاهرة حتى ظهر في بداية السبعينيات عقب نكسة 1967، مشيرًا إلى أن عودة انتشار الحجاب ارتبطت ببعض المفاهيم التي انتشرت في المجتمع المصري والخاصة بأننا هزمنا لأننا ابتعدنا عن الدين الإسلامي.
أكد الشوباشي أن فتيات مصر تعرضن للتهديد والترويع والإرهاب النفسي حتى يتم إجبارهن على ارتداء الحجاب، وأشار إلى أن الحجاب أصبح مسارًا لكثير من أشكال النفاق والغش في المجتمع المصري حسب قوله، معتبرًا أن هناك آلة دعائية جبارة من جانب جماعات الإسلام السياسي وقفت وراء الحجاب بهدف تكوين دولة الخلافة. وكشف تفاصيل تظاهرة "خلع الحجاب" التي دعا إليها، حيث أشار إلى أن الهدف هو تجميع مجموعة من الفتيات والسيدات يتراوح عددهن من10 إلى 30 واحدة بميدان التحرير في موعد متفق عليه أمام الرأي العام ووسائل الإعلام وفي حماية قوات الشرطة، ثم يقمن بخلع الحجاب بحريتهن الكاملة وبدون إجبار والانصراف بعدها مباشرة دون ترديد أي هتافات أو رفع لافتات.
وقال الشوباشي: "لو كان لنا أسوة في التاريخ فإننا نستلهم التصرف الذي قامت به هدى شعراوي وسيزا نبراوي بخلع الحجاب بعد عودتهما من إيطاليا وهو الأمر الذي أسهم في تحرير المرأة وكان له دور في تطور مصر منذ العشرينيات وحتى السبعينيات. والمعروف أن أي مجتمع يفرض قيودًا على المرأة لا يتقدم وهذا هو سبب الدعوة". وتابع الشوباشي: "لا أطالب بمظاهرة حتى لا يتم مقابلتها من جانب المتطرفين والمتشددين بأعمال عنف؛ لأنهم اعتادوا على العنف اللفظي والجسدي ولذلك فإننا سنطلب أن تتم هذه الفاعلية تحت حماية أجهزة الأمن، مشيرًا إلى أن التاريخ الذي اقترحه في بداية شهر مايو المقبل هو مجرد اقتراح قابل للتعديل والتغيير.
دعوة الشوباشي إلى خلع الحجاب لم تكن الأولى في تاريخ مصر.
ولعل أهم القضايا التي شغلت النساء في بدايات القرن العشرين هي قضية الحجاب، فقد استماتت المرأة في الدفاع عن حقها في السفور بالشكل الذي جاء به القرآن والسنة، لكن الرجل بشكل عام عارض مطلبها هذا  ورأى في ذلك تمردًا على التقاليد والدين.
أما النساء فمنهن من نادت بالسفور في حذر شديد خوفـًا من التقاليد بمعنى أنها رأت أن يكون ذلك تدريجيـًا كما غلفته بقالب يناسب التقاليد ومن هؤلاء نذكر باحثة البادية، ومنهن من أعلنته صراحة كهدى شعراوي إيمانـًا منها بأنه خطوة نحو التقدم، خاصة أنه لا يتنافى مع الدين -أو هكذا ترى- ومنهن من تشددن في تقليد الغرب كالسيدة درية شفيق ومنيرة ثابت، وبعضهن كُنَّ محافظات مناديات بالسفور في أضيق مظاهره مثل لبيبة احمد، وكُنَّ جميعـًا متفقات على ضرورة السفور على أن يُكتفى بكشف الوجه والكفين. 
كان، إذًا، لا بدَّ من بداية جريئة جاءت كنتيجة لأفكار قاسم أمين، الذي ركز على أن التحرير الحقيقي يبنى على دعامتين رئيسيتين :
الدعامة الأولى : هي التعليم
والدعامة الثانية : خلع الحجاب
جاءت البداية الجريئة الأخرى على يد سعد زغلول الذي أجاب طلب زوجته صفية زغلول بكشف وجهها عند عودته من المنفى سنة 1921 وتبعتها نساء مصر بعد ذلك.
وشهدت فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى صدور عدد من الصحف النسائية، فظهرت أولها في الإسكندرية سنة 1892 على يد "هند نوفل " ومجلتها " الهوانم " سنة 1900 ، كما صدرت  "المرأة في الإسلام " و " شجرة الدر " سنة 1901، ثم مجلة " السعادة " سنة 1902، كما ظهرت مجلة " السيدات والبنات" و " فتاة الشرق " في عام 1906، أما "ترقية المرأة " فقد صدرت سنة 1908 و "فتاة النيل " سنة 1913 .
أيقظت تلك المساجلات عقل المرأة ونبهتها لما أصبحت فيه من جهل وتأخر، ساهم في توضيحه قاسم أمين الذي قضى أربع سنوات بفرنسا.. وهناك رأى كيف أن مكانة المرأة الأوروبية عظيمة ممثلة لا في حقوقها السياسية فحسب بل في كل جانب من جوانب الحياة العامة، خاصة أنه مع مطلع القرن العشرين شهدت أوروبا حركة تقدمية كبيرة قادتها الطبقة العاملة من أجل نيل حقوقها وكان للمرأة دور واضح فيها، وتأثر بما شهده من وعي وتحضر المراة أثناء دراسته بالخارج، وتمنى أن ينقل هذا الوعي إلى بلده، ومما شجعه على ذلك وجود بعض الصالونات الأدبية مثل صالون الأميرة "نازلي فاضل" و"أمينة حليم" . وكانت بمنزلة ملتقى للأدباء والمفكرين والمصلحين يتبادلون فيها أطراف الحديث ويناقشون بداخلها بعض القضايا الملحة. وقد أثار فيها قاسم أمين دائمـًا قضية المرأة ووضعها المتردي، وناصره الرأي الشيخ محمد عبده وحسن عبدالرازق وحسن عاصم، وظهرت آثار هذه المنتديات على الحياة العامة وتجلت في مواقف كل منهم .
نادى قاسم أمين بسفور المرأة، على أن يكون هذا السفور بأن تغطي المرأة كل جسمها ماعدا وجهها وكفيها وأسهب في إيضاح عيوب الحجاب، فقد ذكر أنه يضعف الصحة ويمنع المرأة من التهذب بالعلم ويصدها عن متابعة ميولها الأدبية والعقلية، ثم أخيراً هو يمنع الخطيب من رؤية خطيبته مما يؤدي إلى كثرة الطلاق
وكان في دعوته لا يؤمن بالطفرة بل كان يرجو أن يتم كل ذلك تدريجيـًا حتى أن زوجته ذكرت أنه لم يرغمها على السفور بالرغم من أنها لم تكن تعارضه، لكنه كان يعتقد أن الطرق لم تمهد بعد لتنفيذ فكرته، فكان يكتفي بالمناداة بها ولم يطبقها في أسرته إلا على النشء الجديد أي على بناته رغم أن معارضيه اتهموه بالدعوة إلى التهتك .
سُخِّرت أقلام لدحض فكرة قاسم أمين، وإن كانوا قد فشلوا في منع آثارها في نقل المرأة نقلة نوعية وما صحب ذلك من تغييرات لا يمكن إزالتها. فكان من بين هؤلاء من اعتبر من قضية الدعوة إلى الحجاب ومنع السفور قضيته ، فنذكر من بينهم محمد فريد وجدي،
وهو أزهري وصحفي معروف، لخص دعوته على أساس أن النساء المحجبات لسن بمريضات وأنه لو كان الحجاب يُحدث فيهن ضعفـًا لكان الواجب أن لا يتوارثه النساء والرجال جيلاً بعد جيل، وذهب إلى المطالبة بالتصدي الجدي لهذه الدعوة التحررية التي ستؤدي إلى ضياع المجتمع وإنهياره .
ذهب الكاتب إلى أبعد من هذا، فقد نادى بسفك دم المؤلف ومحاربته، بل إلى استبعاد أن تكون قضية المرأة أصلاً لها من الأهمية إلى درجة أن تثار على صفحات الكتب فيقول :
" إن بعض الناس لم يزل يستبعد أن تكون مسألة المرأة ذات أهمية لهذه الدرجة حتى أن بدأ المرحوم مؤلف " تحرير المرأة " في إبداء أفكاره ظلوا يتساءلون إذا كان يوجد أمام مثل حضرته من إجلاء النشء الجديد موضوع أدعى للعناية من هذه المسألة . "
أما النواة الأولى لخلع الحجاب فتتجلى لنا في موقف سعد زغلول الحاسم تجاه الحجاب عام 1921 حينما عاد من منفاه واستقبلته مصر كلها استقبال الفاتحين، حيث كانت ترافقه في رحلة العودة السيدة صفية زغلول التي قالت له قبل وصول الباخرة إلى ميناء الإسكندرية: ألم يحن الوقت لكي أنزع البرقع الأبيض؟، فالتفت إليها زغلول ثم إلى شابين كانا معه هما واصف غالي وعلي الشمسي، ثم سألهما رأيهما فإذا بهما يعترضان بحجة ألا تكون هي البادئة بنزع الحجاب .. وإذا بسعد يقول: هذه ثورة.. ارفعي حجابك .. ورفعته صفية زغلول، ثم ظهرت للجماهير لأول مرة بوجه سافر مكشوف، وإذا بنساء مصر يتشجعن ويرفعنه بعدها كمظهر من مظاهر الحريم التي رافقت مسيرة المرأة آلاف السنين .
سرعات ما خلعت هدى شعراوي النقاب وهي تستقبل -مع جمع من النسوة- زوجها علي باشا شعراوي وسعد زغلول باشا بعد عودتهما من المنفى، وقد أبدى زوجها فرحة بخلعها النقاب.

وقال وكيل نظارة الحقانية إسماعيل باشا صبري:
" إنه شيء يظنه البعض أسرًا واسترقاقـًا، ويعتقد البعض أنه سعادة وسيادة. والذي أراه فيه هو أننا رأينا المرأة متأخرة في حجابها فاستنكرنا تأخرها والحجاب معه، ولو كنا عاقلين لانتظرنا اليوم الذي نراها فيه متعلمة، فربما حكمنا غدًا بأن الحجاب أنفس حلي المرأة الراقية".

كما حصل شيء من ذلك الصراع على خلع الحجاب في كثير من البلدان العربية، فقد كانت النساء في العراق يلبسن الحجاب التام المتكون من عباءتين الأولى تصل إلى نصف الساق والثانية طويلة بحيث لا يبين قدم المرأة وكل ذلك مع ستر الوجه, وبمجيء عبدالكريم قاسم عام 1963إلى الحُكم شاعت شعارات الحرية وتحرير المرأة, فانتشر السفور في اغلب المدن العراق وأصبح هو الغالب, وبمجيء حزب البعث كانت المحجبات يطردنّ من المدارس ويحبسن. 
وكان أهالي الكويت من أشد الناس محافظة على الحجاب وإن كان بعضهم يدعم السفور والتحرر, وقد استحوذ موضوع الحجاب على عدة صحف ومجلات كويتية في الخمسينيات, ففي سنة 1955 تم حرق الحجاب، وفي عام 1956 تم إحراق البوشية (التي تغطي الوجه) في ثانوية البنات من قبل وزير المعارف عبدالله الصباح وقال لإحدى الطالبات اللابسات البوشية (هذا شيء كثير). فردت عليه ابنته (مي) وقالت : (علم وحجاب لا ينسجمان. لقد قررت جميع الطالبات أن يخلعن البوشية والحجاب إلى الأبد ولقد جاء دور المرأة الكويتية لتتحرر).

وفي سوريا، مزق رجال حزب البعث الحجاب في شوارع دمشق في أول مجيئهم سنة 1960، ومنعوا المحجبات من دخول المدارس بحجابهن. 
في الجزائر، دعا الرئيس أحمد بن بيلا سنة1970 نساء بلده إلى خلع حجابهن، وقال:(إنني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب مــن أجــل الجــزائــر)، فخرجت النساء من بيوتهن، وخلعن الحجاب لأول مرة. 
في تونس، وقف شاب سـنــة 1929 في إحدى الندوات يرد على امرأة تـدعـو إلى السفور، فقال: (الحجاب يصنع شخصيتنا، وبالنسبة لخلعه: جوابي هو الرفض)، وارتفع الضجيج في القاعة فتابع الشاب الدفاع عن الحجاب بنشر مقالات فـي صحيفة تونسية، ولم يكن هذا الشاب سوى الحبيب بورقيبة نفسه، رئيس تونس لاحقـًا، الذي قام في اليوم التالي من الاستقلال بسحب غطاء الرأس عن النساء التونسيات.
وتبدأ محاربة الحجاب في تركيا عام 1924 وهو زمان الرئيس مصطفى كمال أتاتورك وتأسيسه الحكومة العلمانية التي قامت بأمور أهمها: إصدار قانون يمنع دخول المحجبات إلى الجامعات والعمل في المؤسسات الحكومية، وقد تعرضت النساء المحجبات من الطالبات والموظفات للفصل أو الإجبار على خلع الحجاب. ففي كل عام دارسي كانت القوات تحيط بالجامعة لمنع المحجبات من دخولها، وتقوم الشرطة النسائية بإخراجهن من الجامعة بالقوة. وتعرض الكثير منهن للسجن أكثر من مرة وعقابهن اشد المعاقبة، مما دفع الكثير من الجامعيات إلى الدراسة خارج بلدهن.


وفي سنة 2004 طُبِّقَ في فرنسا قانون (يُحظر ارتداء رموز الدينية على التلاميذ تدل على الانتماء الديني بوضوح في المدارس والمعاهد الحكومية تطبيقـًا لمبدأ العلمانية). وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي (أنه قد آن الأوان (لاستئصال) الحجاب من المجتمع الفرنسي وأنه لا مكان في المدارس الفرنسية لطالبة محجبة)، وتم على إثر هذا القانون طرد الفتيات المحجبات من المدارس والجامعات إلا بأن تتعهد بخلع الحجاب ومع مخالفتها لهذا القانون سوف تعاقب، مما دفع نحو100 طالبة جامعية للجلوس في البيت وترك الدراسة, وبعضهن حلقن شعورهن أمثال الطالبة سنيت دوجاني احتجاجـًا على هذا القانون, وبعضهن يلبسن الباروكة عند ذهابهن إلى الجامعات أو المؤسسات الحكومية. واحتج العالم على هذا القانون فقامت مظاهرات من قبل محجبات وغير محجبات في كثير من مدن العالم كباريس وألمانيا وفلسطين والهند وإيران وباكستان وأفغانستان وغيرهن. 
وفي هولندا قام مدير إحدى المدارس برفض السماح لطالبة محجبة بدخول المدرسة وبرر موقفه بأنه (يؤمن بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة وأن الحجاب للمرأة يرمز للظلم الواقع على عاتقها).
و منعت الدنمارك الحجاب في الجامعات والمدارس والعقاب على ذلك، ثم تراجعت عن ذلك القرار  لاحقـًا.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على " الحجاب في الميدان "

أكتب تعليقا