في إصلاح أجهزة الأمن.. والربيع المنتظر!

| |





ذهب وزير الداخلية محمد إبراهيم، فظن البعض أن الربيع أتانا ضاحكـًا.
الدنيا ليست ربيعـًا، ولن تكون إلا بإجراءات شاملة على الأرض وإصلاحات متكاملة في منظومة الجهاز الأمني.
عادة ما تواجه الديمقراطيات الجديدة معضلة القيام بوظيفتين للجهاز الأمني في توقيت متزامن، فهو من جهة مطالبٌ بالحفاظ على الأمن في ظل الوضع الأمني الهش للبلاد ومن جهة أخرى مُطالب بإصلاح الشرطة ثقافيـًا ومؤسسيـًا؛ ولذا فإن دقة المرحلة تتطلب عدم طغيان إحدى الوظيفتين على الأخرى، فلا إصلاح دون احترام حقوق الإنسان ولا إصلاح دون حماية أمن المجتمع والمواطنين بكفاءة ومهنية.
لن نبالغ إذا قلنا إنه لا يمكن استيفاء متطلبات التحول الديمقراطي دون وجود تصور متكامل وواقعي لإصلاح الأمن. وليس مقبولاً ولا معقولاً أن يكون طريق "الإصلاح الأمني" عبر زيادة تسليح قوات الأمن مع بضع محاضرات عن حقوق الإنسان، أو حتى تجميل الوجه بإدارة علاقات عامة أو إعلام في الداخلية تتولى إنكار الجرائم التي ترتكب أو تخفف من وقع ما جرى فعلاً بكلمات منمقة، وإنما يتحقق ذلك بتركيز الأمن على مهمته الأساسية، وهي مكافحة الجريمة، وليس إدارة الدولة كلها من أول إصدار الرقم الوطني وحتى الإشراف على الانتخابات وما بينهما من أمور.
إن عملية إصلاح الشرطة لا بدَّ أن تكون ممتدة وتدريجية وعلى عدة مستويات، فهناك دول مثل التشيك اختارت أن تسرح كل العاملين ببعض الأجهزة الأمنية دفعة واحدة، فتم تفكيك جهاز الأمن السياسي بالكامل وبناؤه من جديد، كما تم تسريح أعداد كبيرة من العاملين في الأمن العام وأفواج الشرطة المعادلة للأمن المركزي، غير أن التكلفة الاجتماعية العالية لهذا القرار تجعل تطبيقه بالغ الصعوبة في مصر، خاصة أن العدالة الاجتماعية كانت أحد مطلب الثورة، كما كان مطلب الكرامة.
ويمكن عمل رصد لوضع وتقييم للعاملين بالشرطة من وحي التجربة البولندية، التي استبعدت من الخدمة فئة المتشبثين بالعقيدة الأمنية القديمة والمعرقلين للتغيير، ومعظمهم من أصحاب الرتب  الكبيرة. أما الفئة الثانية، وهم صغار الضباط ذوو القابلية للتعلم والتطور وذوو الطموح للارتقاء في السلم الوظيفي، فيمكن تدريبهم وتطوير قدراتهم للاندماج في العقيدة الأمنية الجديدة، وذلك بشرط عدم تورطهم في انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان، وإلا تم تصنيفهم ضمن الفئة الأولى. أما الفئة الثالثة فهي غير موجودة أصلاً ولذا وجب توظيفها على وجه السرعة، وهم المدنيون أصحاب التخصص في القانون وحقوق الإنسان، وتعهد إليهم مهمة رسم السياسة العامة للشرطة وتدريب العاملين بها على العقيدة الجديدة التي تحترم حقوق المواطن وحرياته.
من باب الإنصاف، يجب أن نشير إلى إجراءات مهمة اتُخذت على طريق الإصلاح، وإن تكن غير كافية أو مكتملة، ومن ذلك تحويل جهاز أمن الدولة إلى جهاز للأمن الوطني وسحب الكثير من اختصاصاته التي تتجاوز صلاحياته، وإصدار وزارة الداخلية "مدونة قواعد سلوك وأخلاقيات العمل الشرطي"، تناولت رسالة، وأهداف، وواجبات وحقوق العمل الشرطي المصري، وذلك بهدف تغيير عقيدة الشرطة وتوجيهها لاحترام حقوق الإنسان وحكم القانون.
نضيف إلى ذلك إجراء تعديلات على أحكام القانون رقم 109 لسنة 1971 بشأن تنظيم هيئة الشرطة والذي وافق عليه مجلس الشعب بتاريخ 4 يونيو 2012، ومن أهمها تقليص صلاحية المجلس الأعلى للشرطة فيما يتعلق بحق تأديب الضباط، ومنح هذا الحق لوزير الداخلية مع اعتبار رأي المجلس "استشاريـًا"، كما نص على "تنظيم الشؤون الوظيفية للضباط والأفراد وقواعد تعيينهم وتنقلاتهم وترقياتهم وقواعد التأديب والإجازات والإعارات والانتدابات، بالإضافة لجداول المرتبات للاستفادة من العنصر البشري داخل وزارة الداخلية في دعم السياسات الأمنية وتحسين الأوضاع الوظيفية لأفراد الشرطة وأبرزها استحداث فئة جديدة ضمن أعضاء هيئة الشرطة هي فئة "ضباط الشرف"، التي يترقى فيها أمين الشرطة إلى "ضابط شرف"، وتمثل هذه التعديلات استجابة للحد الأدنى من المطالب والمقترحات.
هذه الإصلاحات بقيت بحاجة إلى إجراءات شاملة وخطط واضحة وقرارات ملزمة، كي تكتمل صورة الإصلاح وتتوقف دورة العنف الأمني ضد المواطنين. تلك الدورة التي جعلت أي مظاهرة سلمية تتحول إلى معركة تزهق فيها الأرواح ويسقط فيها الأبرياء، فقط بمجرد ظهور الجهاز الأمني.
ولأنّ الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان لا تؤثّر على الضحايا المباشرين وحسب، بل على المجتمع ككلّ، يصبح من مقتضيات نجاح المرحلة الانتقالية أن تضمن الدولة أو بالأحرى القائمون على إدارة المرحلة الانتقالية عدم تكرار تلك الانتهاكات، مما يقضي بضرورة القيام بإصلاح المؤسسات التي إما كان لها يد في هذه الانتهاكات أو كانت عاجزة عن تفاديها. وتقول تجارب السابقين إن تاريخـًا حافلاً بالانتهاكات الجسيمة التي لم تُعالج سيؤدي حتمـًا إلى انقسامات اجتماعية ويكرس غياب الثقة بين جماعات المجتمع المختلفة، بل وفي مؤسّسات الدولة ذاتها، فضلاً عن عرقلة الأمن والأهداف الإنمائية أو إبطاء تحقيقهما.
إن أي حل أو إصلاح للجهاز الأمني لا يتسع لجهود مجتمعية وشبكات شبابية وسياسية مع الدولة، لن يقود إلا لمزيد من التوحش والنزعة الأمنية، وهو ما سوف يعني مزيدًا من القمع والتمرد.
يقتضي هذا كله رؤية سياسية وتشريعية وتنفيذية، بل إسهامـًا قضائيـًا وقانونيـًا في صياغة صورة جديدة للهيكل الشرطي ومسؤولياته، وصياغة عقيدة أمنية جديدة، تقوم على احترام حقوق الإنسان بالتوازي مع ضرورة الالتزام بالعمل الشرطي المحترف.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "في إصلاح أجهزة الأمن.. والربيع المنتظر! "

أكتب تعليقا