مجانين الحُكم في الرواية العربية

| |






يحلو للبعض الحديث عن الحضور الهش لصورة الدكتاتور في الإبداع العربي، وعن عدم إنجاز نصوص روائية كبيرة لأنواع من الحكام الطغاة الذين عمَّروا ويعمرون المشهد السياسي الاجتماعي الثقافي العربي الراهن.
في السطور التالية سنحاول أن نتقصد ذكر عدد من الأعمال الأدبية العربية التي قاربت صورة الدكتاتور في وجه من وجوهها، بهدف إثارة هذه القضية والبحث عن أجوبة لعدد من الأسئلة المتصلة بالحضور الشحيح للطاغية في الرواية العربية.
بداية، يمكن القول إن صورة الطاغية منبثة هنا وهناك، في كتاب إمام عبدالفتاح إمام عن "الطاغية"، وفي كتابات الباحث الكويتي الراحل خلدون النقيب عن الدولة التسلطية، وفي أبحاث عدة لباحثين وكتاب عرب آخرين من ضمنهم بوعلي ياسين، كما أنها حاضرة بصورة أو أخرى في الرواية العربية؛ في روايات نجيب محفوظ، وعبدالرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وفاضل العزاوي، ونبيل سليمان، ومؤنس الرزاز، وحيدر حيدر، وبنسالم حميش وآخرين.
غير أن المسألة لا تتصل بتلك المقاربات الروائية للواقع العربي، بل بعدم وجود عمل روائي كبير يصور ظاهرة الطاغية في الحياة العربية المعاصرة. ليس لدينا رواية بحجم "السيد"، أو "الرئيس" لميغيل أنخيل أستورياس، أو "أنا الأعلى" لرواباستوس، أو "اللجوء إلى المنهج" لأليخو كاربانتييه، أو "عرس التيس" لماريو فارغاس يوسا، أو "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز التي تُصوّر عبور أميركا اللاتينية في قرن من الطغيان، أو روايتَي ماركيز "خريف البطريرك" التي وصفت آليات القمع، ورسمت شخصية الدكتاتور، وقدَّمت جوانب دقيقة من حياته ونفسيته وأفكاره، و"الجنرال في متاهته"، التي تصلح صورة للطغاة العرب[1].
تلك هي المسألة؛ أننا لم نكتب أدبـًا كبيرًا يصور الطغيان والاستبداد على هيئته، لا أننا كتبنا وقاربنا الظاهرة على قدر ما طاوعتنا أقلامنا ومواهبنا وأجهزة الرقابة العربية.
يجادل البعض بأن هذا النوع من الأعمال الروائية شحيح في أدبنا نظرًا لغياب الحرية والديمقراطية، فكما أن الطائر لا يغرد أثناء العاصفة، المبدع أيضـًا سواء كان روائيـًا أم شاعرًا لا يستطيع أن يصور عيوب الحكام بصورة مباشرة إلا في إطار توافر الأمن والأمان.
ويمكن القول إن هناك نصوصـًا عدة منعت من النشر منها: "الزعيم يحلق شعره"، لإدريس علي الذي تناول فيها صورة الطاغية القذافي ومسها مسـًا مباشرًا، وهناك نصوص أخرى تقيم عالمـًا تخيليـًا موازيـًا يتناول فيه صورة الدكتاتور بصيغة فنية غير مباشرة، مثل رواية "26 أبريل" للكاتب خالد إسماعيل، وهناك السلطة القاهرة في مقابل المجموع المقهور ونتلمسها في روايات المصريين محمد البساطي ومحمود الورداني وفتحي إمبابي.


لقد فضَّل الروائي العربي الكتابة عن شخصية العمدة صاحب السلطة المطلقة، ورجل الشرطة المتسلِّط بدل الكتابة عن الدكتاتور. ولعل روايتَيْ "الزيني بركات" للروائي جمال الغيطاني، و"عو" لإبراهيم نصر الله، قد كتبتا للتعبير عن الرقابة المنتشرة في العالم العربي، وأسلوب التعامل البوليسي مع المواطن، فشكَّلتا الاستثناء، وتمكَّنتا من سبر أغوار الظاهرة، حيث طرحتا ذلك الصراع الحادّ والشرس بين الدكتاتورية "عو" وأجهزته المخابراتية "الزيني بركات" وأحلام الإنسان البسيطة.  
بطبيعة الحال، هناك من استخدم الرمز، حتى يمكن ابتلاع اللقمة غير السائغة بالنسبة الى الرقابات العربية[2]، فمن يقرأ نجيب محفوظ يضع يده على شخصيات رمزية تقف ضد الدكتاتور والقمع، لكن بصورة غير مباشرة في كثير من الأحيان.
في المقابل، نجد في الرواية العربية المعاصرة انعكاسات مشهودة لأنظمة الطغاة من العسكريين في جملة ليست قليلة من قصص نجيب محفوظ ورواياته، خاصة "الكرنك" و"أمام العرش"، أيضـًا في روايات عبدالرحمن منيف، خاصة "شرق المتوسط" (1972) نرصد صياغة وافية للسجون والمعتقلات التي زج فيها دكتاتور المشرق العربي خصومه ومعارضيه. تصف رواية منيف أجواء السجن السياسي الذي يحاول قتل الجسد العربي بواسطة الترهيب. وكأن السجن السياسي، وفق ما ذهب إليه عبد الرحمن منيف، قد لجأ إليه الدكتاتور العربي وهو يزداد خوفـًا، وضيقـًا بالمعارضة، ومن ثمّ أكثر لجوءً إلى القمع، فأصبح السجن السياسي، مثلما عَبَّرت عنه الرواية، وسيلة لحماية وجود الدكتاتور العربي وتحصينه، وإبعاد القلاقل والاضطرابات عنه.
وفي ثمانينيات القرن العشرين، نشر حيدر حيدر رواية "وليمة لأعشاب البحر"، وكتب مؤنس الرزاز رواية "متاهة الأعراب في ناطحات السراب"، في حين عاد عبد الرحمن منيف للموضوع ونشر "مدن الملح". كما لم تخلُ رواية "العصفورية" لغازي القصيبي من الإشارة إلى موضوع التسلُّط العربي وشخصية الدكتاتور. ونعثر على الظاهرة نفسها لدى هاني الراهب في روايته "رسمت خطـًا في الرمال"، وكذا في الجزء الرابع من "مدارات الشرق" (الشقائق) للكاتب السوري نبيل سليمان[3].  ويظهر الدكتاتور أيضـًا في رواية سمر يزبك "لها مرايا" وروزا حسن "حراس الهواء" وعزت القمحاوي "الحارس".


تتحدث رواية "وليمة لأعشاب البحر" تحديدًا عن شيوعيين عراقيين، يعيشان حياة المنفى في الجزائر، بعيدًا من فظاعة السجون العراقية وأدوات تعذيبها التي حطمت فيهما روح المقاومة، وأجبرتهما على التخلى نهائيـًا عن تاريخهما النضالي الشيوعي. ولا تصرّح الرواية التي تنطق وعي بطليها العراقيين باسم صدام حسين، ولكنها تخصص للإشارة الرمزية إليه فصلاً كاملاً بعنوان "ظهور اللوياثان". واللواياثان (أو اللياثان Leviathan) وحش أسطوري رهيب ينبثق من أعماق المحيطات، مجسدًا الشر الخالص في الوجود، يشبه التنين، لكنه يتميز برؤوسه السبعة التي تمتد كالأفاعي فوق كتفيه لتنثر الخراب والدمار والشر الذي يقضى على الخير في الوجود. ويظهر هذا الوحش الرهيب في أساطير الشرق الأوسط، متكررًا على نحو دال في أساطير ما بين النهرين. ويستغل حيدر -من منظور وعي الشخصية العراقية التي يجسدها- الحضور البشع لظهور اللوياثان، جاعلاً منه تمثيلاً رمزيـًا لظهور صدام حسين، وصعوده الذي استهدف قوى الخير في الوجود.
قائمة الأعمال الروائية العربية التي تتطرق إلى صورة الطاغية تضم أيضـًا "فتنة الرؤوس والنسوان" لبنسالم حميش، و"الأسلاف" لفاضل العزاوي، ورواية أبو بكر العبادي "آخر الرعية"، وكذا رواية واسيني الأعرج "المخطوطة الشرقية"، ورواية عبد الستار ناصر "أبو الريش"، ورواية "تل اللحم" لوالي نجم، و"الصمت والصخب" لنهاد سيريس و"فخ الأسماء" لخيري الذهبي و"غبار الطلع" لعماد شيحا[4].
ويمكن إضافة روايات مثل "أودية العطش" للروائي الموريتاني بدي ولد ابنو، إضافة إلى رواية "حدائق الرئيس" للروائي العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، التي تتعامل مع شخصية الطاغية كموضوع محوري، و"مجنون الحكم" للمغربي بنسالم حميش، ولا ننسى "عالم صدام حسين"، للعراقي مهدي حيدر، التي تقدم نموذج الدكتاتور بالاسم.
ولا تستمر رواية "عالم صدام حسين" مع وقائع حياة الطاغية حتى النهاية، وإنما تتوقف عند وصوله إلى سُدّة الرئاسة، وبداية انفراده بالسلطة المرعبة التي مارسها بوحشية تفوق إمكانات الخيال على التصور. ويبدو أن كاتب الرواية قرر أن يكتفي بالمرحلة الأولى من تتابع وقائع الطاغية، تاركـًا المراحل اللاحقة لأعمال روائية مستقلة.
في روايته الصادرة في الجزائر عن دار "الأمل" للنشر الجزائرية، بعنوان "الأعظم" (2010)، يتناول الروائي إبراهيم سعدي ظاهرة "الطاغية" السائدة في الواقع السياسي العربي من منظور جمالي. تعد هذه الرواية عملاً سرديـًا مهمـًا يكرس موضوعه حول شخصية السياسي المستبد. إن عالم هذه الرواية التخييلية يدور حول حاكم يحتكر السلطة مدة أربعين سنة في بلد عربي متخيل أيضـًا، اسمه "المنارة"، قبل أن يرثه ابنه من بعده في الحُكم.
و"المنارة" دولة عربية متخيلة، و لكنها في آن واحد صورة لواقع الحكم في البلدان التي يحكمها الطغاة العرب، فالاختلاف الوحيد، إذًا، هو في الاسم فقط؛ لذا نلاحظ أن الروائي أعطى لشخصيات الرواية أسماء متداولة في مختلف البلدان العربية، وليس في بلد عربي بعينه، في إشارة إلى أن الطاغية الذي يتحدث عنه ليس رئيس هذا البلد العربي أو ذاك، بل جميعهم.
بدا أن إبراهيم سعدي استوحى من كل طاغية عربي هذا القدر أو ذاك من خصائصه وسماته، بحيث يمكن القول إن شخصية "الأعظم" هي خلاصتهم جميعـًا. كما يمكن ملاحظة توظيفه التاريخ بطريقة حرة، لاسيما تاريخ الجزائر، حتى أن بعض الأحداث في هذه الرواية تجري على خلاف ما جرت عليه في الواقع. فالخيال يلعب دورًا كبيرًا بالتأكيد في تشكيل بنية الرواية. ورغم أن "الأعظم" تندرج في سياق الرواية الواقعية، فإنها ليست ذات طابع تسجيلي.
ولعل ما يسترعي الانتباه أن "الأعظم" أو الطاغية في الرواية لا يغادر الحُكم إلا نتيجة الوفاة، وبعده يستلم ابنه الحُكم. من الواضح أن في ذلك إشارة إلى ظاهرة التوريث التي شاعت في الساحة العربية.
في روايته "قبعة الوطن" (2008) الصادرة بالاشتراك بين مكتبة مدبولي (مصر) والدار العربية للعلوم (لبنان)، يتخذ زكريا عبدالجواد من نموذج الطاغية مرتكزًا لروايته، فأحداثها تجري داخل بقعة تتشابه مع عديد من بقاع ابتليت بنماذج لطغاة اعتقدوا طوال سنوات حكمهم التي لا نهاية لها في العادة، أنهم امتلكوا الأرض ومن عليها من بشر، وطيور ونباتات، بل وحتى الهواء الذي يدور فلا يرسل عبقه إلا بعد أن يأذن له الطاغية الملهم. من هنا كان تعامل الأنظمة الدكتاتورية مع كل ما يجري في تلك البقاع التي حفلت ببشر اعتادوا الاستكانة، لكنهم يمتلكون حناجر تجيد الهتاف في الميادين، والاصطفاف في الشوارع انتظارًا للطلعة البهية، وإطلاق الدعاء ليل نهار، بنصر لا يجيئ -في العادة- لمن اختطف البلاد منذ أن قاد دبابته، وأخضع كل من في تلك البلاد من بشر، لسطوته.
ولعلنا لا نجاوز الحقيقة حين نقول إن ثيمات العنف والقهر وكل مظاهر التسلُّط، حاضرة في الرواية العربية، لكنها عجزت -رغم ذلك- عن إبراز عمق جذور الجهاز الحاكم ونواته الأساسية وطبيعة آلة السلطة الدكتاتورية في خفائها وتجلِّياتها. كما اكتفت الرواية العربية، طويلاً، بأن تكون رواية سجون ومخابرات وفظائع لا غير. وكانت رواية نهاية أحلام مرحلة، بدلاً من المواجهة مع الطاغية ودفع أثمان ذلك بشكل أو بآخر.

(نُشِر المقال في مجلة "الهلال"، القاهرة، مارس 2015، ص24-27)


الهوامش

[1] إبراهيم العريس، "عرس التيس" لبارغاس يوزا: صورة الديكتاتور في ذاكرة جريحة، جريدة "الحياة"، لندن، 1 مارس 2011.
[2] فخري صالح، هل صوّر الأدب العربي الديكتاتور؟، جريدة "الحياة"، لندن، 16 يونيو 2011.
[3] نبيل سليمان، ديكتاتور الرواية العربية، جريدة "الحياة"، لندن، 23 يونيو 2011.
[4] خالد المعالي، ديكتاتور الأدب العربي وغيبوبة النقاد، جريدة "الحياة"، لندن، 24 يونيو 2011.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

28 التعليقات على "مجانين الحُكم في الرواية العربية"

أكتب تعليقا