قانون التظاهر.. وطريق النسيان

| |






من جديد، عاد الجدل الدائر حول قانون التظاهر ليدفع به إلى الواجهة، في حين قطع وزير الداخلية محمد إبراهيم الطريق على من يحاولون الغمز من قناة وزارة الداخلية، وقال قبل شهور بالنص: "أنا شخصيـًا ليس لديّ مانع من تعديل قانون التظاهر".
قبل أيام، ألقى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، حجرًا في بئر راكدة، حين قال إن قانون التظاهر تسبب في مشكلات كبيرة، مستشهدًا بزيارة من محمد فايق، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أبلغه فيها بتقديمه طلبـًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، بتعديل بعض مواد القانون؛ لإزالة ما أسماه "المصائب" الموجودة الآن، حسب تعبيره.
حسب هيكل، فإن الرئيس قام تعديل القانون والحكومة وافقت على ذلك، لكن بعض الأصوات طلبت تأجيل إصداره بشكله الجديد؛ في محاولة للحفاظ على هيبة الدولة.
وعلى حد قول هيكل، فإن "قانون التظاهر الآن معطل منذ شهرين، والرئيس عبد الفتاح السيسي له أولويات واعتبارات ولديه خطة".
غير أن القلق يستدعي التحرك، خاصة أننا نقترب من إحياء الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، بما يعنيه ذلك من حساب دوري ومراجعة عامة للأداء السياسي.
الأكيد أن وجهات نظر الحقوقيين والنشطاء السياسيين تتباين حول تأثير مواد بقانون "تنظيم الحق فى التظاهر" على العملية الانتخابية مع اقتراب انتخابات مجلس النواب المقبل، والتى تجيز بعض هذه المواد "إلغاء المؤتمرات الانتخابية والتجمعات، حال تهديدها للأمن العام".
يتحفظ البعض على المادة الثانية من القانون المذكور، التي تنص على أن يكون الغرض من الاجتماعات الانتخابية، اختيار مرشح أو مرشحين لعضوية المجالس النيابية أو سماع برامجهم الانتخابية، وأن يكون الاجتماع مقصورا على الناخبين وعلى المرشحين أو وكلائهم، وأن يقام الاجتماع فى الفترة المقررة للدعاية الانتخابية.
ووفقـًا للمادة العاشرة من هذا القانون فإن من حق وزير الداخلية أو مدير الأمن المختص، إصدار قرار مسبب بمنع الاجتماع العام فى حالة حصول جهات الأمن وقبل الميعاد المحدد لبدء الاجتماع على معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، أو إرجائه أو نقله إلى مكان آخر وإبلاغ المتقدمين بالإخطار خلال 24 ساعة على الأقل.
هذه عقبات في الطريق إلى مجلس النواب المقبل والانتخابات البرلمانية، نخشى أن تزيد من تأزم الموقف إن لم نبدأ في تداركها وإيجاد حلول مناسبة لها قبل الوقوع في المحظور.
في صيف 2014 تعالت الاقتراحات مطالبة بإعادة النظر في هذا القانون، واقترح البعض أن يبادر وزير العدالة الانتقالية إلى دعوة المنظمات والمؤسسات الحقوقية ووزارة الداخلية إلى مؤتمر تحت عنوان "نحو قانون تظاهر .. متفق عليه"، وهو عنوان يُعظِّم المتفق عليه، ويجنب المختلف عليه، ويعهد بالمختلف إلى حقوقيين وطنيين ثقات، فيضبطون إيقاع القانون على الموجة العالمية لحقوق الإنسان، بتوازن دقيق وحميد بين الأمن والحريات.
والحقيقة أن قانون التظاهر ليس نصـًا مقدسـًا، وإنما هو قانون تقتضيه ظروف معينة، ويتعين النظر إليه من هذه الزاوية تحديدًا.
منذ البداية، وقبل صدوره، برزت تحفظات معلنة للمجلس القومي لحقوق الإنسان على نصوص في هذا القانون وعقوباته المغلظة، لم يؤخذ بها. كان المجلس القومى لحقوق الإنسان، أوصى بإلغاء المادة العاشرة من القانون لأنها "تصادر حق التظاهر على أساس نوايا المتظاهرين قبل التظاهرة أو الاجتماع"، وقال المجلس إن "الأجدى أن يكون التعامل معهم على أساس أفعالهم أثناء التظاهرة أو الاجتماع".
طفا على السطح تصادمٌ ما بين القانون المثير للجدل والدستور الذي يقضي بأن "للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحـًا من أي نوع، بإخطار على النحو الذي ينظمه القانون".. وأنه "ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة للحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها". القانون الحالي يمس أصل الحق في التظاهر وجوهره، وهذه مسألة تتعلق بالحريات العامة والشرعية الدستورية معـًا.
وفي سبتمبر 2014، أعلنت 7 أحزاب هى الدستور والكرامة والمصرى الديمقراطى الاجتماعى والتيار الشعبى ومصر الحرية والتحالف الشعبى الاشتراكى والعيش والحرية عن فتح مقراتها للمشاركة فى الإضراب عن الطعام ضمن "حملة الأمعاء الخاوية" للمطالبة بتعديل القانون والإفراج عن النشطاء.
هذه الأحزاب كانت فى طليعة القوى السياسية التى خرجت يوم 30 يونيو ضد جماعة الإخوان المسلمين وأيدت خريطة طريق 3 يوليو، والتمست كل الأعذار للحكومة ولوزارة الداخلية طوال الشهور التالية لرحيل حكم الإخوان.
إذًا، عندما تطالب هذه الأحزاب بتعديل قانون التظاهر والإفراج عن الناشطين السياسيين الذين تم اعتقالهم أو القبض عليهم والتحقيق معهم بموجب هذا القانون فإنه يتعين الاستماع إليهم بصدر رحب، وصولاً إلى التوافق المجتمعي المنشود.
الأكثر لفتـًا للانتباه أن القانون لم يحقق أيـًا من أغراضه المعلنة، فلم يحقق أي أثر يذكر في وقف التظاهرات، ولم يحم الشعب المصري من البلطجة، بل إن وتيرة العنف قد تصاعدت لشهور طويلة وارتفع معها عدد الضحايا وحجم الخسائر؛ لأن من ينوي استخدام العنف والإرهاب لن يشغله كثيرًا قانون ينظم حق التظاهر. ولم يُحَل من استخدموا العنف ورفعوا أعلام القاعدة إلى أية محكمة ولم يصدر بحق أي منهم حكم قضائي نهائي.
أصدرت الحكومة القانون بهدف استعادة سطوة الدولة بعد انهيارات يناير 2011، وتحت الضغط الإخواني بالتظاهر العبثي منذ سقوط مرسي، لمجرد الإعلان عن بقاء الجماعة على قيد الحياة.
قبل أيام، قال قال المستشار محفوظ صابر، وزير العدل، إن قانون التظاهر في طريقه إلى النسيان، أن ذلك الأمر يرجع لما تنعم به مصر من هدوء واستقرار في الفترة الحالية.
نعتقد أنه قد حان الوقت كي نتفق جميعـًا على أن يصبح قانون التظاهر -فعلاً لا قولاً- في طريقه إلى النسيان، ليصبح هو والعدم سواء.
هكذا نفتح ثغرة في جدار الحرية وبناء وطن جديد أكثر استقرارًا.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "قانون التظاهر.. وطريق النسيان"

أكتب تعليقا