في إصلاح الصحافة "القومية"

| |

 
 
 
خلال لقائه بمجموعة من شباب الإعلاميين والصحفيين، قفزت مسألة مؤسسات الإعلام «القومية» إلى الواجهة.
حسب السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، فإن الرئيس رحَّب ببعض المقترحات التى تم طرحها فى أثناء اللقاء، ومن بينها تطوير مؤسسات الإعلام القومية، لتقوم بدورها جنبًا إلى جنب مع الإعلام الخاص وتحقق التوازن المطلوب على الساحة الإعلامية، وتؤكِّد دورها كمنبر للتواصل بين الدولة ومختلف مؤسساتها والشعب. ودعا الرئيس السيسى شباب الإعلاميين إلى إعداد ورقة عمل تتضمَّن مقترحات محددة لتطوير مؤسسات الإعلام «القومية».
مجددًا، الحديث عن الأزمة، فى ظل غياب الحلول الممكنة. رفعت ثورة 25 يناير -منذ اليوم الأول لقيامها- قائمة من المطالب، كان من بينها تطهير الآلة الإعلامية، التى تشتمل على جهاز التليفزيون المملوك للدولة، والصحف القومية المملوكة لها أيضًا من خلال مجلس الشورى، فقد كان وصف «القومية» الذى تم خلعه على هذه الصحف وسيلة للتعمية على وضعها الحقيقى كوسيلة دعاية للرئيس -أى رئيس- عبر ستة عقود.
كان لـ«التطهير» الذى دعا إليه الثوار فى ميدان التحرير معنى واحد، هو منح هذه المؤسسات الصحفية «القومية» استقلالها عن أى سلطة سياسية لتمارس عملها بالمستوى المطلوب من المهنية، ولتستطيع أن تعيد هيكلة أوضاعها داخل السوق الصحفية فى مصر، مستعينة فى ذلك بالعديد من الكوادر المتميزة التى تحتشد بها والتى رفضت أن تشارك فى شحن بطارية العمل بهذه الصحف كآلةٍ للدعاية للنظام السياسى والرئيس الحاكم بأمره، فأصابها الغبن والتهميش لعقودٍ طويلة.
أيًّا كانت الأوضاع السابقة على غرابتها، فإن الوضع الحالى ربما كان فيه ما هو أكثر عجبًا. لقد اختفى مجلس الشورى من دستور ٢٠١٤ الذى أعطى حريات واسعة للصحافة والإعلام عامة، ولكنه من الناحية «المؤسسية» تجنب تمامًا تعبير «الملكية»، فالمادة (٢١١) التى تقضى بإنشاء «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» تحدثت عن «تنظيم» شؤون الإعلام و«حماية» حرية الصحافة ومنع الممارسات الاحتكارية والتأكد من وجود أدوات اتباع المعايير الأخلاقية. والمادة (٢١٢) تنص على إنشاء «الهيئة الوطنية للصحافة» كمنظمة مستقلة تقوم على إدارة وتنمية المؤسسات الصحفية «المملوكة للدولة» وما لديها من ممتلكات مع تحديثها وضمان حيادها والتزامها بالمعايير المهنية. وكذلك جاءت الحال مع «الهيئة الوطنية للإعلام» فى المادة (٢١٣) لكى تكون مماثلة لما جاء فى المادة السابقة ولكن فى ما يخص الإعلام المرئى والمسموع؛ وهنا يتكرر مرة أخرى تعبير «المملوكة للدولة»، كما يتكرر مرة أخرى تعبير «الاستقلال» وأن الأمور كلها سوف يحددها القانون.
مع استمرار تدهور حال المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة، استمر سيناريو الدفاع عن الحاكم من جهة، والشكوى من الديون المتراكمة على تلك المؤسسات من جهة أخرى.
والحقيقة أنه لم يعد من المقبول إنفاق كل تلك الأموال على إعلام حكومى خاسر ماديًّا، وضعيف مهنيًّا، فى بلد يعانى عجزًا اقتصاديًّا يضعه على ضفاف الإفلاس.
ليس معلومًا ما الذى أثلج صدر البعض فى أن يقول السيسى فى أغسطس 2014 إنه «لن يقبل أن تسقط الصحف القومية»، فى وقتٍ يعرف فيه الجميع أن تلك الصحف تعانى مديونيات لا تستطيع سدادها تصل إلى عشرة مليارات جنيه، وتحتاج إلى سيولة مالية لمواجهة نفقاتها التى لا تقل عن المليار جنيه شهريًّا.
دفعت أزمة الصحف «القومية» إلى أن يناشد الكاتب الصحفى صلاح عيسى، الرئيس السيسى، التدخل لإنقاذها، حيث سرد ما تعانيه هذه المؤسسات الصحفية القومية من مشكلات، تدفع بعض رؤساء مجالس إدارات المتعثر منها أحيانًا إلى الهروب من الأبواب الخلفية هربًا من الدائنين، قبل أن يختم قائلًا: «إن الإدارة الحالية لم تتوصل بعد إلى ترجمة عملية للسياسة التى أعلنتموها بشأن ضرورة الحفاظ على المؤسسات الصحفية القومية، وعدم السماح بسقوطها، وهو ما يتطلب أولًا وضع سياسة قصيرة الأمد، لتعويم الخاسر منها، حتى يستطيع أن يتخطَّى ما يواجهه من عقبات، وتهيئة الظروف أمام المؤسسات المستقرة منها، لكى ينطلق الجميع -بعد ذلك- فى إقامة أساس إعلام المصالح العامة، الذى تمثل هذه المؤسسات حجر الزاوية فيه».
غير أن هناك مَن يرى أن تلك المؤسسات الصحفية «الحكومية» تعتبر شاهدًا على تبديد أموال المصريين من أجل نشر صور «تعبيرية» للحكام فى الصفحة الأولى، كما حدث فى الصورة الشهيرة التى نشرتها «الأهرام» فى عهد أسامة سرايا للرئيس الأسبق حسنى مبارك، متقدمًا الرئيس الأمريكى باراك أوباما، وزعماء دوليين آخرين، على خلاف الحقيقة.
كان مبارك أيضًا «يؤمن بدور تلك الصحف ويتمسّك بوجودها»؛ هكذا نقل عنه نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد، فى ١٧ يونيو ٢٠٠٦ خلال ندوة نظّمها معهد «الأهرام» الإقليمى للصحافة. غير أن مبارك نفسه كان يرى أن الصحفيين «دول عالم لَبَطْ»، و«إما أن لهم مصالح خاصة، وإما أنهم لا يفهمون»، وقال ذات لقاء مع محمد حسنين هيكل: «إن الصحفيين يدَّعون أنهم يعرفون كل شىء، وأنهم (فالحين قوى)، والأفضل أن ينكشفوا أمام الناس على حقيقتهم، وإنهم (هجّاصين) لا يعرفون شيئًا».
إن إصلاح حال الإعلام المصرى لن يتم إلا بأن تتحوَّل وسائل الإعلام المملوكة للدولة إلى إعلام الخدمة العامة، وحتى الآن لم تُبذل أى جهود لتحقيق ذلك. كذلك يجب البحث عن صيغ للحفاظ على حقوق العاملين فى الإعلام المملوك للدولة، وحتى حينه أيضًا لم تُبذل أى محاولات لتحقيق ذلك أو حتى بحثه للوصول إلى صيغ وأفكار تستفيد من التجارب الدولية المشابهة للتجربة المصرية الراهنة.
علينا أن نفكِّر ونتحرَّك بسرعة وحسم من أجل معالجة ملف الصحافة القومية، فالأزمة تتعاظم والوضع لا يحتمل التأجيل.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "في إصلاح الصحافة "القومية""

أكتب تعليقا