نواة الأفندية

| |






على مهل، كانت الثروة في مصر تشق مجرى جديدًا في نهر الوطن.
لم يكن التحول بين ليلة وضحاها، وإنما امتد لعقود طويلة، لكنه شهد أبرز محطاته في عصرين: محمد علي وإسماعيل.
قبل محمد علي، كانت الصورة ضبابية بالنسبة لمفهوم الرأسمالية المصرية، وكانت فكرة الأفندية في رحم الغيب، وكان دور الشوام وتأثيرهم موضوعا غير مطروح للنقاش.
ويؤرخ الباحثون عادةً لظهور الرأسمالية المصرية بعهد محمد علي، فقد تمكن من وضع البذور التاريخية للرأسمالية المصرية أثناء محاولاته تشكيل طبقة من كبار المُلاك تكون عونـًا له في حكمه، وبالفعل مثلت هذه العناصر النواة الحقيقية لتلك الرأسمالية التي بدأت تتشكل أبعادها وملامحها ابتداء من عهدي سعيد وإسماعيل[1] .
إلا أن محمد علي لم يسعَ إلى تشكيل تلك الطبقة بمحض إرادته؛ إذ اضطر في عام 1836/1837 تحت ضغوطٍ خارجية وداخلية (مثل ضغوط الأزمة النقدية وهروب الفلاحين من الأرض) إلى التخلي جزئيـًا عن سيطرته المركزية على الأرض؛ ليظهر، طبقـًا لقرار فبراير 1837[2] (ثم قرار فبراير 1842[3]    الذي أباح لحائزي تلك الأراضي حق البيع والشراء والتنازل والرهن[4])، ما يعرف بالعُهد[5]، والأبعاديات، والجفالك (أو الشفالك)[6]، التي ساهمت في تشكيل طبقةٍ من كبار المُلاك، ضمت في البداية مشايخ القرى والبدو والعربان، والموظفين المساعدين، والكتبة وأئمة المساجد[7].
ولا بدّ من القول إن تقسيم المجتمع إلى طبقات ليس هدفـًا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة تسهل تحليل الصراع الطبقي في المجتمع، وذلك لأن هيكل العلاقات الطبقية أو البنية الطبقية، يمثل السياق الذي يحدث فيه الصراع الطبقي والتغير الاجتماعي[8].
والحقائق التي تُعرف بها الطبقة تختلف من حيث طبيعتها أشد الاختلاف. وهذه الحقائق تضم الثروة والمهنة أو العمل ونوع الحياة والتربية الثقافية. والثروة والدخل قيمة مادية تتعلق بحجم ما يملكه الفرد من أصول وأموال تدر عليه عائدا دوريا منتظمـًا، وتجعله ينضم إلى طبقة معينة، وهي طبقة الأثرياء. وقد تبدو الطبقة أحيانـًا مستقلة عن الثروة ومتصلة بالمهنة أو الوظيفة، فيكون للمهنة بذلك دور في تحديد الطبقة، فيُقالُ طبقة العمال وطبقة الفلاحين.. إلخ[9].
ويلفت كثيرون الانتباه إلى اعتناء محمد علي بنشر التعليم على اختلاف درجاته، واهتمامه بتأسيس المدارس الابتدائية والتجهيزية ومؤسسات التعليم العالي - ومن ذلك مدرسة الطب في أبي زعبل ومدرسة الطب البيطري والمهندسخانة ومدرسة الألسن- وإيفاد البعثات إلى الخارج، مما أدى في نهاية الأمر إلى تكوين طبقة من المتعلمين تعليمـًا عاليـًا (الأفندية)، استعان بهم في القيام بأعمال الحكومة والعمران في البلاد. وجاء الخديو إسماعيل ليكمل البناء الذي وضع حجر أساسه[10].
ويمكن القول إن الخديو إسماعيل أقال التعليم الحديث من عثرته؛ إذ أعاد المدارس التي أغلقت بعد عصر محمد علي إلى العمل مرة ثانية، وأعاد تأليف ديوان المدارس، ووَّجه همته إلى إنشاء المدارس على اختلاف أنواعها[11]. كما أنشأ مدارس عالية كان لها الفضل في النهضة العلمية والأدبية والفكرية التي ظهرت في عصره، كما ساهمت تدريجيـًا في تغيير المستوى الطبقي والوضع الاقتصادي لعدد كبير من خريجيها. ومن هذه المدارس: مدرسة المهندسخانة التي أنشئت في العباسية عام 1866، ثم نقلت إلى الجيزة عام 1868، ومدرسة الحقوق التي أنشئت عام 1868، وكان اسمها مدرسة (الإدارة والألسن) وسميت مدرسة الحقوق منذ عام 1886، وفيها تخرج معظم رجال القانون الذين نبغوا في عصر إسماعيل والعصور التي تلته.. ومدرسة دار العلوم التي تأسست عام 1872، بهدف تخريج أساتذة اللغة العربية للمدارس الابتدائية والثانوية (أو التجهيزية)[12].
كما أنشأ إسماعيل عددًا من المدارس الصناعية أبرزها مدرسة الفنون والصنائع التي أنشئت عام 1868. وأنشأ أيضـًا عددًا كبيرًا من المدارس الابتدائية (1868- 1879) وذلك بعد أن منح إيرادات 10 آلاف فدان للمدارس، بغرض إنشاء مدرسة في كل مديرية لتعليم الأحداث القراءة والكتابة وبعض العلوم، كما تبرع لهذه المدارس بجفلك الوادي وهو عبارة عن 22 ألف فدان[13].
ولعل ميزانية التعليم هي مؤشر على اهتمام إسماعيل بالتعليم؛ إذ لم تكن تتجاوز 6000 جنيه سنويـًا، لكنها ازدادت في عصره إلى 40 ألف جنيه سنويـًا، وبلغت في أقصى مداها 75 ألف جنيه سنويـًا، لكنها عادت وتناقصت في أواخر عهده بسبب الارتباكات التالية التي سببتها قروضه فهبطت إلى 20 ألف جنيه[14].
ومن الأهمية بمكان أن نوضح أن ازدهار التعليم - إضافة إلى ظهور مطبعة بولاق عام 1820 والتوسع في كمية الكتب المطبوعة- أدى إلى ازدهار طبقة اجتماعية واقتصادية جديدة من المتعلمين هي طبقة "الأفندية"[15] التي كانت قد بدأت في الظهور منذ عصر محمد علي، وظلت تزداد شيئـًا فشيئـًا حتى محت الأرستقراطية القديمة التي كانت تضم الشراكسة والأتراك. مثلت طبقة "الأفندية" ركيزة أساسية في صناعة وتحديث المجتمع المصري، وتكونت الطبقة الجديدة من خريجي المعاهد والمدارس بمختلف أنواعها، فكان منهم المحامون والمهندسون والأطباء والصحفيون والمدرسون والموظفون والكُتاب والأدباء، وغيرهم ممن كان لهم دور أساسي وتأثير كبير على الحياة الاقتصادية والسياسية في مصر خلال القرن العشرين[16] .

(من كتابي: قصة الثروة في مصر، دار ميريت، القاهرة، 2012).


هوامش



[1] د. محمود متولي، الأصول التاريخية للرأسمالية المصرية وتطورها، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1974، ص 25.
[2] د. راشد البراوي ود. محمد حمزة عليش، التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، طـ 5، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954، ص 59.
[3] د. أحمد أحمد الحتة، تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر، ط 3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958، ص 59.
[4] د. محمود متولي، مرجع سابق، ص 43.
[5] ظهر نظام العُهد في عصر محمد علي نتيجة لعجز كثير من القرى عن دفع الضرائب، مما جعل محمد علي يصدر أمرًا في 23 مارس 1840، وفيه يُعهد بالقرى المُعْسِرة إلى كبار الضباط والموظفين الذين خدموا السلطة، على أن يدفعوا الضرائب المتأخرة، ويقوموا بتحصيلها من الفلاحين بعد ذلك حسب طاقاتهم.
[6] الجفالك: أراضٍ خصبة استولى عليها محمد علي لنفسه، أو منحها لأفراد أسرته، وهي معفاة من الضرائب، وتم استخدام السخرة فيها والعمل المأجور، ويمكن اعتبارها نواة لنشوء الملكيات الزراعية الكبيرة في مصر. انظر: د. أحمد أبو زايد، البناء السياسي في الريف المصري: تحليل لجماعات الصفوة القديمة والجديدة، دار المعارف، القاهرة، 1981، ص 255- 258.
[7] المرجع نفسه، ص 258.
[8] د. إبراهيم حسن العيسوي، نحو خريطة طبقية لمصر، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، 1989، ص 24.
[9] د. عاصم الدسوقي، كبار مُلاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري (1914- 1952)، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1973، ص 317.
[10] د. عبير حسن عبدالباقي، طبقة الأفندية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005، ص 39.
[11] عبدالرحمن الرافعي: عصر إسماعيل، جـ 1، دار المعارف، القاهرة، 1981، ص 48- 49.
[12] أمين سامي، تقويم النيل وعصر محمد علي، دار الكتب، القاهرة، 1928، ص 254- 255.
[13] المرجع نفسه، ص 21.
[14] علي مبارك، الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ج1، دار الكتب والوثائق القومية، 1970، ص 89.
[15] الأفندية (جمع أفندي): مصطلح عثماني استخدم كثيرًا في قسمات عدة ومعينة من دواخل مجتمعنا العربي، وخصوصـًا في مصر والعراق وبلاد الشام، وهي المواطن العربية التي تأثرت بالثقافة العثمانية. وأفندي: مصطلح يلقّب به من يجيد القراءة والكتابة، ويعني: السيد، الأستاذ، القارئ.. انظر: د. سيار الجميل، زعماء وأفندية: الباشوات العثمانيون والنهضويون العرب.. البنية التاريخية للعراق الحديث (الموصل نموذجـًا)، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1999، ص 30- 31.
[16] د. عبير حسن عبدالباقي، مرجع سابق، ص 35- 36.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "نواة الأفندية"

أكتب تعليقا