حذاء الزعيم

| |





لا أحد يدري سر ذلك الغرام الخفيّ بين بعض رؤساء مصر والأحذية.
غرام، له حكاياته التي يطول شرحها، لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها، لعل هناك من يقدم لنا تفسيرًا كافيـًا ووافيـًا له.
نحن نعرف – على سبيل المثال لا الحصر- أن الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان مهتمـًا بأحذيته وأنه كان يتولى مسحها وتلميعها بنفسه. بل إنه اهتم بأحذية الرؤساء، ولم يتردد في التساؤل عما إذا كانوا  يشترونها ”جاهزة أم تفصيل؟”.
حكى السفير جمال منصور للكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل قائلاً إنه التقى مبارك لأول مرة عندما كان يشغل منصب نائب الرئيس، وقد تم تكليف مبارك وقتها بنقل رسالة إلى الماريشال جوزيف بروز تيتو، رئيس يوغوسلافيا، وكان جمال منصور وقتها سفيرًا لمصر في هذه الدولة، وأنه اصطحب مبارك في نقل الرسالة إلى تيتو بصفته السفير.
عقب اللقاء مباشرة، سأل مبارك السفير منصور عن حذاء الرئيس اليوغوسلافي قائلاً: هل تعرف من أين يأتي تيتو بأحذيته؟ وأضاف أنه طوال المقابلة، لم يرفع نظره عن حذاء تيتو، وأنه يراه “بديعـًا”، وأشار إلى رغبته في معرفة هل الرئيس اليوغوسلافي يشتري أحذيته جاهزة أم أنها تفصيل؟
ثم أردف طالبـًا من السفير منصور أن يسأل أي شخص من حاشية الرئيس اليوغوسلافي من أين يشتري أحذيته، مضيفـًا: “أن الأحذية “الحلوة” هي هوايته الرئيسية” .
اتصالاً بحكايات مبارك مع الأحذية، روى هيكل ما ذكره له الزعيم الوطني فتحي رضوان أنه تلقى ذات يوم مكالمة هاتفية من رئاسة الجمهورية، يبلغه فيها أحد السكرتارية بأن مبارك يريد أن يراه ويتعرف عليه، وتم تحديد الموعد في استراحة الدخيلة. وحين وصل إلى الاستراحة عبر سيارة رئاسة الجمهورية، تم إبلاغه بأن لقاءه مع الرئيس مبارك سيتأخر ساعتين لارتباطه بلقاء مع ضيف إفريقي، لكن استمر انتظار فتحي رضوان لمدة 5 ساعات.
 يستكمل رضوان حديثه لهيكل: ”أبلغني أحد الأمناء بالرئاسة بأن الرئيس سيلتقيه في الطائرة التي تقله من مطار القاهرة إلى استراحة الدخيلة، وسيكون اللقاء لمدة ساعة على الأقل، ثم وصلت الطائرة وصعدت لأجلس في المقاعد الخلفية، فوجدت مبارك جالسـًا في المقاعد الأمامية مع ضيفه الإفريقي، وبعد ربع ساعة عاد مبارك إلى المقاعد الخلفية وجلس بجواري، معتذرًا عن التأخير، ويبرر له أن منصب الرئيس لم يغير فيه أي شيء، وقال له مبارك: ”تصدق بالله يا فتحي بيه.. أنا رئيس الجمهورية أمسح حذائي صباح كل يوم بنفسي، أجلس على الأرض، وأمسح الحذاء بالورنيش، ثم الفرشة، وبعدها قطيفة ألمعه بها”.
راح فتحي رضوان يشرح لمبارك أن رئيس الدولة لا يصح له تضييع وقته في مسح حذائه، وقال مبارك: “هذه من عوائدي كل يوم، حتى وأنا تلميذ ابتدائي، وحتى أصبحت قائدًا للطيران، ونائبـًا لرئيس الجمهورية، والآن رئيسـًا لمصر”.
وقبل أن يقول فتحي رضوان شيئـًا، جاء من يقول للرئيس مبارك إن الطائرة على وشك الهبوط في مطار القاهرة. تذكر مبارك الضيف الإفريقي، وأن عليه أن يكون معه وقت النزول، واستأذن من فتحي رضوان، قائلاً إنه سوف يطلب توصيله بالسيارة بعد الهبوط إلى بيت الرئيس لعقد جلسة حقيقية بين الرجلين، غير أن السيارة التي كانت في انتظار رضوان لم تقله إلى بيت الرئيس، وإنما إلى بيته هو!
قال رضوان لهيكل وقد استفزه ما جرى: ”هل يُعقل أن أضيع يومـًا كاملاً في السفر ذهابـًا وعودة نفس اليوم، ثم يكون لقائي مع مبارك 5 دقائق، لم أستفد منها إلا أنني علمت أنه يمسح جزمته بنفسه؟!” .
وإذا كنا نعرف أن الرئيس جمال عبدالناصر امتلك سبعة أو ثمانية أزواج أحذية وكان يحرص على استعمال اثنين منها لأنهما يريحان قدميه، فإن جانبـًا من حكاية الرئيس أنور السادات مع الأحذية يحكيه الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي يروي أنه سافر إلى روما – خلال فترة توليه منصب وزيرالأوقاف- لوضع حجر أساس مركز إسلامي، وقبل السفر طلب منه عبد العظيم أبو العطا وزير الري وتوفيق عبدالفتاح وزير التموين – آنذاك- أن يشتري لكل منهما زوجين من الأحذية “بني وأسود” فاستجاب لطلبهما.
وفي اجتماع وزاري مع الرئيس السادات بعد ذلك دخل أبو العطا والحذاء الجديد يلمع في قدميه، فسأله السادات بطريقته المعروفة: “الجزمة الشيك دي منين يا عبدالعظيم”؟. فقال: “من مولانا الشيخ الشعراوي”. وبعد دقيقة دخل توفيق عبدالفتاح، فلمح السادات حذاءه الجديد، فسأله السؤال نفسه، ورد بالاجابة نفسها. ثم دخل الشعراوي، وكان يرتدي حذاء قديمـًا، فسأله السادات: “أمال الجزمة الإيطالي فين يامولانا؟” فقال مازحـًا: “شايلها في البيت علشان المقابلات المهمة فقط”!
ولله في خلقه شؤون.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على " حذاء الزعيم"

أكتب تعليقا