"إنعامات" الباشا

| |


 
 
إذا كانت هناك مآخذ على فترة حكم الخديو إسماعيل، فإن من أبرز مزايا ذلك العصر هو الإنفاق على التعليم، الأمر الذي عزز تكوين تلك الطبقة الجديدة.

لقد أغدق الخديو إسماعيل هباته على العلم والمتعلمين، بدءًا من زيادة مرتبات تلاميذ المدارس وانتهاء بمكافأة النابهين والنابغين بالمنح والعطايا، الأمر الذي أدى إلى حدوث تغير كبير في وضع هؤلاء الأفندية ومكانتهم، حتى أصبحوا من ركائز المجتمع المصري. ونتيجة لهذه السياسة التعليمية التي ربطت بين المؤهل الدراسي، وبين تقلد الوظائف الحكومية، والحصول على امتيازاتها العديدة، وصولاً إلى درجةٍ من درجات الثراء، ازداد إقبال كل الطبقات الاجتماعية وتهافتها على تعليم أبنائها[1].

ومن أبناء فلاحين إلى تلاميذ في مدارس الباشا (محمد علي) أو الخديو (إسماعيل)، ووصولاً إلى التعيين كموظفين حكوميين أو موظفين كبار، حدثت نقلة اقتصادية واجتماعية أقرب إلى الطفرة.

دعونا لا ننسى "إنعامات" الباشا!

فعلى سبيل المثال، كان رفاعة رافع الطهطاوي من أسرة فقيرة، إلى أن أنعم عليه محمد علي ب250 فدانـًا في طهطا، ثم منحه الوالي سعيد 200 فدان أخرى، ثم أنعم عليه الخديو إسماعيل بـ 250 فدانـًا ثالثة، واشترى رفاعة 900 فدان وأقام عمائر ومباني. وفي عام 1880 كان ورثته مالكين لـ 2500 فدان[2].

أما مصطفى بهجت، وهو ابن فلاح فقير، فقد نبغ في الرياضيات والهندسة، وأسهم في وضع تصاميم القناطر الخيرية، ونال 1800 فدان منحة من محمد علي باشا، ثم جاء الخديو عباس ليمنحه 400 فدان، ليصبح ما يمتلكه 2200 فدان[3].

مصدرٌ آخر لأملاك الموظفين تمثل في الأراضي التي كانت تُمنح لهم كمعاش عند إحالتهم إلى التقاعد وفقـًا للقرار الصادر في نوفمبر 1860، والذي كان يقضي بمنح كل من يرغب من المستخدمين أطيانـًا بدلاً من معاشهم، ثم صار إعطاء الأراضي للموظفين بهذه الصفة إجباريـًا بعد ذلك، عندما صدر في يناير 1861 أمرٌ يقضي بأن من لا يوافق على أخذ الأطيان نظير معاشه يُحرَم من المعاش[4].

وفي ظل هذه الأوضاع، بدت الوظيفة طريقـًا إلى الثراء وتحسين الوضع المالي للفرد والعائلة.

وفي دراستها المهمة عن طبقة الأفندية في مصر[5]، توضح د. عبير حسن عبدالباقي أن الأفندية المصريين لم يكونوا على مستوى اقتصادي واجتماعي واحد. فقد انتمى بعضهم إلى طبقة الأعيان - التي تحوي بداخلها كبار المُلاك والتجار وعُمد ومشايخ القرى- في حين انتمى البعض الآخر إلى الطبقة الوسطى بمختلف شرائحها من موظفي الحكومة وأصحاب المهن الحرة وصغار المُلاك والتجار.

وعلى سبيل المثال، فقد كان أستاذ الجيل أحمد لطفي باشا السيد (15 يناير 1872- 5 مارس 1963) والده السيد باشا أبو علي عمدة قرية برقين - من أعمال مركز السنبلاوين- وكان يمتلك مئات الأفدنة[6]. أما المفكر والسياسي د. محمد حسين هيكل (20 أغسطس 1888- 8 ديسمبر 1956) فقد كان والده عمدة قرية كفر غنام - إحدى قرى السنبلاوين- وكذلك كان جده لأبيه. وقد أرسله والده على نفقته الخاصة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا حتى نالها عام 1912[7]. ومن أبناء تلك الطبقة أحمد فتحي زغلول (فبراير 1863- 27 مارس 1914)، الشقيق الأصغر للزعيم الوفدي سعد زغلول. وفتحي زغلول هو أصغر أبناء إبراهيم زغلول من أعيان قرية إبيانة بمديرية الغربية (سابقـًا، كفر الشيخ حاليـًا)، وقد وفر له انتماؤه إلى إحدى عائلات الأعيان المصرية استقرارًا ماديـًا ساعده على دراسة القانون في أوروبا، كما عُيِنَ في القضاء وتدرج في مناصبه حتى أصبح رئيسـًا لمحكمة مصر. واستثمر فتحي زغلول الفائض لديه في شراء الأراضي حتى بلغت ممتلكاته عام 1902 نحو 312 فدانـًا[8].

ومن الأفندية الذين انتموا إلى الطبقة الوسطى، محمد علي علوبة "باشا" (1875 - 1956). وهو عالم بالحقوق، من رجال السياسة المصرية. ولد في أسيوط وتخرج في مدرسة الألسن بالقاهرة (1899)، واحترف المحاماة. كان والد محمد علي علوبة ممن شغلوا وظائف حكومية مختلفة، حتى صار رئيسـًا لكتاب مديرية المنيا، ثم رئيسـًا لكتاب مجلس استئناف وجه قبلي، إلى أن ترك خدمة الحكومة وعمل في الأعمال الحرة ليصبح من أعيان بندر أسيوط، ومن أعضاء مجالسها المحلية والحسبية وأنعم عليه بالرتبة الثالثة. توفي الأب عام 1907 وهو مدين، تاركـًا محمد علي علوبة غارقـًا في الدين، فبادر إلى تسديد تلك الديون مما باعه من أملاك والده[9]. كان ذلك قبل أن يصبح الابن أحد مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين، ويُعيَن وزيرًا للأوقاف المصرية، ثم وزيرًا للمعارف، فالأشغال، وكان أول من عُين سفيرًا لمصر في باكستان بعد انفصالها عن الهند عام 1947.

مثال آخر هو مكرم عبيد (25 أكتوبر 1889- 5 يونيو 1961) الذي شغل منصب سكرتير حزب الوفد. كان والده يمتلك 30 فدانـًا فقط، ثم تحول إلى مجال المقاولات فجمع ثروة كبيرة وامتلك 900 فدان من أراضي الدائرة السنية، فأرسل مكرم إلى لندن وباريس على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه[10].

وهناك عددٌ كبير من الأفندية ممن انتموا إلى الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، مثل الزعيم الوطني مصطفى كامل (14 أغسطس 1874- فبراير 1908) الذي وُلِدَ ونشأ في حي الصليبة بقسم الخليفة في القاهرة، وكان والده علي أفندي محمد ضابطـًا ومهندسـًا[11]. وتضم القائمة أيضـًا الزعيم الوفدي مصطفى النحاس (1879- 1965) وكان ابن تاجر أخشاب متوسط الثراء في سمنود بالغربية[12]. أما الاقتصادي المعروف طلعت حرب (25 نوفمبر 1867- 13 أغسطس 1941) فقد كان ابنـًا لعائلة من الريف لا تمتلك إلا مساحة محدودة من الأرض، وآلت إليه ملكية فدان واحد في قريته ميت أبو علي بمحافظة الشرقية، مما اضطره إلى الهجرة إلى القاهرة والعمل بمصلحة السكة الحديد، قبل أن تتغير أحواله ويصبح مؤسس بنك مصر، وعضو مجلس إدارة البنك العقاري المصري، ومطبعة مصر. وبسبب بعض الديون تم بيع جزء من الأرض التي كان يملكها للوفاء بها[13].

(من كتابي: قصة الثروة في مصر، دار ميريت، القاهرة، 2012).


هوامش

[1] المرجع نفسه، ص 62.
[2] د. رفعت السعيد، الأساس الاجتماعي للثورة العرابية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1966، ص 21.
[3] د. رفعت السعيد، التنوير عبر ثقب إبرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000، ص 22.
[4] د. رؤوف عباس حامد، النظام الاجتماعي في مصر في ظل الملكيات الزراعية الكبيرة (1837- 1914)، دار الفكر الحديث، القاهرة، 1973، ص 85.
[5] د. عبير حسن عبدالباقي، مرجع سابق.
[6] أحمد لطفي السيد، قصة حياتي، كتاب الهلال، مايو 1982، القاهرة، ص 17- 18.
[7] د. محمد حسين هيكل، مذكرات في السياسة المصرية،  جـ 1، دار المعارف، القاهرة، 1990، ص 21.
 [8] أحمد زكريا الشلق، رؤية في تحديث الفكر المصري: أحمد فتحي زغلول وقضية التغريب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987، ص 11- 14.
 [9] محمد علي علوبة، ذكريات اجتماعية وسياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988، ص 35- 59.
[10] د. مصطفى الفقي، الأقباط في السياسة المصرية، مكرم عبيد، ودوره في الحركة الوطنية، دار الشروق، القاهرة، 1985، ص 45- 47.
[11] عبدالرحمن الرافعي، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية، دار المعارف، القاهرة، 1984، ص 12- 13.
[12] د. عبدالعظيم رمضان، تطور الحركة الوطنية في مصر (1918- 1936)، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1983، ص 642.
[13] أماني محمد كمال الدين، دور نقابة المحامين في السياسة المصرية (1912- 1954)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1991، ص 90.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على ""إنعامات" الباشا"

أكتب تعليقا