أراكم في نيويورك!

| |




في صيف ٢٠٠٩، أطلقت القوات الأميركية سراح أبو بكر البغدادي، لأسباب مازالت مجهولة حتى الآن، من معتقل بوكا جنوب العراق، لكن البغدادي لدى مغادرته السجن، التفت إلى الجنرال الأميركي الذي صاحبه إلى باب الخروج، ثم إلى الجنود الأميركيين المتراصين، وقال: أراكم في نيويورك يا شباب.
الحكاية التي نقلتها "ديلي بيست" الأميركية عن الجنرال كينيث كينغ، لا تكشف لماذا أطلقت واشنطن سراح البغدادي الذي كان معتقلاً ما بين عامي ٢٠٠٥، و٢٠٠٩، بيد القوات الأميركية، كما لا تكشف عن كيفية صعوده ليصبح زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بهذه السرعة، وكيف اجتاح مسلحوه العراق كالسيل.
في تحول لاحق، قرر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" إلغاء التعامل باسمه المذكور، وأعلن "قيام الخلافة الإسلامية"؛ إذ أشار المتحدث باسمها أبو محمد العدناني في تسجيل صوتي إلى أن الدولة الإسلامية "ممثلة بأهل الحل والعقد فيها من الأعيان والقادة والأمراء ومجلس الشورى قررت إعلان قيام الخلافة الإسلامية وتنصيب خليفة دولة المسلمين ومبايعة الشيخ المجاهد أبو بكر البغدادي، فقبل البيعة وصار بذلك إمامـًا وخليفة للمسلمين في كل مكان".
هكذا أعلن إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي نفسه "أميرًا" على المسلمين (1 رمضان 1435هـ). لم ينتظر تلميذ أبي مصعب الزرقاوي (قُتِل 2006) إلى الأول من شوال؛ لأنه محجوز لتأسيس حدثٍ آخر "جماعة الإخوان المسلمين"، ولم ينتظر المولد النبوي فهو من البدع في عقيدته، إضافة إلى أن المناسبة محجوزة أيضـًا لأمر آخر: ميلاد "الدعوة الإسلامية"، فالمتأخرون جعلوا تأسيس حزبهم يومـًا مباركـًا، وهذا أول رمضان قد حُجز لبيعة السامرائي مولدًا والحسيني القرشي نسبـًا والبغدادي علمـًا. هكذا ورد نسبه في بيان البيعة تقليدًا لمراسم بيعات الخلفاء الأقدمين. على أن كتابـًا صدر في (رمضان 1434هـ) بعنوان "مد الأيادي لبيعة البغدادي"، لأبي همام الأثري، سمّى فيه السامرائي مسبقـًا بأمير المؤمنين[1].
في بيان إعلان الخلافة، كان العدناني يستحضر في نبرته ما يُقدم في المسلسلات التاريخية، آمرًا المسلمين بالمبايعة وغير المسلمين بالخضوع، وإلا لا عصمة للدماء؛ لأن الله أمر عبده أبا بكر البغدادي بإعلان خلافته، فاعتبرت البيعة فرض كفاية.
"إنه وعد الله"، هكذا قالها العدناني، تُضرب به أعناق مدعي الخلافة. كان الخليفة المبايع سجينـًا في "بوكا"، ولا نعلم هل كان من الهاربين أم أن الأميركيين أطلقوا سراحه تمهيدًا لخلافته؟ ونجد البيان تقيد بـ"الأئمة من قريش"، لكن المشكلة تظل قائمة مع النسب؛ إذ كيف للمبايعين معرفة الأصل، والسجل المدني أو "دفتر النفوس" غير معلن ولا يَعترف الخليفة به لأنه دفتر "دولة ضلالة"، وإذا أُعلن لا يسجل فيه سوى الاسم الثلاثي واللقب، وهذه حَيرة ستواجه المبايعين.
السؤال هو: هل سيكون البغدادي ضمن سلسلة خلفاء الإسلام كافة، أم سادسَ الراشدين؟ على أن عمر بن عبدالعزيز (ت 101هـ) خامسهم، بما قاله سفيان الثوري (ت 161هـ): "الخلفاء خمسة؛ ‏أبو بكر ‏وعمر ‏وعثمان ‏وعلي ‏وعمر بن عبدالعزيز" (سنن أبي داود).
فهمنا من الإعلان أن أمير العصر لا يعترف إلا بالخلفاء الأربعة الراشدين، فمن سيباركه ويجعله خامسـًا؟ وإذا كان مكملاً لسلسلة الأمويين (14 أميرًا) والعباسيين (37 أميرًا)، فأولئك في عهودهم زهت دمشق وبغداد بالدنيا والدين معـًا، انفتحوا على الفلسفة والعلم والأدب والموسيقى، حتى إن بعضهم كان يجيد التلحين. وحاشا للخليفة أبو بكر البغدادي أن يكون مثل أسلافه!
وإذا أريد للخليفة أبو بكر البغدادي أن يكون مرتبطـًا بآخر عثماني، فأولئك ليسوا من قريش، إنما ادعوا أنها أتتهم شرعـًا من العباسيين، بعد استيلاء سليم الأول على مصر (1517م)، وأجبر المتوكل على التنازل (آداموف، ولاية البصرة). لا نعلم هل حسب حساب البردة والعصا التي ادعى العثمانيون أنها سلمت إليهم؟ كي يتسلمها عن آخر وريث؟ كيف سيعمل الخليفة للحفاظ على الخلافة "حتى تُسلم لعيسى بن مريم"، حسب نص البيان. فالمبايعون يحتاجون إلى هذه الإجابات قبل التورط ببيعة في أعناقهم.
بل إن هناك من تساءل: ماذا سيفعل الخليفة البغدادي مع "بوكو حرام" النيجيرية التي أعلنت في أغسطس 2014 قيام الخلافة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها والتي استولت عليها عبر عمليات العنف والإرهاب التي تتبناها الجماعة كوسيلة لتحقيق أهدافها؟
لقد كان التمييز بين "الخلافة" و"المُلك" حاضرًا بوضوح في عقول الصحابة رضي الله عنهم، فسلمان الفارسي عندما سأله عمر: أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟ أجابه قائلاً:" إن أنت جَبَيْت من أرض المسلمين درهمـًا أو أقلَّ أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة"، وقال له صحابي آخر: "يا أمير المؤمنين! إنَّ بينهما فرقـًا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقـًا، ولا يضعه إلا في حق. وأنت بحمد الله كذلك. والمَلِك يعْسِف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا"، ودخل سعد بن مالك على معاوية بن أبي سفيان فحياه قائلاً: "السلام عليك أيها المَلِك، فغضِب معاوية فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال سعد: ذاك إن كنا أمَّرناك، إنما أنت مُنتَز" (أي توليت الحكم بغير رضا الناس).
وبذلك يظهر أن اسم "الخلافة" يشتمل على معاني احترام حقوق الإنسان، واحترام المال العام، والتصدي للحُكم باختيار حر من الناس، وعلى أضداد هذه المعاني يشتمل مفهوما "الملك العاض والجبري" من نهب للمال العام والتلاعب به واحتكار للثروة، وانتهاك لحقوق الإنسان، واستبداد ومصادرة لحق الناس في اختيار من يحكمهم، وإلى معاني التمييز بين "الخلافة" و"الملك" نظر حديث د. محمد عابد الجابري عن "حقائق حول الخلافة في الإسلام"، فذكر منها "والحقيقة الخامسة أن لقب "الخليفة" كان مرتبطـًا بالبيعة بعد الشورى، أي مرهونـًا باختيار كبار القوم (أهل الحل والعقد)، وهذا لم يكن ينطبق إلا على الأربعة الأُوَل"، وحديثه أيضـًا عما أصاب "العقل السياسي العربي" ابتداءً من الدولة الأموية مرورًا بالعصر العباسي وصولاً إلى واقعنا السياسي المعاصر من أزمات جعلت ذلك العقل مُنحبسـًا في ثُلاثية: أيديولوجيا الجبر الأموي، وأيديولوجيا التكفير الخارجي، وميثولوجيا الإمامة الشيعية[2].



[1] رشيد الخيـّون، إعلان دولة الخلافة..'متاهة الحماقة'!، موقع "ميدل ايست أونلاين" الإلكتروني، 9 يوليو 2014.
http://www.middle-east-online.com/?id=180141
[2] د. محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص 310.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "أراكم في نيويورك!"

أكتب تعليقا