فتح "حصالة" المصريين

| |




 
هذه الطوابير الطويلة وتلك الجموع الغفيرة أمام البنوك التي تسابقت خلال أسبوع واحد من سبتمبر  2014 للحصول على شهادات الاستثمار في قناة السويس الجديدة هي لغز مصري بامتياز.

القناة الجديدة فتحت "حصالة" المصريين.

أكثر من 60 مليار جنيه ظهرت فجأة من مخابئها، وتدفقت على أماكن بيع شهادات الاستثمار. هل هي شهادة "أخرى" على أننا أمام بلد فقير وشعب غني، كما كانت عليه الحال في بلدٍ مثل البرازيل (قبل الطفرة الاقتصادية الأخيرة)؟ أم أنها دليلٌ على شعبية القيادة السياسية؟ هل هي محاولة للفوز بسعر فائدة أعلى "12%" يتفوق على ما تقدمه البنوك المصرية بفارق كبير؟ أم أنها مغامرة لشراء أسماك ما زالت في البحر؟

هذه الأسئلة وغيرها قفزت إلى الأذهان، في محاولة لتفسير سر الإقبال الهائل على شهادات الاستثمار، رغم بعض التخوفات والمحاذير المعتادة لدى المصري بشأن المال والاستثمار فيه، خصوصـًا بعد تجربة مريرة مع ما يُسمّى "شركات توظيف المال" خلال ثمانينيات القرن العشرين، ورغم حدوث عراقيل كان متوقعـًا أن تبطئ هذا التدفق، مثل انقطاع التيار الكهربائي في اليوم الأول لبدء توزيع تلك الشهادات، وما استتبع ذلك من خلل في خدمات الاتصالات وأجهزة الكمبيوتر في البنوك.

المصريون اتحدوا، وتحدوا، وقرروا أن يُخرجوا أموالهم، واستثمار مدخراتهم في المشروع القومي الكبير.. ولهذا أسباب نحاول إلقاء مزيد من الضوء عليها في السطور التالية.


"1"
الأمل في المستقبل

يبحث المصريون عن ضوء في نهاية النفق، ينتظرون أي بارقة أمل، كي يتعلقوا بها، وتتحرك قاطرة التنمية.

 الحديث الآن يدور حول المشروعات القومية لرسم معالم مستقبل أفضل.

صحيح أن مصر ليست حديثة عهد بالمشروعات القومية، وتجاربها في هذا الصدد شديدة التباين، فمنها ما نجح كالسد العالي، ومنها ما تعثر مثل توشكى، والذي لم يحقق المستهدف منه باستصلاح ٦٠٠ ألف فدان على الرغم من مرور ١٧ عامـًا على تدشين المشروع، لكن الناس شعروا بأن مشروع قناة السويس الجديدة قادر على الاستفادة من تجارب الماضي كي يسهم في العبور بنا نحو المستقبل. السبب في ذلك هو وجود قدر أكبر من الشفافية والمعلومات حول المشروع، ما قلل من حسابات المخاطر لدى العامة وأزال الغموض حول العائد المتوقع من المشروع.

منذ اللحظة الأولى سعت القيادة السياسية لإحياء الشعور العام بأن "قناة السويس الجديدة" هي مشروع المستقبل، وأن المصريين هم الذين سيتولون تمويله. لعلنا نتذكر كلمات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في الندوة التثقيفية الـ١٣، التي نظمتها القوات المسلحة تحت عنوان "مصر والانطلاق نحو المستقبل"، حين قال نصـًا: "إن قناة السويس الجديدة جزء من الرؤية الاستراتيجية للمشروع، الذي يضم قاعدة صناعية متكاملة على غرار عديد من الدول، التي تمتلك ممرات مائية مشابهة، وحققت إضافة كبيرة إلى ناتجها القومي".

وأضاف السيسي أن "مصر حاربت وحققت الجلاء للاستعمار بعد نضال طويل من أجل استقلالها، ونحن الآن نناضل من أجل هزيمة الفقر وتحقيق الرخاء للشعب، ويجب أن نسابق الزمن من أجل تحقيق هذا الحلم وبذل المزيد من الجهد والعرق من أجل مستقبل الأجيال القادمة".

حديث الأمل، له مفعول السحر، خصوصـًا بالنسبة إلى البسطاء.

زيادة الإقبال الشعبي على شراء شهادات استثمار قناة السويس أدى إلى اختفاء السوق الموازية للدولار، أو ما يوصف بـ"السوق السوداء"، ولو إلى حين. كان هذا خبرًا جيدًا في نهاية المطاف.

وإذا كانت المشروعات القومية الكبرى تتسم عادة بميزانية تطويرها الضخمة، ما يجعل من الصعب تمويلها من داخل موازنة الحكومة التي تعاني عجزًا متصاعدًا منذ ثورة 25 يناير، ما يدفع إلى تمويلها خارج الموازنة، فإن المخرج تمثل هذه المرة في طرح شهادات استثمار قناة السويس الجديدة التي سعت لجمع ٦٠ مليار جنيه.

على الرغم من أن هذا الرقم يمثل نحو  ٣٪ من إجمالي أصول القطاع المصرفي، فإنه بعد الأخذ في الاعتبار ما تم توظيفه بالفعل في السندات الحكومية وتمويل العملاء، فإن الشهادات المطروحة تمثل نحو  ١٤٪ من صافي الأصول غير المستغلة، ما يشير إلى الحجم النسبي الكبير لهذا المشروع الواعد، والذي يأتي كطليعة لموجة من المشروعات القومية التي تعطيها حكومة إبراهيم محلب أولوية قصوى.


"2"
مباركة دينية

دعونا لا نغفل العامل الديني.

نحن هنا أمام حالة "باركت" فيها المؤسسة الدينية الرسمية مثل هذا الاستثمار، وحثت المصريين على المشاركة فيه، بل إنها قررت تقديم قدوة ومثال يُحتذى.

فقد قالت دار الإفتاء إنه يجوز التعامل بشهادات الاستثمار الخاصة بتمويل مشروع قناة السويس الجديدة، حيث إنها "عقد تمويلٍ بين المشتركين والدولة، ولا تُعد بحال من الأحوال قرضـًا"، موضحة أن "عقود التمويل الاستثمارية بين البنوك أو الهيئات أو الجمعيات العامة من جهةٍ وبين الأفراد أو المؤسسات والشركات مِن جهةٍ أخرى هي في الحقيقة عقودٌ جديدةٌ تحقق مصالح أطرافها".

أضافت الدار في فتوى لها: "يجب أن نلفت نظر الناس إلى أن الاعتراض على هذا العقد بأن فيه غررًا أو ضررًا أو رِبـًا ليس بصحيح؛ لأن الواقع المَعيش قد تغَيّر بمجموعة من العلوم الضابطة، كدراسات الجدوى وبحوث العمليات والإحصاء والمحاسبة"، مؤكدة أن "الأرباح المقدمة على هذه الشهادات إنما هي لتشجيع الأفراد على الاكتتاب، حتى يُمكِن للدولة مواجهةُ التحديات وحل الصعاب ودرء العقبات، ودفع عجلة التنمية المستدامة بأسلوب حكيم".

وناشدت الدار المواطنين أن "يرجعوا إلى الجهات المتخصصة المشهود لها عبر العصور بالوسطية في بيان الأحكام الشرعية، متمثلة في الأزهر الشريف ودار الإفتاء، وأن لا يأخذوا فتاواهم من غير المتخصصين والذين لا يجدون أنفسهم إلا في دائرة التحريم لكل شيء، وهم لا يدرون أنهم بذلك يصدون عن دين الله، ويجعلونه عرضة للوصف بأنه غير صالح لكل زمان".

في السياق نفسه، قال د. محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، إن قيام أحد الصناديق التابعة للعاملين بالأزهر الشريف باتخاذ قرار بشراء شهادات استثمار في مشروع قناة السويس بمبلغ ٢٥٠ مليون جنيه، ثم قيام أحد الصناديق التابعة للعاملين بالأوقاف باتخاذ قرار بشراء شهادات أخرى في المشروع بمبلغ ٤٠٠ مليون جنيه، يأتي بعد دعوة دعوة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، المصريين للإسهام في شراء الشهادات، وصدور بيانين عن دار الإفتاء ووزارة الأوقاف بمشروعية شراء هذه الشهادات؛ لأن المشروع يعود نفعه على الوطن كله، ويتجاوزه إلى ما فيه مصلحة الإنسانية.


"3"
سعر الفائدة

هناك بالطبع سعر الفائدة الذي يتجاوز مثيله في البنوك.

تداول المصريون في تلك الفترة نكتة تقول إنه لو وجد المصريون سعر فائدة أعلى لمشروع ردم قناة السويس الأصلية، لسحبوا شهادات الاستثمار من مشروع القناة الجديدة؛ ليكتتبوا في ردم قناة السويس!

12% رقم مغر للمشاركة بشراء شهادات استثمار القناة الجديدة، يضاف إلى ذلك أن التسهيلات التي تجذب المشترين مكتملة الأركان.

يكفي أن نشير إلى هذه الشهادات بضمان البنك المركزي والبنوك العاملة، وأن البنوك المصدرة للشهادة هي: "الأهلي المصري ومصر والقاهرة وقناة السويس"، ومتاح للبنوك الأخرى المشاركة من خلال اتفاقات توقعها مع البنوك المصدرة للشهادة.

وقد جاء إعلان البنك المركزي لنصيب الأموال من غير الودائع في حصيلة شهادات القناة، التي بلغت ٢٧ مليار جنيه من إجمالي ٦٤ مليارًا، دليلاً إضافيـًا على نجاح الرهان المحسوب للنخبة المالية، والتي نجحت في جذب مدخرات ضخمة نسبيـًا من خارج القطاع المصرفي. كما كان قرار المركزي عدم السماح للبنوك بشراء شهادات القناة في محله؛ لتجنب ما قد يولده هذا القرار من آثار على سعر الفائدة على السندات والأذون الحكومية، وبالتالي تكلفة تمويل الدين العام.

فكرة أن الشهادة مطروحة للمصريين فقط، للمساهمة في حفر الطرق والأنفاق المصاحبة للمشروع، شيء جذاب في حد ذاته، ويدغدغ المشاعر الوطنية لدى كثيرين. غير أن الأهم بلغة الأرقام هو أن شهادات الاستثمار هذه ذات فائدة تراكمية، ويمكن لطلبة المدارس المشاركة في الشهادة ذات الـ١٠ جنيهات، وسيتم احتساب العائد على الشهادة من اليوم التالي لشرائها، وتبلغ مدتها ٥ سنوات. أما الشهادات فئة الألف جنيه ومضاعفاتها فسيكون عائدها كل ٣ أشهر.

يمكن أن نضيف إلى ذلك أن عمر الشهادات يتناسب وعمر الأعمال في مشروع القناة. وربما يُحسب للجهات المسؤولة عن المشروع اختيار إصدار شهادات استثمار للتمويل، بما يُجنب المواطنين ذكريات اقتصادية سيئة تمت في عهد حكومات ما قبل ثورة 25 يناير والتي ما زالت محل تحقيقات حتى الآن. ونحن نعرف ما كان يُسمى بـ"الملكية العائلية" لأسهم شركات ومؤسسات تمويلية نتج عنها فساد مالي ومضاربات، رغم أن القوانين كانت تنص على عددٍ معين من الأسهم للمواطن.

بقي الآن التحدي الأصعب، وهو لا يقتصر على إنجاز مشروع القناة الجديدة وفق جدول زمني يبدو ضيقـًا إلى حد كبير (عام واحد)، وإنما يمتد ليشمل سداد قيمة شهادات الاستثمار والفوائد المترتبة عليها بانتظام، تأكيدًا للثقة التي أولاها المساهمون من المواطنين في قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها أولاً بأول.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "فتح "حصالة" المصريين"

أكتب تعليقا