ارحل

| |




"إن مجرد التطلع إلى الديمقراطية وطرد نظام شمولي لا يكفي لإقرار الديمقراطية، هناك في مصر قوى ظلامية تسعى للاستفادة من حالة الاضطراب الحالية، لفرض أفكار تعود لعصر آخر، وإعادة البلاد قرونـًا إلى الوراء، ولا أرى لماذا يجد هذا الشعب المتحضر نفسه مضطرًا للاختيار بين الديكتاتورية البوليسية والديكتاتورية الدينية، فهناك طريق ثالث هو الديمقراطية. إن الطريق إلى الديمقراطية طويل ومحفوف بمخاطر عديدة، ولكنني على قناعة بأنه لا يوجد طريق آخر يصل بنا إلى السلام والرخاء والكرامة"[1]

 

صوت الشارع أهم وأكثر بلاغة من صوت القصر.

ففي الشارع يتحرك المواطنون ويتفاعلون مع المتغيرات والمؤثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة، كي يشكلوا مادة الحاضر الذي يعيشونه والتاريخ الذي نحن بصدد تشكيله.

وفي عهد محمد مرسي، سمعنا كلمة "لا"، وفعل الرفض والاحتجاج بمختلف الصور والأساليب الممكنة على جماعة سيطر عليها فكر الإقصاء والتعالي على كل من لا ينتمي لها ولفكرها، فلم يصدق المنتمون إليها أنهم يصنعون نهايتهم في مصر إلا بعد خروج المصريين عليهم في 30 يونيو2013 رافضين أكاذيبهم وتصريحاتهم المكفرة لهذا الفصيل أو المخونة لذاك الآخر، ومحتجين على رغبتهم المحمومة في التمكين والسيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها بلا كفاءة ولا رؤية.

انطفأت فكرتهم في غضون أقل من عام، تقلدوا فيه السلطة في مصر رغم سنوات جماعتهم التي تجاوزت الثمانين عامـًا، وفقدوا التعاطف مع أفعالهم التي تناقضت مع أقوالهم بعد أن باتوا على سدة الحكم ورأى الناس منهم تناقضات فظة بين الفكرة والممارسة[2].

في 30 يونيو، أطلق الشعب المصري ثورة جديدة لتصحيح مسار ثورة 25 يناير، ودوّت في ميادين القاهرة والمحافظات هتافات موحدة لملايين المتظاهرين، تطالب بإسقاط نظام الرئيس محمد مرسي، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. على وقع هتاف "ارحل"، خرج هؤلاء المتظاهرون حاملين في قلوبهم حلم الخلاص، وسط أجواء اقتتال تفوح برائحة الدم، سبقتها عمليات شحن منظمة، وتهديدات بالسحق للمعارضين واتهامات بالكفر والخيانة. وبين هذا وذاك بقيت مصر.. وبقيت الثورة.. وسط يقين بأن للثورة شعب يحميها.

لم يكن البيان الذي صدر عن القوات المسلحة يوم الأحد 23 يونيو وأمهل القوى السياسية في مصر أسبوعـًا للخروج من المأزق السياسي، واللغة الدقيقة للغاية التي كُتِبَ بها، إلا رسالة من المؤسسة العسكرية بأنها قررت أن تصبح حامي الشعب لا ذراع السلطة في احتجاجات 30 يونيو وما بعدها.

لكن خطاب مرسي الذي ألقاه يوم الأربعاء 26 يونيو، وخروجه عن النص المكتوب عدة مرات، وعدم تقديمه أي مخرج ذي قيمة للأزمة القائمة في البلاد، كان يعني أن تقديرات الموقف لديه كانت غير صائبة وقراءته لبيان الجيش الأول كانت خاطئة. فقد امتلأ الخطاب بالوعيد والتهديد للمعارضة أكثر من الوعد للأنصار، والغاية من التهديد إظهار صورة الرجل القوي، الذي لا يتزحزح، والذي لا يمكن خلعه أو إقالته. وخلا الخطاب من المصالحة الوطنية الجادة إلا من تشكيل لجنة تقوم بهذا الغرض دون معرفة شروط الحوار وبرنامجه وسقفه[3].

ولا يحتاج المرء جهدًا كبيرًا ليستنتج أن الفعاليات التي شهدها الشارع المصري منذ يوم 28 يونيو والحالة التي كانت عليها ميادين مصر منذ الساعات الأولى من يوم 30 يونيو، أكدت للنظام الحاكم والتيار الإسلامي أن الوضع متأزم للغاية، وأن الأمور قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه. بل إن متابعة تصريحات بعض المتحدثين الرسميين باسم حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين على شاشات الفضائيات أشارت بوضوح إلى أن النظام أخذ يتلفت بحثـًا عن مخرج من المأزق وأنه بدا أكثر استعدادًا لقبول بعض الأفكار أو المبادرات لنزع فتيل التوتر بما يحفظ له ماء الوجه.

من المبادرات التي كانت متداولة – على سبيل المثال لا الحصر- فكرة توفيقية وتصالحية لحل أزمة الانقسام السياسي، تقوم على ركيزتين أساسيتين، هما إجراء الانتخابات البرلمانية والاستفتاء بعد ذلك على بقاء محمد مرسي في منصبه. وهي بهذه الصيغة تستجيب لحرص مرسي على انتخاب مجلس تشريعي وتشكيل حكومة جديدة تعكس الخارطة التي تسفر عنها الانتخابات، وفي الوقت نفسه فإنها تلبي مطلب حملة "تمرد" الذي تبنته أحزاب المعارضة لاحقـًا لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة[4].

غير أن الرئيس السابق مرسي تأخر كثيرًا في الإنصات إلى صوت الشارع.

طوال عام كامل، دارت الأحداث مثل إطارات عملاقة تدوس معظم التفاصيل، يحيث يتعذر ملاحقة كل ما يحدث، خاصة في ظل غياب المعلومات الدقيقة، أو استكمال المعلومات، نظرًا لتدفقها بشكل متوحش وقاسٍ.

بطء اتخاذ القرار في مؤسسة الرئاسة، وإصرار الرئيس على العناد وتجاهل الحقائق وإنكار ما هو معلوم، أدى إلى تفاقم الأزمة، حتى كان ما كان.
 
من كتابي: رئيس الفرص الضائعة.. مرسي بين مصر والجماعة، دار اكتب، القاهرة، 2013




[1] روبير سوليه، سقوط الفرعون: ثمانية عشر يومـًا غيرت وجه مصر، ت: د. ناهد الطناني، دار الطناني للنشر، القاهرة، 2012، ص 8.
[2] د. عمار علي حسن، انتحار الإخوان: انطفاء الفكرة وسقوط الأخلاق وتصدع التنظيم، دار نهضة مصر، القاهرة، 2013.
[3] د. حسن حنفي، خطاب الوعد والوعيد، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 4 يوليو 2013.
[4] فهمي هويدي، ذكر بعض ما جرى، جريدة "الشروق"، القاهرة، 3 يوليو 2013.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ارحل"

أكتب تعليقا