حكاية الصخرة التي سوف تسقط

| |






تقع الكوارث وتتكرر الأزمات، فيتلفت الجميع حولهم في وجل ويبحثون عن الدولة وأجهزتها المختلفة، فلا يجدون عادة إلا الصدى والفراغ.

هذه هي حكاية كل أزمة مرت على مصر طوال عقودٍ طويلة مضت.

الشلل الذي يصيب أطراف الأجهزة والمؤسسات عادةً ويؤثرَّ فـي وظائفها الحيوية، يعود فـي القسم الأكبر منه إلى تحالفٍ سري بين الإهمال والفساد.

والفساد والإهمال من أبناء العمومة.. وبينهما صلة رحم.

فـي 6 سبتمبر 2008 وقعت كارثة انهيار صخرة المقطم على سكان الدويقة العشوائية، وانهارت صخور يصل وزنها إلى ‏أربعة‏ آلاف طن، لتؤدي إلى مقتل العشرات وإصابة وتشريد المئات.

بدا المسؤولون فـي حالة صدمة وأصيبت الأجهزة المعنية بالشلل، على الرغم من أن حادث الدويقة لم يكن الأول فـي سلسلة انهيارات بعض صخور المقطم على بعض سكان المنطقة‏، فقد سبق وأنذر الجبل بغضبه هؤلاء عندما سقطت صخوره فوق عزبة الزبالين عام‏ 1993‏.

وزير الداخلية، حبيب العادلي، أخفق بدوره فـي معالجة آثار كارثة الدويقة، وتعامل رجاله بصلف وعجرفة وعنف مع الأهالي المنكوبين. لقد فشل جهاز الدفاع المدني فـي إنقاذ الأحياء تحت الأنقاض، وعجز عن انتشال جثث الضحايا. ولم يكن أمام الدولة سوى اللجوء إلى الجيش ومعدات شركة المقاولين العرب، الأمر الذي أبرز الفشل الذريع للأجهزة المدنية فـي القيام بدورها.

محافظ‏ القاهرة، د. عبدالعظيم وزير، قال: القدر سبقنا بخطوة!

وبالحرف الواحد قال محافظ القاهرة مبررًا الكارثة: "للأسف أيام وزير الإسكان السابق الدكتور محمد سليمان،‏ كان يتم تجنيب واستبعاد المحافظة عن تسليم هذه المساكن،‏ بسبب الخلاف بينه وبين المحافظ السابق الدكتور عبدالرحيم شحاتة،‏ حتى عندما جئت محافظـًا للقاهرة كنت أجلس مثل بقية الضيوف،‏ ولكن وزير الإسكان الحالي أبلغني قبل أسبوع من الكارثة أنه سيتم تسليم الشقق الجاهزة حاليـًا لتقوم المحافظة بتوزيعها وقال إنه سيسلمني أربعة‏ آلاف شقة خلال الشهور القليلة المقبلة".

كلام المحافظ يجعلنا نظن أن الضحايا كانوا فـي عجلةٍ من أمرهم، ولو أنهم صبروا قليلاً ولم يندفعوا إلى الموت، لكانوا الآن آمنين فـي شقق جديدة.

من جهته، أعلن نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية د. مختار الحملاوي على صفحات مجلة "روزاليوسف" أن الأهالي وقعوا أمام النيابة عن تحملهم مسؤولية الإقامة فـي هذه المباني، وأن المحافظة حاولت أن تقنعهم بالخروج، لكنهم أصروا، وقال إن خمسة من ضحايا الكارثة من بين الموقعين.

هكذا ببساطة صارت المحافظة بريئة من دم الضحايا.

أما القناتان الرئيسيتان فـي التليفزيون المصري الأولى والثانية، فقد استقبلتا حادث انهيار صخور المقطم على سكان منطقة الدويقة، بطريقة غريبة تقترب من التجاهل والتهميش، فلم تقطع القناتان إرسالهما لإذاعة الخبر أو رصد الكارثة، واكتفتا بنشره على شريط الأخبار، وهو ما أرجعه بعض العاملين فـي التليفزيون إلى حجز الإعلانات، والخسائر المادية التي يمكن أن تلحق بالقناتين فـي حال قطع البرامج والمسلسلات لإذاعة مثل هذا الخبر.

من جانبها أكدت سوزان حسن، رئيسة التليفزيون آنذاك، أن تغطية التليفزيون للحادث كانت جيدة، وقالت: القناتان الأولى والثانية ليستا قنوات أخبار، والخدمة الإخبارية يتم تقديمها فـي قناة النيل للأخبار وبرنامج "البيت بيتك" وشريط الأخبار، وأضافت: "مش لازم نقطع الإرسال وننكد ع الناس لمجرد تقديم خدمة إخبارية، وكمان ما كنش فيه جديد على مدار اليوم يستدعي قطع الإرسال، ومش معنى إن فيه حادثة فـي مكان يبقى البلد كله يعيش فـي الواقعة من خلال القناتين الأولى والثانية؛ لأن شكل الإعلام اتغير وأصبح لكل قناة اختصاصها، وهذا الجزء من اختصاص قناة النيل للأخبار".

فتأملوا!

ترى، كيف سيكون رد فعلك إن كنت من أهالي المنطقة المنكوبة، وسمعت أحدًا يقول إن افتقاد غالبية سكان الدويقة ثقافة استخدام الحمامات، يعد أهم أسباب هذا الانهيار الصخري!

هذه النتيجة استخلصها مصدر مسؤول بوزارة الإسكان، قال إن "السلوكيات الخاطئة وسوء التعامل مع دورات المياه بين الكثير من مواطني المنطقة المنكوبة، تسبب فـي (تلف مواسير الصرف الصحي)، ما أثر سلبـًا على الهضبة".

وإذا كانت منطقة الدويقة عشوائية، فإن حركة المجتمع أصبحت كلها عشوائية وقابلة للانهيار فـي أي لحظة.

هنا، تبدو مصر فـي انتظار  ما لا يأتي.

تعتقد السلطة في مصر على مر تاريخها المعاصر أنها مسيطرة، وأن بمقدورها أن تناور. لا تنتبه أنها داخل ساعة رملية، يتسرب منها كل شيء بمرور الوقت. وهي سلطة تتعالى أو تتعامى عن الحقائق في الشارع، ولا تحب أن تستجيب للمواطن، كما لو أن الإنصات إلى صوت المواطن عيب يمس هيبة الدولة!

لقد كشف حادث المقطم عن تبلد أجهزة الدولة في عهد حسني مبارك.

أما مناسبة هذا الكلام، فهي أن دورة التاريخ في مصر تثبت لنا مرة بعد أخرى أن هناك تقصيرًا ما يحدث وقت الأزمات. ارتباك وعجز وفوضى ضاربة في مؤسسات الدولة.

الشاهد أن الأجهزة والهيئات والمؤسسات الرسمية لا يعنيها أن تملك آلية لإدارة الأزمات أو حلها؛ إذ تسيطرُ على كل مسؤول غريزةُ البقاء فـي موقعه فقط، حتى لا يطاح به، وتتملكُ كل صاحب سلطة أو نفوذ عقيدة التحايل والتبرير بهدف تجاوز الأزمة أملاً فـي أن تهدأ النفوس وينسى المنكوبون وتسقط الأحداث من الذاكرة الجماعية. لا أحد يعنيه أن يحل همَّـًا عامـًا. كل مسؤول مهتم بما يعنيه فقط، وهو ما يجعل الجميع عاجزين عن حل أي أزمة تلحق بالبلد.

وفـي ظل انشغال كل بهمه الشخصي، علينا أن نخشى المزيد من الكوارث؛ المزيد من العبَّارات التي تغرق، والمزيد من القطارات التي تحترق، والمزيد من المباني التي تنهار، والمزيد من الأموال التي تُهرَّب، والمزيد من المباني الأثرية التي تحترق.

والأخطر من ذلك أن الفشل فـي إدارة الأزمات والكوارث، والتصرف بطريقة تنطوي على الاستخفاف أو التقليل من شأن ما جرى، يصيب المواطنين بالإحباط ويزيد من الاحتقان نتيجة الشعور بالظلم الاجتماعي، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام التنفيس عن الغضب بالعنف أو الاحتجاج غير المسؤول، لتكبر كرة الثلج من دون داعٍ يُذكر.

وسط هذا كله، يتم تمييع الأمور وإدخالها في سراديب ومتاهات وتفاصيل لا نهاية لها، حتى توأد الحقيقة ويفلت الجاني من العقوبة، في حين تستمر الحوادث وإزهاق المزيد من أرواح الأبرياء.

من المسؤول عن الكوارث إذًا؟!

ربما يتجاهل بعض أصحاب الحل والعقد فـي بلادنا أهمية علاج الجذور قبل الظواهر، وإنشاء نظامٍ كفء للرصد والتحليل يتوقع مَواطِن الخطر والأزمات لمعالجتها مبكرًا بأسلوب وقائي قبل وقوعها، مع وضع خطط وسيناريوهات مختلفة، وإنشاء غرف ووحدات لإدارة الأزمات.

نقول هذا، لعل وعسى، أن تجد كلماتنا آذانـًا صاغية، تنتبه إلى أهمية إدارة الأزمات بشكل فعال، فقد فات أوان الهزل.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "حكاية الصخرة التي سوف تسقط"

أكتب تعليقا