سوبر جواسيس

| |


 

 

في بئر الجاسوسية سقطوا، فصنعوا التاريخ، أو غيروا مجراه!

المال والشهرة والاستغلال، وحتى اعتناق مبادئ سياسية ودينية معينة، وضعتهم على أول طريق الجاسوسية، ثم أكمل كل منهم "المهمة" بطريقته. من تفوق منهم في نقل الأسرار العسكرية والاستخبارية، أصبح نجمـًا فوق العادة، حتى وإن كان مصيره في نهاية الأمر الاعتقال أو الإعدام، وفي أحسن الأحوال المنفى.

عن هؤلاء الجواسيس "السوبر" نتحدث. جواسيس وعملاء كان لهم دورهم الخطير في سقوط أنظمة وخسارة حروب وسرقة أسرار يصعب الوصول إليها، إلا بطريقة الحيلة والدهاء.

أحد أساطير التجسس هو جورج بليك المولود في روتردام عام 1922 باسم جورج بيهار، وهو اين لأم هولندية وأب من يهود مصر الذين كانوا من أصحاب التابعية البريطانية. بعد وفاة والده أرسل إلى القاهرة ليعيش مع أقاربه، حيث كان على صلةٍ وثيقة بابن عمه هنري كورييل، الذي أصبح لاحقـًا من أبرز القادة الشيوعيين في القاهرة.

في سن الثامنة عشرة فر إلى لندن، واختار لنفسه لقب بليك، وعمل لصالح الاستخبارات البريطانية، لكنه كان في حقيقة الأمر جاسوسـًا مزدوجـًا؛ إذ عمل للمخابرات الإنجليزية في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي نفس الوقت تجسس لحساب روسيا.

ألقي القبض عليه من قبل المخابرات البريطانية وصدر الحُكم عليه بالسجن لمدة 42 عامـًا، لكنه هرب من السجن بمعاونة صديق قديم له بالجيش الجمهوري الأيرلندي واتجه إلى روسيا وعاش هناك.

ألف عنه الروائي ريتشارد كوندون روايته الشهيرة "المرشح المنشوري"، وأجرى التلفزيون السوفيتي حوارًا معه تفاخر فيه بأنه خدع أكثر من 600 عميل للمخابرات البريطانية والأميركية.
 
 

تاريخ التجسس لم يصنع لغزًا أكبر من سيدني رايلي، فولادته وموته كلاهما من الأسرار، لكن إنجازاته ليست مجالاً للشك أبدًا، فأعماله وضعت العملاء بمن فيهم الخياليون مثل جيمس بوند في الظل؛ إذ كان عميلاً لا يعرف الرحمة وزير نساء بكل معنى الكلمة، وكان يستخدم جاذبيته لإغراء زوجات السياسيين والعسكريين وضباط الأمن للحصول على معلومات منهن.

وفي حقيقة الأمر، فإن إيان فليمنغ حين أبدع شخصية جيمس بوند، كان يضع في ذهنه نموذج رايلي، الذي يعد أول "سوبر جاسوس" في القرن العشرين.

امتلك رايلي 11 جواز سفر و11 زوجة وأجاد 7 لغات. لا يعرف أحد على وجه اليقين اسمه الحقيقي أو جنسيته الحقيقية، لكن الاحتمال الأرجح أنه ولد في ميناء أوديسا المطل على البحر الأسود عام 1873. اسمه الحقيقي هو جورجي (أو سالومون) روزنبلوم، وهو من يهود روسيا. بمساعدة من صديق، اختار لنفسه شخصية سيدني رايلي، بعد ارتباطه بزوجته الأولى مارغريت توماسن التي كان على علاقة معها أثناء زواجها بثري توفي في ظروف غامضة.

شارك عميل سكوتلانديارد والمخابرات الإنجليزية في عدة عمليات ناجحة، وخاصة خلال الحرب العالمية الأولى، واستولى على أسرار سياسية وعسكرية من ألمانيا وروسيا لمصلحة الإنجليز.

غير أن اللغز الكامل لرايلي لا يستطيع أحد كشفه سوى سجلات المخابرات الروسية، التي كانت تطارده لإدانته بالتجسس لحساب إنجلترا، حتى اعتقلته وأعدمته في غابة قرب العاصمة موسكو في 5 نوفمبر 1925.

توماس إدوارد لورنس، ضابط استخبارات بريطاني اشتهر بدوره خلال الثورة العربية عام 1916 ضد الإمبراطورية العثمانية عن طريق انخراطه في حياة القبائل العربية، وعُرف وقتها بلورنس العرب. ولد عام 1888 لأم من اسكتلندا وأب من إنجلترا، والتحق بجامعة أكسفورد وكان لديه ولع بدراسة علوم الآثار والتاريخ مما دفعه للاتجاه إلى الشرق المشهور بحضارته وحفرياته.

استعانت به المخابرات البريطانية في الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية. فقد قام استدعاه السير جيلبرت كلايتون بعد أن ذاع صيته كعالم آثار إلى مكتبه بمقر القيادة العليا للجيوش البريطانية في القاهرة. أمر كلايتون بتعيين لورنس في قسم الخرائط. وكانت هذه هي الفرصة الوحيدة للتثبت من صحة الخرائط بالواقع. ظهرت عبقرية لورنس في هذا المجال كما امتدت آراؤه للخطط العسكرية في هذا الشأن، فقرر كلايتون نقله إلى قسم المخابرات السرية. كان لورنس يحفظ المواقع التركية عن ظهر قلب مما ساعد الإنجليز كثيرًا. استغل لورنس علاقاته بالعرب لإيهامهم بأنه يريد مساعدته لمواجهة الغطرسة التركية، وقد ساعدته معرفته باللغة العربية على إضفاء مصداقية له في هذا الشأن.

توفي لورنس في عام 1935 في حادث بمحيط مدينة أكسفورد، بعد سقوطه من دراجته النارية التي كان يقودها بسرعة كبيرة وهو عائد إلى البيت من مكتب البريد، وقيل إن الحادث كان مدبرًا.

أُنتِجَ عن حياته فيلم شهير حمل اسم "لورنس العرب" شارك فيه عمر الشريف وديفيد لين، كما كتب لورنس سيرته الذاتية في كتاب حمل اسم "أعمدة الحكمة السبعة".

ولعل أشهر جاسوسة في التاريخ الحديث هي مارغريتا غرترود "غريتشي" زيلي الشهيرة بـ"ماتا هاري"، المولودة في عام 1876 لأبٍ هولندي وأم إندونيسية. كان انتقالها مع زوجها الضابط إلى جزيرة جاوة في إندونيسيا بداية التحول في حياتها، حيث انبهرت بالشرق وتعلمت الرقص الآسيوي، ثم تحولت إلى راقصة بعد أن هجرها زوجها ومعه ابنها.

رحلت إلى باريس باسم ماتا هاري، الذي يعني بالإندونيسية "نجمة الصباح"، وتخلت عن شخصيتها الأوروبية واصطنعت لنفسها سيرة حياة جديدة اعتبرت فيها أن مولدها كان في الشرق الأقصى، وأنها احترفت الرقص منذ طفولتها.

حين وقعت الحرب العالمية الأولى وجدت ماتا هاري نفسها بلا مورد، فعادت إلى وطنها لتجد أمامها قنصل ألمانيا الذي قام بتجنيدها ضد الفرنسيين وطلب منها العودة لباريس، ولكنها وقعت في حب ضابط روسي وقررت أن تتزوجه، ومن أجل أن توفر المال اتصلت بالمخابرات الفرنسية وأصبحت عميلة مزدوجة. اكتشف الفرنسيون أمرها بوشاية، فاعتقلوها وحوكمت لعدة شهور، ثم أُعدمت رميـًا بالرصاص في 15 سبتمبر 1917.

أصبحت هذه الجاسوسة مادة شديدة الثراء للأدباء والمؤرخين وصناع السينما، وأطلق عليها لقب جاسوسة الجاسوسات ورسموا لها صورة الفتاة الجميلة الساحرة التي أوقعت كبار الساسة في هواها وغوايتها. لكن ماتا هارى في الواقع، كانت أقرب إلى القبح والدمامة.

من هنا يثور السؤال عن أسباب نجاحها في مهمتها، والتي تحولت معها إلى أسطورة يضاف إليها مع كل كتاب ومع كل عمل سينمائي لمحات جديدة غامضة وساحرة، حتى مثلت دورها جميلات السينما من غريتا غاربو إلى مارلين ديتريتش إلى فرانسواز فابيان. يوم وزعت الشرطة الفرنسية صورها بعد إعدامها عام 1917، ذهل الناس لشكلها، الذي نسوه مع الوقت وظلت صورتها الأسطورية الساحرة.
 

 
ولدت نانسي وايك عام 1912 في نيوزيلندا، وترعرعت في أستراليا، والتقت برجل الصناعة الفرنسي، هنري أدمون، عام 1939، وتزوجته لتعيش في فرنسا، إلا أن الحرب العالمية الثانية وغزو ألمانيا لفرنسا لم يعطهما المدة الكافية للاستمتاع بحياتهما، انضمت وايك للمقاومة الفرنسية، وأصبحت تدير مجموعات "ماكيوس" التي تشن حرب عصابات على الضباط الألمان، وخاصة أفراد البوليس السري الألماني "غستابو".

أطلق عليها "غستابو" اسم "الفأر الأبيض"، وبحلول عام 1943 كانت وايك هي المطلوب رقم واحد لدى جهاز الاستخبارات الألماني، وتم رصد مكافأة لإحضارها حية أو ميتة قدرها 5 ملايين فرنك، لكن هذا لم يرهب وايك التي خاضت خلال الحرب 7 آلاف مواجهة مع مجموعات المقاومة، اشتبكت فيها مع ما يقارب 22 ألف من الجنود الألمان، مات منهم حوالي 1400 شخص، في حين لم تفقد المقاومة تحت يديها إلا 100 شخص فقط.

حين ألقي القبض على زوجها حاول رجال "الغستابو" استجوابه لمعرفة مكان وايك، لكنه رفض الإفصاح عن مكانها ومات أثناء التعذيب.

بعد أن وضعت الحرب أوارها، كرمتها كل من إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، وعملت لفترة بشعبة المخابرات في السلاح الجوي البريطاني، إلا أنها في 1957 تزوجت مرة أخرى وعادت إلى أستراليا لتكمل حياة هادئة هناك.
 
 

تعد كريستين كيلر من أشهر النساء في عالم الجاسوسية، فهي صاحبة أشهر فضيحة هزت بريطانيا، حيث تسببت في استقالة عشيقها وزير الحربية في ذلك الوقت جون بروفيومو عام 1963 بل وأسقطت حكومة هارولد ماكميلان، وذلك في أثناء الحرب الباردة، عندما نقلت أسرارًا حربية بريطانية للمخابرات الروسية من خلال معرفتها بالملحق العسكري السوفيتي يفغيني إيفانوف، الذي طلب منها العمل كجاسوسة عندما علم بعلاقتها مع الوزير بروفيومو.

كان الوزير قد التقى بالفتاة ذات التسعة عشر ربيعـًا عندما رآها تسبح عارية في حوض سباحة خاص بأحد عشاقها، ليقع في غرامها ويقيم معها علاقة حميمة في الوقت الذي كانت تبادل فيه الحب الملحق البحري السوفيتي. فضحت الصحف والاستخبارات البريطانية علاقة بروفيومو بالفتاة اللعوب، التي كانوا كانوا يصفونها آنذاك بالمرأة المغوية، والفاتنة عند الطلب ثم (التورتة) المحشوة بالعسل.

خرجت كريستين بعد فترة قصيرة بسبب صغر سنها والدفع بأنها لم تكن تدري أنها مستغلة للتجسس، لتصبح نجمة مجتمع تلاحقها الصحف ودور النشر كي تروي تفاصيل وأسرار علاقتها بوزير الحربية.

أما الوزير ومنذ أن استقال فقد كرس حياته للأعمال الخيرية حتى توفي عام 2006، في حين عاشت كريستين في أحد أحياء العاصمة لندن بعد زيجتين فاشلتين وعدد من الأطفال.

يتذكر الإنجليز بمرارة كيف تمكن كيم فيلبي من خداعهم لفترة طويلة؛ إذ كان يقوم بنقل أسرارهم إلى المخابرات السوفيتية. لم تعرف بريطانيا بذلك إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ولد فيلبي باسم هارولد أدريان راسل، وكانت معاملة أبيه السيئة السبب في انجذابه للجاسوسية. تولى العديد من المناصب في المخابرات البريطانية، حتى كاد أن يشغل منصب مدير المخابرات.

وفي 23 يناير 1963 ترك فيلبي أسرته وهرب إلى الاتحاد السوفيتي في حين كانت زوجته تنتظره في حفل عشاء، وسار عبر مرفأ في ميناء بيروت، ومن هناك استقل سفينة إلى الميناء الروسي أوديسا. تزوج هناك من فتاة روسية وهي الزوجة الرابعة له، في حين نال تكريمـًا خاصـًا من موسكو التي منحته رتبة جنرال.

في عام 1968 أصدر مذكراته في كتابه الشهير "حربي الصامتة"، الذي تطبع منه حتى الآن آلاف النسخ، وهو الكتاب الذي أذهل العالم وكشف فيه عن تفاصيل عمله كجاسوس مزدوج لصالح جهاز كي جي بي للمرة الأولى. اعتبره العالم أحد أكثر الجواسيس نجاحـًا في العالم، وكان كاتبـًا متميزًا قدم قصة أيقونة عظيمة لسنوات الحرب الباردة وأحدث ثورة في عالم كتب الجاسوسية.

أعيد طبع الكتاب عدة مرات بعد نحو 12 عامـًا من صدوره للمرة الأولى، وفيه قدم فيلبي تفاصيل عمليات التجسس التي قام بها لصالح الاتحاد السوفيتي، وكيف تمكن من الهرب إلى موسكو عام 1963 والتي عاش فيها حتى مماته عام 1988 وشرح لماذا ظل مخلصـًا للشيوعية حتى بعد أن اكتشف جرائم ستالين.
 
 

أما ريخارد زورغه، فهو اسم ذو شأن عال في عالم الجاسوسية، حتى أنه يطلق عليه اسم الأستاذ.

وُلد في 1895 بضاحية صابونجي في باكو بأذربيجان التابعة للإمبراطورية الروسية في ذلك الوقت. عمل كصحفي في كل من ألمانيا واليابان. اتسم بطابعه الاجتماعي الودود، وأنشأ شبكة علاقات واسعة مع مسؤولين يابانيين، كما جذبت مقالاته أنظار القادة الألمان، لكنهم لم يدركوا أنه يعمل لحساب الروس.

تمكن من تزويد موسكو بمعلومات خطيرة عن الخطط العسكرية الألمانية واليابانية، وخاصة عن غزو متوقع لمدينة ستالينغراد، رغم أن ستالين استهان كثيرًا بالمعلومات التي سربها هذا الجاسوس لموسكو.  

بعد افتضاح أمره، أُلقي القبض عليه وأُعدم شنقـًا في سجن سوجامو في العاصمة اليابانية طوكيو بتاريخ 7 نوفمبر 1944. تقديرًا لخدماته، أصدرت روسيا طابعـًا يحمل اسمه عام 1965.
 
 

وكان إيثيل وجوليوس روزنبرغ أول مدنيين يعدمان بتهمة التجسس للاتحاد السوفيتي في أميركا عام 1953، حيث نقلا معلومات عن القنبلة الذرية الأميركية إلى معسكر الاتحاد السوفيتي. كان كل من إيثيل وجوليوس متزوجين ولديهما ولدين، وكانا يؤمنان بالفكر الشيوعي. وهناك من يقول إن إيثيل كانت على علم بنشاط زوجها في مجال التجسس، لكنها لم تشارك في هذا العمل.

أوقفهما مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف بي آي" في يوليو 1950 واتهما بالتجسس لحساب الاتحاد السوفيتي، وأدينا في الخامس من إبريل 1951 وأعدما على الكرسي الكهربائي في 19 يونيو 1953 في سجن سينغ سينغ في نيويورك.
 

أما آنا تشابمان فهي سيدة أعمال روسية، من مواليد 23 فبراير 1982، اسمها الأصلي هو آنا فاسيلينييفا كوشتشينكو. وصلت إلى بريطانيا عام 2003، وترأست شركة عقارية في 2006 وتزوجت بريطانيـًا يُدعى أليكس تشابمان ما بين عامي 2002 و2006، ونالت خلال تلك الفترة الجنسية البريطانية.

وانتقلت تشابمان إلى الولايات المتحدة في 2010 حيث انشأت موقعـًا غير رسمي على الإنترنت لتأجير وشراء المنازل، ووقتها قابلت شخص يدعى رامان، يعمل لدى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي "اي في آر"، وجندها للعمل معهم، وكانت تقوم بتوصيل جوازات سفر مزيفة لمهاجرين روس غير قانونيين.

اعتقلت تشابمان في نيويورك بتهمة التجسس ومعها 9 آخرون في 27 يونيو 2010، واعترفت بعملها لحساب شبكة تجسس تابعة للمخابرات الروسية، أعيدت إلى روسيا في 8 يوليو من العام المذكور في إطار صفقة تبادل جواسيس، هي الأكبر من نوعها منذ نهاية الحرب الباردة.

تنقلت آنا في السنوات اللاحقة ما بين العمل كعارضة أزياء وناشرة مجلة ومقدمة برنامج تليفزيوني روسي يحمل اسم "أسرار العالم".

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "سوبر جواسيس "

أكتب تعليقا