ياسر ثابت: مثقفو المقاهي فراغ روحي وفائض كلام

| |

ياسر ثابت: مثقفو المقاهي فراغ روحي وفائض كلام
الكاتب المصري يؤكد أن الثقافة في بلاده تمرّ بلحظة إحباط واضحة، هي 'لحظة الارتطام بحائط الواقع'.
العرب محمد الحمامصي [نُشر في 10/09/2014، العدد: 9675، ص(15)]
ياسر ثابت: تكتبني الرواية ولا أكتبها
القاهرة - الحوار مع الكاتب المصري ياسر ثابت، له أكثر من وجه ومناسبة. فهذا المبدع المهتم بالتاريخ والسياسة والكتابة الموسوعية، له أيضا أعمال متنوعة وغزيرة، لعل آخرها هي روايته “ذنب” التي صدرت في القاهرة أخيرا، ونالت إشادة من جانب عدد من النقاد وجمهور القراء على حدّ السواء.
عن تشكل فكرة الرواية ومراحل تطورها أثناء كتابتها، يقول الكاتب ياسر ثابت: «ما يمسّ روحك، سيخطه قلمك. هذا ما أومن به على الدوام. الكتابة سفر إلى جهة القلب، وهي يقين وطمأنينة، مهما كانت الحروف تسير على الأشواك، لعل تلك الحروف تضيء لنا دروب الحياة الموحشة. روايتي “ذنب” لم تخرج عن هذا المفهوم الإبداعي. فالفكرة تنضج على مهل، أو تأتي على عجل، وفي الحالتين تصنع دوامات من الأفكار التي تنبت أحيانا في أرض الخيال. بالنسبة إليّ، تكتبني الرواية ولا أكتبها».
ويضيف ثابت قوله: «كان تفكيري منصبا على بطلة واحدة، هي طبيبة مصرية تهاجر إلى الولايات المتحدة وتبدأ حياة جديدة، قبل أن تمرّ بتجارب إنسانية وعاطفية، تغيّر عالمها ربما إلى الأبد. في خط مواز، نتابع عملها الشاق وما تتطلبه مهنة تتعلق بإنقاذ أرواح كثيرين من المرضى، أو التعامل مع حالات مرضية متأخرة -لا أقول إنها ميؤوس من شفائها- وكيف تتراكم ضغوط نفسية وعصبية على هذه الطبيبة، يكون لها تأثيرها على حياتها الشخصية. غير أنني في لحظة ما، التقطت طرفـا آخر للحكاية، بطلة أخرى خرجت من قمقمها مثل جنيّة، لتحكي لي وللقارئ عن حياتها من الريف البسيط، ومنها إلى القاهرة، ثم سفرها إلى لندن. وجدت هذه الشخصية بالغة الثراء، وواقعية في انتصاراتها وانكساراتها، وقريبة إلى تجربة المرأة حين تحبّ أو تتعرض للخديعة».
قرب خط النهاية بقليل، تتشابك المصائر، لنجد البطلتين “سارة” و”فرح” في مكان واحد، بل في غرفة واحدة، وكل منهما ترى في الأخرى مرآة لها بشكل أو بآخر. تدور حوارات من العذوبة بمكان بين المرأتين أو المرآتين.
يبيّن ثابت: «ككل كاتب يكتب بمداد روحه، كنت هناك، في قلب المكان. أعيش تجربة البطلتين وأستكشف ما خفي من مشاعرهما المضطربة والغامرة على حدّ السواء».
ويضيف: «إنها كتابة اللحظة، وعفو الخاطر، التي تعيد اكتشاف اللغة، وتحاول رسم الانفعالات، وتخدش الأوجاع بحميميتها، وتدغدغ المشاعر الخفيّة بالكلمات. من خلالها أتقاسم مع القارئ رغيف الوقت والكلمات، لعلنا نهتدي معـا إلى بوصلة الحياة. وربما نبحث عن الأدب الذي يتلمّس برهافة الشعر وحدس الوجدان القواسم المشتركة بيننا؛ نحن البشر.. شغف النهايات هو ما يدفعنا دومـا لمحاولة معرفة ختام الحكاية.. الأجل المحتوم أو المصير المحتمل لأبطال حدوثة الأبدية، المتجددة على الدوام».
روايته الأخيرة "ذنب" محاولة لإعادة اكتشاف اللغة وخدش الأوجاع

طقوس الكتابة
وحول طقوس الكتابة عنده في ضوء هذه الرؤية الخاصة بكتابة رواية “ذنب” يرى أن «الفكرة المجنونة لا تخطر لك حين تقدح زناد فكرك أو عندما تترك رأسك مواربا لها. هذا الجنون له طقوسه ومواقيته وأساليبه المبتكرة، كأن تغزوك وأنت تراجع فواتير سخيفة، أو تستمع إلى تعليمات مديرك الفاشل، أو تكون على حافة شهقة لا راد لقضائها. لا يرعبني سوى بياض الصفحة في انتظار الحكاية، مع كل حرف يضيء الحلم أكثر، ويلتمع فجر جديد، وتنقر الأفكار على أزرار قلبي.. لكنني أكتب.. أكتب وكأن الناس تقرأ.. قناعتي الشخصية هي أن القراء في عالمنا العربي أقل مما ينبغي، وأن بعض دور النشر ووسائل الإعلام تخدع كثيرين عبر “التوجيه” نحو كتاب ومبدعين متواضعي المستوى عادة، وتسويقهم دعائيا على حساب أقلام أكثر نضجا وعمقا وموهبة».
ويلفت ياسر ثابت إلى أن أفكار وشخصيات أعماله الإبداعية تنطلق من أصدقائه ومعارفه ومن يراهم خلال مشاهداته اليومية، حيث يوضح «هؤلاء يمثلون فأسا أحطب به مفاجآت الحياة وأنحت صورا أدبية في نصوصي الإبداعية، التي قد تأخذ شكل أعمال روائية مثل “أيامنا المنسيـّة” و”ذنْب”، أو نصوص إنسانية ذات طابع أدبي مثل “يوميات ساحر متقاعد” و”مراودة”، أو قراءات نقدية مثل “كتاب الرغبة”، أو كتابات تعتمد فن العبارات القصيرة المكثفة، شأنها في ذلك شأن تغريدات تويتر، مثل “تحت معطف الغرام” و”فضة الدهشة” و”لحظات تويتر”.. وفي حقيقة الأمر، أستفيد من كل ما أمرّ به من تجارب وخبرات إنسانية، حتى ما أقرؤه على الجدران التي يكتب عليها الساخطون والعابثون عباراتهم الملتبسة، ويعلنون فيها التمرّد على مسحوق الخيانة الخبيث الذي أدمنه العامة».
"ذنب".. دوامات من الأفكار التي تنبت أحيانا في أرض الخيال
وحول أسباب ابتعاده عادة عن جلسات المثقفين المعروفة ولقاءاتهم المنتظمة، خاصة على مقاهيهم الشهيرة وأماكن تجمعهم في منطقة “وسط البلد”، يؤكد ياسر ثابت أن الكتابة خلوة مع الروح، وهي ذلك السلم الهش، الذي نرتقيه بكل حذرنا وطيشنا في آن معا، وأن التأمل شاسع كصلاة لا تنقطع. كلما تأملت ابتعدت أكثر، وفهمت بدرجة أعمق، يوميا أتعلم الفرق بين الضجيج والعمل، مثلما أتعلم كم تأخذ من أحلامنا وطاقتنا تلك الصراعات والمنازعات الوحشية والحوارات التي لا طائل من ورائها. ربما لهذا أفضّل العزلة قدر الإمكان، دون أن يعني ذلك اعتزال الناس، وإنما المقصود ترشيد الوقت الذي يهدر في جلسات ومجالس لا طائل من ورائها سوى التسلية وتزجية الوقت. أنعزل في منطقة آمنة، كطفل تجاوز للتوّ عامه الأول، يتلمس خطواته الأولى في العالم.
ويرى في جلسات المثقفين ميلاً إلى الضحك المبالغ فيه وفوائض الكلام، للتغطية على الفراغ الداخلي، ويطوفون حول السخافات اليومية، والأحداث والمناسبات الاجتماعية وحفلات توقيع الكتب، بحثا عن أيّ منفذ أو منقذ، إلى أن يصبح الأمر كله عبئا مضجرا للمرء نفسه، قبل أن يكون عبئا على أيّ أحد آخر، يقول ثابت: «ليس خافيا على من يعرفونني أمر عدائي للشللية وشبكات المصالح، ومنها شبكات المثقفين التي خرّبت الثقافة وصنعت “نخبة” مزيفة تتملق وتنتهج أساليب وصولية مكشوفة كي تتسلق سلم المناصب والوظائف. الشللية، هي الملح الزائد الذي يفسد طعام أيّة مهنة ويخرب مستقبل أيّة دولة».

ثقافة محبطة
عن رؤيته لأوضاع الثقافة وما يجري على الساحة الثقافية يؤكد ياسر أن الثقافة المصرية تمرّ بلحظة إحباط واضحة؛ أو قل إنها لحظة الارتطام بحائط الواقع!، يؤكد ذلك من خلال إضافته «سبب تلك الأزمة هو أن الأمل كان معقودا على صحوة ثقافية ما أو نقطة بداية جديدة بعد ثورة 25 يناير، تشمل الفن والأدب والسينما والمسرح، لكن النتيجة بعد نحو أربعة أعوام من الثورة مخيبة للآمال. فقد آلت السلطة بعد ثورة 25 يناير لمن خلت قريحتهم من الإبداع، وانساقت وراء أفكارها البائسة المتسترة وراء شعارات فضفاضة، رافضة استيعاب أيّة أفكار أو رؤى من الممكن أن تمسي مفيدة. وإذا كان الأدب هو فائض محبة للعالم وللبشر وللأماكن، فإن الكتابة الإبداعية في مصر أخذت تدور حول نفسها، وتفرش الرمل على الماء، فلا تطفو الفكرة بل تغرق».
ويختم الحوار محلّلا: «ما دمنا قد أقنعنا أنفسنا بأننا نعيش عصر الرواية، التي تعدّ “كتاب الحياة الوحيد الوضّاء”، كما يقول د. هـ. لورنس، فلنا أن نتخيل مدى الإقبال على كتابة القصص القصيرة، ومستوى الأعمال التي أنتجتها المطابع في الفترة الأخيرة، ربما باستثناء أعمال قليلة مثل مجموعة “شامات الحسن” لإبراهيم فرغلي التي لم تنل حظها من النقد الأدبي. وفي غياب النقد الجيّد والجاد يُستباح الإبداع، ويُسوِّق البعض الرداءة. هكذا طفا على سطح المشهد الثقافي عدد من الدخلاء، وهذا كله مؤسف، نرجو أن يكون كابوسا مؤقتا، لا ضيفا دائما بكل بؤسه ورداءته».

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ياسر ثابت: مثقفو المقاهي فراغ روحي وفائض كلام"

أكتب تعليقا