كل عام وأنتم بخير

| |







عبارة أصبحت تثير ريبتي حتى لو سمعتها يوم ميلادي؛ أسمعها طوال الوقت، بسبب وبدون سبب.


الكل يرددها تمهيدًا لطلب شيء ما، عادة ما يكون بعض المال. أسمعها من "عم هاشم" وحده 365 مرة فى العام. ومن شرّفني بالزيارة لا بدَّ أنه يعرف جيدًا عم هاشم الكناس، فهو من معالم العمارة، تمامـًا كدرجها الرخامي وأبواب مصاعدها ذات اللون الأحمر الداكن.


يستظل عم هاشم بشجرة مشّطُت هيكلَها الرياح، محتضنـًا مكنسته المتهالكة المصنوعة من القش، ويميل إلى حالة السكون، مرتديـًا عمامة من تعب، وزيـًا برتقاليـًا ذهب بريقه منذ زمن. اتساخ زيه ليس سوى رسالة تحاول أن تقول لك إن عمّال النظافة يتّسخون كي يحافظوا على نظافتك!


قد تلمح في يده راديو ترانزستور بحجم راحة اليد، لا تسيل منه إلا الأغاني القديمة. يجلس هاشم كأنه صفحة مستعارة من كراسة طفل، يحدق في الفراغ بحدقة سمكة مُجفّفة، حتى إذا ما لمح أحد الخارجين من إحدى عمارات الشارع الصغير أو الوافدين إليها، هبَّ من مكانه وأمسك بمكنسته وحرَّكها يمينـًا ويسارًا لتثير الغبار في وجه الشخص المستهدف، مرددًا ببشاشة ناصعة عبارة لا تتغير: كل عام وأنتم بخير، حتى لو تصادف هذا اليوم مع ذكرى نكسة يونيو 1967.


ليست هناك ثمة مشكلة لديه، ولا سبيل للعابر بتلافي هذه الأتربة إلا إذا أخرج "المعلوم". بعدها يتمطى هاشم مُستريحـًا لخطته الناجحة.


أما أنا فقد اعتدتُ أن أتجه مباشرة نحو مرآب السيارات، فيأتي خلفي متبعـًا الخطوات السابقة، ويزيد عليها وقوفه خلف السيارة ليوجهني يمنة ويسرة، قبل أن يخرج من جيبه صافرة نحاسية ينفخ فيها بشكل متقطع؛ بدعوى تنبيه سائقي السيارات إلى خروجي بسيارتي الزرقاء. وإذا ما اقتربت السيارة من الحائط، قفز فوقها بحركة بهلوانية تشبه حركات أميتاب باتشان في أحد أفلامه الهندية قائلاً: الحمد لله، ربنا ستر.. فتفور الدماء في عروقي وأستعين بالصبر؛ حتى لا أكون ممن ينهرون السائل، لا قدر الله.


إن سألته عن حاله من باب المجاملة، سيحدثك بعبارات متقطعة عن بناته الثلاث، ثم يشير إلى أن كبراهن "في مثل عمرك تقريبـًا". وما بين عبارة وأخرى، يتودد إليك بتهنئته التي لا تحتاج مناسبة ولا تختار موعدًا.


يظل الرجل على هذه الحال، حتى تميل الشمس إلى الغروب. ينظر إلى السماء بعينين شبه مغمضتين، ثم يستوقف أحد المارة، ويكتفي بالنقر على معصمه بالسبابة، وكأنه يسأل بلغة الإشارة "كم الساعة الآن؟". يأتيه الرد فيبتسم كناية عن الشكر، يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة مع تلعيب الحواجب في إشارة واضحة إلى ما يريدون.يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة مع تلعيب الحواجب في إشارة واضحة إلى ما يريدون.يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة مع تلعيب الحواجب في إشارة واضحة إلى ما يريدون.يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة مع تلعيب الحواجب في إشارة واضحة إلى ما يريدون.يكتفون بالنقر على معاصمهم بالسبابة مع تلعيب الحواجب في إشارة واضحة إلى ما يريدون.ثم يختفي بعدها بدقائق، كما لو أنه كائن نهاري يبتلعه طائر المساء.


بعد سنوات طويلة من عمله في شارعنا. لمَ يَعُدْ أحدٌ يعرفُ إنْ كانَ كناسـًا أم بوابـًا آخر للعمارات التي تتراص مثل البيادق.


عصر يوم الجمعة الماضي، طرق بابي شخص غريب أخبرني بملامح يكسوها الأسى أن عم هاشم قد توفاه الله وأنهم يجمعون مالاً لسداد نفقات جنازته. حزنتُ على الرجل بصدق وأخذتُ أدعو له وضميري يؤنبني على ضيقي منه، ففي النهاية تجمعني بالرجل عِشرة امتدت لسنوات. نهض سؤال وجر وراءه أسئلة حادة، قلقة، عن ظروف وفاة هذا المسكين، وحال أهله من بعده.


في الغياب لا نشعرُ بـالوحشة، بقدر ما توجعنا نكزات القلب كلما طفتْ حكاية من مخزن الذكريات.


أفتح النافذة، ثم أغلقها بسرعة. لا أستطيع أن أنظر إلى الخارج، حيث كان عم هاشم يتكئ على صدر شجرة نصف مواسمها انتظار. أعود إلى مكاني، وأحاول أن أستعيد هدوئي.


بعدها بيوم واحد توجهت نحو سيارتي في المرآب، وأنا أحمل حقيبتي البنية اللون على كتفي الأيسر، وفي يدي ملف أخضر يخص شؤون العمل. لم أكد أستقر على مقعد القيادة في سيارتي، حتى تنهدت طويلاً متعجبة من أحوال الدنيا وصروف الدهر. ملأتني أسئلة عن الحياة والموت، والبشر العابرين في حياتنا ومدى تأثيرهم فينا، وتأثرنا بهم.


أخذتُ في تشغيل محرك السيارة، وإذا بي أسمع صوتـًا يتردد فجأة كأنه آتٍ من رحم العدم، ويقول: كل عام وأنتم بخير.


ابتسمتُ في نفسي. يبدو أنني لن أصدق خبر موت عم هاشم إلا بعد حين، لكن الصوت استمر قائلاً: تحركي إلى اليمين قليلاً. نظرت في مرآة السيارة فوجدته!


نعم، عم هاشم بشحمه ولحمه!


هو ببشرته الداكنة التي لعقها لسان الشمس، وجبهته المتغضنة، وعينيه البارزتين، وشاربه الخفيف، وأسنانه المفقودة.. ومكنسته العتيقة.


بدلاً من السير للخلف، اندفعتُ للأمام من فرط الدهشة والارتباك. ولأول مرة ينقذني عم هاشم بحق، فقد قفز فوق السيارة ليمنعني من الارتطام بالعمود. عقدتْ المفاجأة لساني ونظرت إليه غير مصدقة. انفتحت عيناي على وسعهما، فيما قال عم هاشم بتأثر: كم أخذ منكِ ابن النصابة؟


عم هاشم لا يعنيه من جاءني ولا بِمَ أخبرني؛ كل ما يعنيه كم أخذ!


استطرد قائلاً: لا أحد يريد أن يعمل يا مدام. الكل يريد التسول والشحاذة.


أمسكتُ نفسي بصعوبة حتى لا أقول مستنكرة: يا رجل!


قبل أن أقول له الحمد لله على سلامتك، عاجلني قائلاً وابتسامة طرية ترتسم على شفتيه: كل عام وأنتم بخير!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "كل عام وأنتم بخير"

أكتب تعليقا