أُمِّي.. من غاب منا؟

| |






حين أتعبُ مِن شقاء الأيام، وتسبقني روحي إلى المُنعطفَاتِ الخادِعة، تنساب من شقوق الذاكرة حكاياتٌ تستتر خلف شَفَقٍ مِن غبار.
أداري الذكريات، فأتذكر..
أُمِّي، تلك الحانية كغابةٍ مغمورة بالنور.
ها هي تُحكم الأقمطة حول مضغةِ الجسد الواهي. تنسج لي ثوبـًا خالصـًا شديد النعومة، لا يجرحني فيه أثرُ خياطة.
شجرة كافور ظليلة مباركة، أرى في حضنها خارطة للروح، ودربـًا للطمأنينة.
والرجل، كما يقول ابن عربي في "فصوص الحكم": "مُدرج بين ذاتٍ ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين".
دعاؤها مَزامِير استِغفَار. صوتها حفيفُ الحنان؛ يأخذُكَ لمعانقةِ الملائِكة، وأنت تكبرُ في الخفاء.
أتذكر..
أبي ينقر على كتفي كطائرٍ ويهزني برفق قائلاً: "قُم معي".
أتذكرُ نشيجه عشية الجنازة.. يبكي أُمِّي التي رحلتْ مثل برقٍ خاطف.
أنينه يُشبه نحيبَ بيوتٍ تحتجُ على موتِنا المفاجئ؛ أحتضنه ليصبحَ - لفرط دهشتي- أكبر أبنائي.
وأُمِّي، نعشُها يهبط تدريجيـًا من الطائرة؛ صوت الرافعة الآلية يطن في أذني، وأنا أحملُ في يدي الأوراق الرسمية البغيضة.
تبدو على ملامحي سذَاجةُ الغَرقى، وأتساءلُ أمام رهبةِ المشهد.. هل ستستيقظُ أُمِّي الآن لتسقي نباتاتها التي تستلقي في وداعةٍ على أطراف شرفة المنزل؟
بكيتُ في وداع امرأة: أُمِّي.

"خطفها الموت"، يقول لي أخي الأوسط، على الهاتف، الذي ابتلّ بدموعه؛ أخي الأصغر ينكر الأسى، حتى يُرزقَ بطفلةٍ منحها اسمكِ، كي يستأنف الحياة.

وحدي، وسط الذين تلعثموا حدَّ البكاء، أنزل إلى غياهب القبر لأؤنس وحشتها لمرةٍ أخيرة. أحمل النعش، ويحملني الألم.

حين رحلتْ أُمِّي عن عالمنا فجأة تماسكتُ لأيام، لكن الدموع غالبتني حتى غلبتني في لحظةٍ ظنَ فيها الجميع أنني لن أبكي عليها.

لكنني فعلت. هي تعرف الآن كم أحبّها؛ لأنها تدرك صلابتي في وجهِ اللحظات الصعبة.

وفي فِراق من تُحِبُّ.. تكون الدموعُ هي المنديل الذي تلوح به، والقنديلُ الذي يضيء لك الدربَ، والكلمة الأخيرة التي تتحدى الصمت.

أُمِّي تعلم أن السعادة هي أُمِّي.
ها هي تتراءى لي الآن بحضنٍ مفتوح، يتسع لمحبتي ومغفرتها.
بعد سنواتٍ، ستُصبح الـمسافة بين قلبيّنا عشرين قلبـًا فارغـًا، أو يزيد.
في غيابكِ، يا أمي، كبرتُ كثيرًا.
أدرتُ ظهري للكون كَأُمْنِيَةٍ خَائِفَة، ونمتُ في حضنكِ، وأنا أقرأ لكِ بعض ما قرأتُه أو كتبتُه، تمامـًا كما كنتُ أفعل في سنواتِ الصبا.
يَخِيطُ اليقينُ كَفَنَ الأيام، وأنا أغلقُ على نفسي بابَ المعاركِ القديمة. أكسِرُ مرآةَ الوقتِ، وأقول لنفسي: لو أن الوميضَ تباطأَ قليلاً، لكنتُ أدركتُ أحلامي الضائعة.
في غيابكِ، نسيتُ أن أصنعَ أجنحتي وأفردها.
سأتلو الآن دعاءً لكِ بالمغفرة، ربما يكون أمامي متسعٌ من الوقت كي أتحولَ إلى صقرٍ لم يفسده هواءُ الأمكنة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "أُمِّي.. من غاب منا؟"

أكتب تعليقا