الأوسكار.. من ميونيخ إلى الجنة

| |







ليلة الأوسكار للعام 2007 تقترب.. وربما كانت هذه المرة بنكهة شرق أوسطية




إذ استرعى انتباهي أن فيلمين عن الصراع في الشرق الأوسط يتنافسان على جوائز الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم السينمائية "الأوسكار"، وكلاهما أثارا ردود فعل متباينة لدى عرضهما




أعتقد أن الموضوع يستحق أن نتوقف عنده قليلاً، وأن ندع أطرافه يتحدثون عنه بأقل قدر من التعليق والتدخل من جانبنا



الفيلمان هما "الجنة الآن"، الذي يدور حول فدائيين فلسطينيين اثنين.. والآخر هو "ميونيخ" ويحكي عن عملاء إسرائيليين ينفذون سلسلة اغتيالات ضد فلسطينيين رداً على مقتل 11 رياضياً إسرائيلياً في دورة الألعاب الأوليمبية التي أقيمت في ميونيخ عام 1972

"الجنة الآن"هو أول فيلم فلسطيني يتم ترشيحه لنيل جائزة أوسكار لأحسن فيلم أجنبي.. في حين رُشح "ميونيخ"وهو من إخراج المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ، وشارك في كتابته توني كوشنر الذي فاز بجائزة بوليتزر المرموقة للكتابة، لنيل خمس جوائز بينها أفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس





في تصريحات صحفية، قال كوشنر إنه مازال يشعر بالضيق إزاء رد الفعل المعادي الذي قوبل به "ميونيخ"، الذي يدور حول الثمن الأخلاقي الذي يدفعه عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي الذين يتعقبون ويغتالون فلسطينيين يعتبرهم الموساد مسؤولين عن قتل رياضيين إسرائيليين في دورة ميونيخ الأوليمبية

المفارقة أن أنصار إسرائيل شنوا حملة على الفيلم قبل أن يتم عرضه واعتبروا أنه يضع من يصفونهم بالإرهابيين في كفة واحدة مع الذين يسعون خلفهم.. واتهمته جماعات موالية لإسرائيل بتشويه التاريخ وانتقاد السياسات الأمنية الإسرائيلية وقالت إنه أعطى صورة سيئة للرد الإسرائيلي على العملية، وأظهر بشكل خاص رغبة قوية في الانتقام تسيطر على الإسرائيليين




ولا تعليق لدينا على هذا الكلام
ولعل أهم اقتباس في الفيلم هو جملة وضعها كوشنر على لسان غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك قالت فيها إن "كل حضارة تجد من الضروري أن تتوصل إلى حل وسط مع القيم التي تؤمن بها". ويقول المؤلف إن هذه العبارة تشير ضمنيـًا أيضـًا إلى الأساليب التي تتبعها الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب.. وهي نقطة ظهرت جلياً في اللقطات الأخيرة من الفيلم لمركز التجارة العالمي



يقول الفيلم بشكل أو بآخر إن العنف يولد العنف

يرى كوشنر أن "الهجوم على "ميونيخ"لم يكن منسقـًا، لكنه ارتقى لدرجة الحملة الحقيقية كيلا يرى الكثيرون الفيلم واختلط الأمر بمسائل الأوسكار". إلا أن الفيلم على أي حال حصل على خمسة ترشيحات للأوسكار ولم يغرق في غياهب بحر التجاهل



وعقّد الجدل الدائر حول فيلم "ميونيخ"من الموقف المشحون بالنسبة لإسرائيل فيما يتعلق بجوائز الأوسكار بعد ترشيح فيلم "الجنة الآن" لهاني أبو أسعد لبضع جوائز

وأراد مخرج "الجنة الآن" أن يفسر السبب وراء رغبة الشباب في نسف أنفسهم وآخرين بالعشرات في العمليات الفدائية أو ما يسمى التفجيرات الانتحارية.. ويقول أبو أسعد إن "الإرهاب ينتج عن إرهاب آخر.. وإن الهجمات الانتحارية رد فعل على الإرهاب الإسرائيلي
"

يتتبع الفيلم مصير خالد وسعيد، وهما شابان فلسطينيان من مدينة نابلس في الضفة الغربية وقع اختيار جماعة فلسطينية - لم يذكر اسمها- عليهما لتنفيذ عملية فدائية في تل أبيب. وعندما لا تسير الخطة على ما يرام يضطر الصديقان لاتخاذ قرارٍ مرة أخرى بشأن مدى رغبتهما حقاً في المضي قدماً في تنفيذ العملية. وينتهي بهما الحال إلى اتخاذ قرارات مختلفة تماماً وغير متوقعة

وحسب الفيلم، فقد أقبل أحد الفدائيين على مهمته تكفيرًا عن الذنب الذي شعر به لأن أحد أقاربه تجسس لصالح إسرائيل، وعكست عباراته الضغوط المعقدة داخل المجتمع الفلسطيني

وبالرغم من موضوع الفيلم المثير للجدل، فإن فيلم "الجنة الآن" فاز بجائزة الكرة الذهبية "غولدن غلوب" في يناير 2007، الأمر الذي عزز فرص فوزه بأوسكار أحسن فيلم أجنبي، إلا إذا كان للمتحفظين على مضمونه رأي آخر

الطريف - وشر البلية ما يضحك- أن أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية مازالت تدرس كيف ستقدم الفيلم. فقد قال عنه موقع الأكاديمية على الإنترنت إنه من "فلسطين"، مما فجّر شكاوى إسرائيلية بدعوى أن دولة فلسطين لم تقم بعد

وإذا كان "الجنة الآن" أحد الأفلام المرشحة للفوز في فئته، فإنه واجه في الأسابيع الأخيرة انتقادات قاسية من قبل جماعات إسرائيلية وأمريكية يهودية قالت إن الفيلم يمجد المفجرين الانتحاريين بدلاً من تفسير سبب قيامهم بذلك. ورفضت دور السينما الإسرائيلية الكبرى عرض فيلم "الجنة الآن" بعد أن عبر خبراء التوزيع عن خوفهم من ضعف الإقبال على مشاهدة فيلم عمن يوصفون بالمفجرين الانتحاريين.. كما تحدثوا عن مقاطعةٍ محتملة للفيلم

وأرسلت مجموعة من الإسرائيليين الذين فقدوا أقارب لهم في عمليات تفجير التماساً وقع عليه 32 ألف شخص إلى الأكاديمية مطالبين باستبعاد الفيلم، وهو ما لم يحدث مع أي فيلم رُشِحَ لإحدى جوائز الأوسكار من قبل

إلا أن جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأمريكي ينتقد هذا التصنيف والجهود الإسرائيلية لجعل منشأ الفيلم السلطة الفلسطينية وليس فلسطين. وقال إن "المشكلة هنا هي أن الناس من إسرائيل ليسوا قانعين بالسيطرة على كافة أوجه الحياة الفلسطينية اليومية، بل إنهم يريدون التحكم في طريقة تصوير الفلسطينيين لأنفسهم في العالم الخارجي. يتعين عليهم أن يتركوا الناس يعبرون عن نفسهم".. إنها إذن محاولة للقتل بمسدس كاتم للصوت مع رفض أن يكون للضحية حق الشعور بالألم

المعلقة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية إيريت لينور كتبت مقالاً في الصحيفة هاجمت فيه الفيلم بعنف ووصفته بأنه "نازي". وذكرت في مقابلة أجرتها معه في هوليود إن أبو أسعد اشترط عدم استخدام كلمة "إرهابي" في المقابلة لوصف المفجرين الانتحاريين

يرى أبو أسعد أن"هذا الإرهاب ناتج عن إرهاب آخر. التفجيرات الانتحارية رد فعل على إرهابكم". ويقترح استخدام كلمة "عمل مضاد للإرهاب" بدلاً من ذلك. ويضيف أن "المحتلين والاحتلال هم الإرهابيون الحقيقيون.. الإرهاب الحقيقي يسرق حق الفلسطينيين في العيش أحرارًا على أرضه".. وهو هنا يحاول ضبط المصطلحات كي يبني عليها رؤيته

ويرتدي المخرج أبو أسعد ثوب الحكمة حين ينبه إلى أنه قبل "ثلاثين عامـًا لم تحدث تفجيرات انتحارية.. إنه قدٌر يغلي".. وربما يكون بركاناً قابلاً للانفجار في أية لحظة




استعاد مخرج الفيلم حادثة أحس فيها أنه تعرض للإذلال على حاجز قلندية قرب القدس، وهذا ما جعله يدرك ما يدور في عقول الناس الذين يتحولون لاحقاً إلى فدائيين.. أو "انتحاريين". يتساءل المخرج الذي ولد وترعرع في الناصرة، لكنه يقيم الآن في هولندا قائلاً:"هل تعتقدون حقيقة أنهم يقتلون من أجل قتل اليهود؟ تعالوا انظروا.. إنهم لا يختلفون عنكم كبشر. إذا كنتم تعتقدون أنهم يختلفون فهذه هي العنصرية"

ويرى مخرج "الجنة الآن" أن المساواة هي مفتاح حل النزاع. ويضيف أن "الحل سيأتي عندما تعترفون بالحقوق المتساوية لليهود والعرب على كل الأرض بما في ذلك تل أبيب والناصرة. وهذا يتضمن أيضـًا الاعتراف بحق العودة. بعد أن تعترفوا بهذه الحقوق يمكننا عندها اقتسام الأرض بالتساوي. هذا سيكون حلاً عملياً".. لكن هناك من ينكر حق الآخرين في الحياة بكرامة فوق أرضه

وربما تعيّن علينا أن نتأمل ما قاله أبو أسعد حين قيل له إنه قد يصبح أول إسرائيلي يفوز بالأوسكار، حيث رد قائلاً: "لست إسرائيلياً". وعندما قيل له: "ولكنك تحمل جواز سفر إسرائيلياً"، رد بالقول: "هذا صحيح، لكنني لست إسرائيلياً.. إسرائيل تسمي نفسها دولة يهودية وأنا لست يهودياً. إذا أصبحت إسرائيل دولة لكل مواطنيها، عندها يمكن أن أقبل بأن أكون إسرائيلياً.. لا يمكنني القبول بالدولة اليهودية طالما استمر الصراع على الأرض"





والصراع - كما نشهد جميعـًا- مستمر حتى إشعار آخر

ونطمئن المخرج أبو أسعد من الآن بأنه وفق هذا المنطق ربما لن يكون إسرائيلياً في المدى المنظور

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "الأوسكار.. من ميونيخ إلى الجنة"

أكتب تعليقا