خيانات ذهبية (10): لحظة الحقيقة

| |







في الدراما أيضـًا، كان الانتحار بطلاً.
بداية، سنجد عددًا لا يستهان به من الأفلام العربية يحمل في طياته كلمة "انتحار"، مثل "انتحار صاحب الشقة" (1986) إخراج أحمد يحيى وبطولة نبيلة عبيد وكمال الشناوي، و"انتحار مدرس ثانوي" (1989) إخراج ناصر حسين وبطولة حسين فهمي وإحسان القلعاوي وهياتم وعفاف شعيب، و"قبل الوصول لسن الانتحار" (1988) إخراج شفيق شامية وبطولة شكري سرحان وكمال يس وفايزة كمال.
في رائعة نجيب محفوظ "بداية ونهاية" التي تحولت إلى عمل سينمائي، كان الشر هو الاغتصاب المؤدي إلى الانتحار، حيث يأخذنا المخرج الكبير صلاح أبو سيف الذي كان عاشقـًا لملامح صلاح منصور إلى "نفيسة" العانس - التي جسدت سناء جميل دورها ببراعة- تقع في الخطيئة مع صلاح منصور. وما إن يكتشف شقيقها أمرها حتى يسارع إلى اصطحابها إلى النيل لتنتحر، قبل أن ينتحر هو أيضـًا.
وفي فيلم "زوجة رجل مهم" (1988)، ينتحر الضابط القاسي (أحمد زكي) برصاصة في الرأس، بعد أن يقتل والد زوجته (ميرفت أمين) برصاصة من مسدسه. مشهد مؤثر أداره المخرج محمد خان باقتدار ليضعنا أمام نهاية لا تخلو من دلالة لسطوة الأمن وعجزها لحظة الحقيقة.
في فيلم "يوم مر ويوم حلو" (1988) إخراج خيري بشارة وبطولة فاتن حمامة ومحمد منير وعبلة كامل وسيمون، نتابع حكاية عائشة، الأرملة التي توفي زوجها وترك لها خمسة أطفال، سناء وسعاد ولمياء وأسماء ونور. تتزوج الابنة الكبرى سناء من عرابي النجار العائد من الخليج. لا يتكفل عرابي بشيء، ولأن الأم تريد ستر بناتها فإنها توافق على عيشه معهم في غرفة داخل الشقة، لكنه يتصرف كأنه صاحب البيت وتطفح عليه شخصيته المنحرفة بلعب القمار وتدخين المخدرات في البيت، ثم يتحرش بالابنة الثالثة لمياء ويقيم معها علاقة آثمة. وعندما تكتشف زوجته الحقيقة تقدم الشقيقة على الانتحار بحرق نفسها.
الانتحار هنا خوفٌ من الفضيحة وشعورٌ متعاظم بالذنب.
في فيلم "بئر الخيانة" (1987) إخراج علي عبدالخالق وبطولة نور الشريف وعزت العلايلي، تدور أحداث الفيلم في إطار ملفات المخابرات المصرية حول جابر عبدالغفار علي، العامل في ميناء الإسكندرية الذي يعيش حياته من سرقة البضائع في الميناء، ويحاول جاهدًا استرضاء زوجته غزالة. غير أن الأمور تضيق به بعد القبض عليه وترحيله لأداء الخدمة العسكرية، فيقرر الهروب من الجيش وبعدها إلى إيطاليا. ذات يوم يدخل السفارة الإسرائيلية بحثـًا عن عمل، لتصطاده المخابرات الإسرائيلية وتبدأ في تجنيده، إلى أن يسقط ويفتضح أمره. في النهاية، ينتحر جابر فيقول العقيد نادر لاشين عنه إنه "عاش خاين ومات كافر".
وفي مسلسل "الخواجة عبدالقادر" بطولة يحيى الفخراني وسوسن بدر ومحمود الجندي، تستوقفنا محاولة انتحار "الخواجة". ففي الحلقة الثالثة من المسلسل (تأليف عبدالرحيم كمال، وإخراج شادي الفخراني) نتابع كيف تسيطر الرغبة في الموت على الخواجة عبدالقادر، مما يدفعه إلى محاولة الانتحار، لكن الخادم الأسمر فضل الله ينقذه في اللحظة الأخيرة. ويغضب الخواجة عبدالقادر من فضل الله لأنه أنقذ حياته، لكنه لا يخفي إعجابه بهذا الخادم لأنه صريح[1].
وفي عام 2011، أقفلت بعض المسلسلات الدرامية السورية، في خواتيم قصصها الاجتماعية، على فكرة انتحار بعض شخصياتها السلبية حلاً نهائيـًا لمأساة هذه الشخصيات التائهة، للتخلص من عبء وجودها الاجتماعي الخارج عن أخلاقيات الجماعة البشرية. أما الإقدام على الانتحار في مسلسلات أخرى، فكان لإنعاش الشخصية أساسـًا، وإعادتها إلى الحياة، في حين كان تناول الانتحار كوميديـًا يؤدي وظيفة السخرية من المجتمع.
ففي مسلسل "العشق الحرام"، لمؤلفه بشار بطرس ومخرجه تامر إسحاق، يختار الأب الخارج عن فلسفة المجتمع الأخلاقية - الذي لعب دوره عباس نوري- الانتحار نهايةً تراجيدية، بعد أن اصطدمت نزواته بالضوابط الاجتماعية.
ولا يبتعد سامر رضوان كاتب هذه مسلسل "الولادة من الخاصرة" (إخراج رشا شربتجي) عن فكرة الانتحار للقضاء على "واصل"، الذي يجسّد دوره سلوم حداد. وهو رجل أعمال ثري يملك معملاً للأقمشة. وعلى الرغم من أنَّ "واصل" رجل متسامح في بعده الإنساني، فإنه يعاني عذابـًا نفسيـًا، وشعورًا بالذنب، مما أودى به إلى اقتراف فعل الانتحار، فيرمي بنفسه من مكان مرتفع وينهي حياته.
وفي مسلسل "الغفران" للكاتب حسن سامي يوسف والمخرج حاتم علي، تقدم "وفاء" على الانتحار، بعد أن كسر "محمود" قلبها وفكّ ارتباطه ومشروعه بالزواج منها. وهنا فكرة الإقدام على الانتحار، بابتلاع كمية من حبوب الأسبرين، تودي بها إلى المستشفى، حيث يتمّ إسعافها من قبل أخويها، وبالتالي إسعاف الكاتب في خدمة فكرته الجوهرية في المسلسل، وهي "الغفران".
وتناولت سلسلة "بقعة ضوء" الكوميدية (للمخرج عامر فهد، والتي كتب لوحاتها مجموعة من المؤلفين، تحت إشراف مازن طه) فكرة الانتحار في إحدى لوحاتها. وكانت الفكرة في جوهرها بعيدة بطبيعتها عن التراجيديا؛ إذ تقوم على إقدام شابين، لم يجدا عملاً، على رمي نفسيهما من أعلى جبل قاسيون، ولكن بقالب كوميدي يرمز إلى شقاء جيل واسع من الشباب في بحثه عن فرص العمل. وبغض النظر عن الطريقة الساخرة في اختيار الشابين لكتابة الوصية قبل مماتهما (وهي أشبه ببيان صحفي يعلنان فيه عن رفضهما لحياتهما القاسية). ورغم أنهما مقبلان على الموت، فإنَّ صياغة الوصية مليئة بالخوف من البوح بكلمات لا يرضى عنها رجال الأمن[2].

هوامش:


[1] سما أشرف، الخواجة عبدالقادر يحاول الانتحار في الحلقة الثالثة، موقع "البديل" الإلكتروني، 23 يوليو 2012.
[2] عبدالحسيب زيني، الانتحار في الدراما.. تخاطر بين المؤلفين وحلول حتمية للخلاص من الشخصية، جريدة "بلدنا"، دمشق، 6 سبتمبر 2011.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "خيانات ذهبية (10): لحظة الحقيقة"

أكتب تعليقا