دهشور يا أسيادنا!

| |










في حوادث القطارات، فتش عن القاسم المشترك.
وفي حادثي "العياط" و"دهشور" اللذين حصدا مئات الأرواح من المصريين الذين عاشوا وهم الأمن والسلامة في وسائل النقل العامة، قاسم مشترك واحد وحيد، اسمه: إبراهيم الدميري.
بعد 11 عامـًا من استقالته من منصب وزير النقل إثر كارثة حريق قطار العياط، أو ما عُرِفَ إعلاميـًا بقطار الصعيد والذي راح ضحيتها 364 مسافرَا وتعد الأسوأ من نوعها في تاريخ السكك الحديد المصرية منذ أكثر من 150 عامـًا، ها هو الدميري يعود على رأس فاجعة جديدة بحادث قطار دهشور.
يقولون إنه وزير النقل الأسوا حظـًا في تاريخ الوزارات المصرية، لكن هل هي مسألة حظ أم مشكلة شطارة؟
لنعد عقارب الساعة قليلاً إلى الوراء.
بعد تعيينه وزيرًا بشهر واحد في نظام مبارك، وقع حادث الطائرة "بوينغ بي 767- 300" التابعة لمصر للطيران، والتي سقطت قبالة السواحل الأميركية، أثناء قيامها بالرحلة رقم 990 وعلى متنها 217 شخصـًا بينهم قادة المستقبل للقوات المسلحة وخيرة شبابها؛ لم ينج منهم أحد.
إلا أن الحادث الأبرز في تاريخ الدميري في السلطة التنفيذية كان كارثة قطار العياط التي حصدت أرواح مئات المصريين حرقـًا وتفحمـًا، وإصابة ما يناهز 500 آخرين، داخل القطار رقم ‏832، الذي لم يكمل رحلته التي انطلقت من القاهرة للصعيد، صبيحة يوم 20 فبراير عام 2002، حيث احترق أثناء مروره بالعياط، في حادث وصفته وسائل الإعلام المحلية والعالمية بأنه "الكارثة الأكبر في تاريخ سكك الحديد المصرية والعالمية أيضـًا".
حادثة قطار العياط أطاحت بالدميري، الذي يعد أحد العلماء في مجال النقل والمواصلات، وهو أستاذ زائر في مجال النقل والمرور في أكثر من جامعة أميركية وأوروبية وعربية وخبير مسجل في تخطيط النقل والمرور بالأمم المتحدة والبنك الدولي منذ عام 1983، وله ما يقرب من 66 بحثـًا منشورًا في الخارج والداخل وأكثر من 100 دراسة.
غير أن الدرس الذي تعلمناه جميعـًا عنوانه الرئيسي: النظرية شيء، والنطبيق شيء آخر.
سعى الدميري عقب الكارثة إلى امتصاص الهجوم على وزارته والدفاع عن سياساته إثر احتراق قطار الصعيد بركابه ومعظمهم من البسطاء الذين كانوا عائدين إلى قراهم ونجوعهم لقضاء إجازة عيد الأضحى مع أسرهم، قبل أن يقع الحادث المأساوي عند مدينة العياط بالجيزة. فقد جاء الدميري من كندا وهو عاقد العزم على عقد مؤتمر صحفي، غير أن وزير التنمية المحلية مصطفى عبدالقادر كان فـي انتظاره على سلم الطائرة، ليطلب منه الخروج من المطار من بابٍ جانبي باتجاه مجلس الوزراء لتقديم استقالته بناء على تعليمات الرئيس حسني مبارك، قبل أن يتم إلغاء المؤتمر الصحفي للوزير.. الذي أصبح سابقـًا.
بعد سنوات من استقالته، قال الدميري: كان لا بدّ أن أرحل لتهدئة الرأي العام.. استقالتي لا تعد هروبـًا، ولكنها كانت من واقع إنساني. وفـي نهاية كلامه، أكد الوزير أن المسؤول عن الحادث هو مَن أعطى القطار التصريح بالخروج من دون توافر وسائل الأمان.
لم يكن هذا كل شيء؛ إذ إنه بعد أن توارى اسم الدميري عن المشهد السياسي، عقب تقديم استقالته من منصب وزير النقل إثر كارثة قطار الصعيد، عاد من جديد إلى صدارة المشهد السياسي، بعودته إلى منصبه القديم في الحكومة الانتقالية التي شكّلها رئيس الوزراء حازم الببلاوي في يوليو 2013.
عزز هذا الاختيار الانتقادات الموجهة لحكومة الببلاوي، بأنها تستعين بكبار سن حقبة مبارك، ووجوه ما قبل الثورة. والأهم هو أن الاختيار بدا غير موفق بأي حال، على الأقل بالنسبة لذاكرة المصريين التي يرتبط اسم الدميري لديها بحوادث القطارات ذات الطابع الكارثي.
بعد عودة د. إبراهيم الدميري إلى منصب وزير النقل، تحدث الرجل في لقاءات تليفزيونية عن خطة تطوير سكك حديد مصر بما يناسب احتياجات الشعب، لافتـًا إلى وجود 875 مزلقانـًا قانونيـًا، وحوالي 3650 مزلقانـًا غير قانوني، أنشأها الأهالي دون أخذ تصريح رسمي بذلك. وأضاف أنه وضع خطة سريعة وعاجلة لتطوير المزلقانات، وأنه تقاسم العمل مع القوات المسلحة التي تعهدت بتجديد 27 مزلقان، عارضـًا فكرة إنشاء كباري علوية فوق المزلقانات منعـًا لتصادم القطارات مع السيارات والمارّة. وأشار إلى تنفيذ وزارة الإنتاج الحربي خطط تطوير 295 مزلقانـًا، فيما أخذت شركات الطرق التابعة للوزارة على عاتقها مسؤولية تطوير 297 مزلقانـًا.
وبعد بضعة شهور من عرض الرؤية كاملة، وقع حادث قطار مزلقان دهشور، الذي راح ضحيته 27 قتيلاً في الساعات الأولى من صباح 18 نوفمبر 2013.
كارثة إضافية سقط فيها أطفال ورجال ونساء تحت عجلات قطار مندفع عند مزلقان يسكنه الإهمال.
بعد الكارثة، قدم الدميري تعزيته الواجبة لأسر الضحايا، قبل أن يُحمّل الضحايا أنفسهم مسؤلية الكارثة باعتبارهم مسؤولين عن العبور الخاطئ في المزلقان. ثم انطلق الوزير مكررًا وعوده الخلابة بتوفير رؤية كبيرة لتطوير السكك الحديد في مصر، ورفع الكفاءة وزيادة عوامل الأمان في المزلقانات، ولم ينس أن يجدد مطالبته بإنشاء كباري علوية عند المزلقانات منعـًا لتصادم القطارات بالسيارات.
وسواء بقي الوزير الدميري في منصبه أم رحل لتهدئة الرأي العام، فإن المشكلة تبقى قائمة؛ لأننا لم نتحرك خطوة واحدة على الطريق الصحيح لتطوير قطاع السكة الحديد في مصر.
دعونا نتذكر أن الدميري هو أحد ثلاثة وزراء نقل أطاحتهم حوادث القطارات في مصر خلال أقل من 10 سنوات، شهدت أيضـًا إقالة 4 رؤساء لهيئة السكة الحديد. فقد أطاحت كارثة احتراق قطار العياط، د. إبراهيم الدميري، وزير النقل وقتها، والمهندس أسامة الشريف، رئيس هيئة السكة الحديد، وفي أغسطس 2006 تسببت حادثة قطار أبو حمس في إطاحة المهندس حنفي عبدالقوي من رئاسة الهيئة، بعد مقتل 56 راكبـًا في حادث التصادم بين قطارين.
وفي أكتوبر 2009 تسبب اصطدام قطارين بمدينة العياط في إطاحة المهندس محمد منصور، وزير النقل وقتها، والمهندس محمود سامي من رئاسة الهيئة، بعد مقتل 18 راكبـًا جراء الحادث. وفي 17 نوفمبر 2012 أدت حادثة اصطدام قطار بحافلة مدرسية في منفلوط بأسيوط إلى إطاحة الدكتور محمد رشاد المتيني، وزير النقل، والمهندس مصطفى قناوي، رئيس الهيئة .
وإذا كان من نافلة القول إن أحدًا لا يستحق أن يجلس على مقعد وزير النقل ودماء الناس تسيل على القضبان، فإن الإقالات والاستقالات لا تبدو العلاج الناجع لمشكلةٍ معلومة ومآس متكررة.
ومن العبث استمرار الطريقة العقيمة التي تتعامل بها الدولة المصرية مع أزمات قطاع السكة الحديد. فقائمة ردود الفعل باتت معروفة لا تتغير؛ إذ تشمل استقالة عدد من كبار مسؤولي السكة الحديد (ووزير النقل في حالة جسامة الكارثة)، وإحالة عدد من صغار العاملين بسكك حديد مصر للنيابة ومعاقبتهم إداريـًا أو جنائيـًا.
يعقب ذلك – عادة- خروج عدد من المسؤولين ليعلنوا على الملأ خططـًا طموحة لتطوير السكة الحديد في مصر وضخ استثمارات ضخمة فيها وشراء أحدث المعدات والتجهيزات سواء من قطارات أو من أجهزة أخرى لازمة لتشغيل السكك الحديدية. وقد أضيف إلى القائمة أخيرًا دراسة إنشاء خطوط فائقة السرعة تربط بين شمال البلاد بجنوبها، وكذا إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل السكة الحديد.
وفي كل مرة لا يخلو الأمر من ظهور حملة انتقادات واسعة للسكة الحديد، يحاول العاملون فيها التصدي لها بإلقاء اللوم تارة على سلوكيات المواطنين وتارة أخرى على تهالك معدات السكة الحديد وقِدمها.
القضاء المصري أصدر حُكمـًا شهيرًا فـي قضية حادث احتراق قطار العياط، حيث برأت المحكمة جميع المتهمين الأحد عشر فـي هذه القضية. لم تكتف المحكمة بذلك، بل ألقت بالمسؤولية على عاتق هيئة السكة الحديد وأسلوب إدارتها وشرطة النقل والمواصلات، وبرأت المتهمين الذين يعدون من صغار الموظفين بالهيئة، والذين كانوا ما بين رئيس قطار، ومُلاحِظ، وعامل وردية.
براءةٌ، جعلت الناس يتساءلون: ولكن، أين الجاني؟ ولماذا لم ينل جزاء جريمته التي أودت بحياة هذا العدد الضخم من الركاب.
المستشار سعد عبدالواحد رئيس محكمة جنايات الجيزة التي برأت المتهمين الأحد عشر، انتقد رئيس الوزراء المصري د. عاطف عبيد الذي قال إنه أخذ يصرح ويدلي بتصريحاته منذ وقوع الحادث عن السبب. وانتقد رئيس المحكمة أيضـًا الإعلام المصري الذي قال إنه أصدر أحكامـًا قبل أن يقول القضاء كلمته. ووصف رئيس محكمة جنايات الجيزة تقرير اللجان الفنية "بالميوعة"؛ إذ لم يقطع وبنسبة عالية أي سببٍ من الأسباب الثلاثة التي ذكرها لوقوع الكارثة، وتضمن فقط الإشارة إلى أن موقد الكيروسين قد يكون السبب بنسبة 75%، وترك نسبة 25% مفتوحة لأي سببٍ آخر للحادث.
هكذا يقطع المواطن يوميـًا تذكرة ذهاب بلا عودة على قضبان الموت، فعربات القطارات تحولت إلى نعوش طائرة، وأشباح الضحايا السابقين تطارد أقرانهم الأحياء في رحلة إلى العالم الآخر بثمن بخس.
عناصر المأساة معروفة: إهمال وتقاعس وفساد، فجريمة تودي بحياة عشرات الأرواح لا تساوي في مصر سوى بضعة آلاف من الجنيهات، لا تساوي قطرة دم واحدة تسال، أو تضاهي دمعة أم تبكي نجلها، أو زوجة ترثي والد أبنائها.
5 آلاف جنيه ثمن التعويض عن الضحية الواحدة في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، عندما فقدت مصر 50 طفلاً في حادث قطار منفلوط، ليصبح التطور الحكومي للتعويض من عهد حكومة هشام قنديل إلى حكومة حازم الببلاوي هو 20 ألف جنيه للضحية، وهو ما أعلنت عنه الحكومة كتعويض لضحايا قطار دهشور.
في كثير من بلاد العالم، يعد مرفق السكك الحديد من المرافق التي تدر أرباحـًا ومكاسب، بفضل حُسن التخطيط وانتظام الصيانة، واستثمار محطات القطارات على نحو تجاري، وهو ما يغيب عن أذهان الحكومات المصرية، التي عجزت عن استئصال الفساد والقضاء على الإهمال في هذا المرفق الحيوي، ومنع تكرار جرائم سرقة مخازن الهيئة ومعدات القطارات وقضبان السكك الحديد، الأمر الذي تنزف معه موارد الدولة مليارات الجنيهات سنويـًا.
السؤال هو: ما الحل؟
البداية من الإصلاح، ووضع يدنا على أهم أسباب حوادث القطارات، والمقصود بذلك هو المزلقانات التي تؤكد دراسات أنها السبب وراء أكثر من 70% من حوادث القطارات في مصر. هذه المزلقانات المنتشرة بشكل مفزع ليس له مثيل في العالم، هي ثغرة ينفذ منها الموت المجاني إلى مدن مصر وريفها، علمـًا بأن معظم تلك المزلقانات ليست قانونية وإنما أنشأها الأهالي بأنفسهم، أو حصل نوابٌ وقيادات في الحزب الوطني المنحل على تصريح بإنشائها مجاملة للناخبين في هذه المدينة أو تلك البلدة!
ثم تأتي قضية الاعتمادات المالية اللازمة للتطوير الجاد والشامل.
ويشير تقرير أعده عددٌ من بيوت الخبرة العالمية لصالح وزارة النقل، إلى أن السكة الحديد تحتاج إلى 5 مليارات جنيه سنويـًا لمدة 20 عامـًا (أي بإجمالي 100 مليار جنيه) حتى تنتهي مشكلاتها تمامـًا، التي تتركز في الإشارات والعربات والجرارات والبنية التحتية التي تشمل المحطات والأراضي والأصول.
ويوضح التقرير الدولي المذكور أن خطوط السكة الحديد بمفردها، البالغ طولها 1500 كيلو تحتاج إلى 40 مليار جنيه من إجمالي المبلغ المعتمد بمتوسط ملياريّ جنيه سنويـًا، لتحويلها من النظام اليدوي إلى نظام الإشارات، فضلاً عن 1.25 مليار جنيه لإعادة تجديد الخط المكهرب بين القاهرة والإسكندرية، منوهـًا بأن النظام المكهرب يسمح بإيقاف القطارات وتوجيهها في أوقات الطوارئ، ويقلل من الأخطاء البشرية.
ويؤكد التقرير أن تطوير العربات وصيانة الخطوط والجرارات والبنية التحتية وتحسين الدخول وتطوير العمالة وتجهيز الكوادر البشرية، يحتاج إلى 3 مليارات جنيه سنويـًا.
وحسب هذا التقرير الدولي، فإن وضع السكة الحديد في مصر ليس جيدًا على الرغم من كونها ثاني أقدم سكة حديد في العالم. ويوضح أن الحكومة لم تضخ أي استثمارات منذ ما يزيد على 25 عامـًا، باستثناء ضخ نحو 5 مليارات جنيه (ما يعادل 950 مليون دولار) عام 2007، منبهـًا إلى أن هذا المبلغ "لا يكفي لانتشالها من جميع مشكلاتها، التي ظهرت معالمها في جميع القطاعات، متمثلة في تدهور مستوى العربات والخدمات المقدمة فيها والجرارات المتهالكة والخطوط والمحطات والكفاءات البشرية" .
وتشير التقارير إلى أن وزارة النقل طلبت في عام 2006 مبلغ 11 مليارًا و389 مليون جنيه لتنفيذ خطتها، التي تستمر لمدة 10 سنوات، وتم تقسيمها إلى مرحلتين مدة كل منهما 5 سنوات، لكن الحكومة اعتمدت 5 مليارات فقط، وطلبت من وزارة النقل البحث عن وسيلة أخرى لاستكمال بقية مشروعاتها، التي توقفت بسبب استقالة المهندس محمد منصور، وزير النقل الأسبق، على خلفية حادث قطار العياط عام 2009، أو نقص الاعتمادات المادية بعد ثورة 25 يناير 2011.
المفارقة المؤلمة أن الهيئة القومية للسكة الحديد أعادت ما يوازي 3 مليارات و61 مليون جنيه، أي 26% من ميزانيتها خلال عام 2012، إلى الدولة بعد عدم استغلالها، وهو ما يعني وجود مخصصات مالية تزيد على حاجة الهيئة بالرغم من الحاجة الماسة للتطوير والإصلاح.
ونبَّه التقرير إلى أنه في الوقت الذي لم ينفق فيه المسؤولون بالهيئة كامل المخصصات المالية لها، اتجهت الحكومة إلى الاقتراض الخارجي بحجة تطوير الهيئة، حيث استدانت الحكومة 600 مليون دولار من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، بحجة إصلاح منظومة السكة الحديد، كما حصلت في سبتمبر 2011 على قرض قيمته 330 مليون دولار كان مخصصـًا لتطوير خط بني سويف - أسيوط، "نفس الخط الذي وقع به حادث أسيوط الذي أودى بحياة 50 طفلاً، بسبب سوء نظام إغلاق المزلقانات".
المشكلة معروفة، غير أن الإهمال يغمض عينيه عنها ويتذرع بنقص التمويل، وخسائر خدمات النقل، فـي حين كانت هذه الخدمات والمرافق تحقق أرباحـًا قبل أن ينهشها الفساد ويعشش فيها الإهمال الحكومي المعروف.
وبدون المواجهة الجادة مع مشكلات قطاع نقل مهم مثل السكك الحديد، سنستيقظ بين فترة وأخرى على مزيد من كوارث القطارات، ونعيد تكرار الكلام نفسه الذي لا ينهي مأساة بلدٍ لا يتقن شيئـًا بقدر إجادته إهدار الموارد وإعادة إنتاج الكوارث بفضل ثالوث الفساد والإهمال وسوء الإدارة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "دهشور يا أسيادنا!"

أكتب تعليقا