رئيس الفرص الضائعة: مرسي بين مصر والجماعة

| |






هذا كتابٌ عن أفكار وحقائق ربما غامت أو غابت، في عام الفرص الضائعة، الذي شهد رئاسة محمد مرسي لمصر.
لقد أدار مرسي ظهره لوعودٍ أبرمها مع القوى الوطنية التي ساندته حتى انتُخِبَ رئيسـًا لمصر، واختار تمرير أجندة الجماعة على حساب مصلحة مصر العليا، وواصل بأخطائه الجسيمة حفر فجوة عميقة بينه وبين عامة المواطنين، مرة تلو الأخرى، حتى استنفد مرات الرسوب.
وفي فترة زمنية قصيرة، أهدر مرسي الفرصة التاريخية التي أتيحت له ولجماعته للمشاركة في حُكم مصر بجبهة وطنية عريضة تعمل على إعادة مصر إلى موقعها الطبيعي في قيادة أمتها العربية وفي دورها الريادي الذي تستحقه في محيطها.
توهم قادة جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولهم إلى السلطة بمصادفةٍ قدرية أن مصر دانت لهم، ونسوا أن صندوق الانتخابات ليس المنتهى في الديمقراطية، وأنه ليس أكثر من فاتحة تتلوها أفعال كثيرة أهم بكثير من الأصوات التي تم حصدها. هكذا رأينا منهم الصلف والتعالي والإقصاء، بل وازدراء الآخرين، والكذب والمراوغة والإنكار، ووجدناهم يستقوون على شعبهم بقوى التعصب من الظلاميين الجدد، فإذا بهم يُكفّرون معارضيهم ويُلوثون سمعتهم، ويحنثون بالقسم ويخلفون الوعد والعهد، حتى تصدى لهم الشعب الذي ظل - رغم كل شيء- على حيويته وجرأته وكبريائه.
إن مصر التي كانت مضرب المثل في صلابة وحدتها الوطنية كادت في عهد مرسي تفقد طريقها إلى مستقبلها؛ إذ أصبحت مشغولة بهمومها الناتجة عن استيلاء تنظيمات الإسلام السياسي على السلطة فيها، وبات المجتمع يختزن من المرارات والضغائن ما لم  يعرفه عبر تاريخه، وتوغل البؤس في عظام النخب السياسية المحنطة ولحمها، ليدخل كثيرون في قفص القنوط واليأس من أنفسهم وبلدهم. 
وفي ظل مرحلة تآكل الدولة الوطنية وانهيار سيادتها، والسقوط في فخ المذهبية والطائفية، أراد بعض أصحاب النظر العليل والكليل، ممن يرعون مصالح التنظيم والجماعة، لا مصلحة الأوطان والدول، أن يكون شعب مصر ضمير الغائب والمنسي، إلا في مواسم الانتخابات وطقوس الاستفتاءات.
وأغفل هؤلاء أن من حق الشعب أن يؤسس نظام الحُكم الرشيد، الذي يستمد شرعيته من الشعب، باعتباره مصدرًا للسلطات، الذي يصدر القرارات والأحكام القضائية، وتُنفذ باسمه، والسلطة الحاكمة تستمد منه شرعيتها، وتخضع لإرادته، ومسؤولية نظام الحُكم وصلاحيته أمانة يحملها لصالح الشعب وليست امتيازات، يتحصن النظام خلفها.
أسقط الشعب حُكم الإخوان كمشروع للتغيير في الوطن العربي، وخرج عن بكرة أبيه تعبيرًا عن الرفض المطلق لديكتاتورية حُكم الحزب الواحد، ورفض الطروحات التي تستغل الشعار الديني لتكفير المعارضين، أي الأكثرية الساحقة من المصريين. وبدلاً من مراجعة الذات لتدارس أسباب فشلهم في تجربة الحُكم، تفرغ الإخوان المسلمون لصناعة المظلومية، والبكاء على أطلال السلطة، واستعادة الشعور بالاضطهاد، والحديث عن مؤامرة عليهم، مع التحريض على ارتكاب أعمال عنف حينـًا والتورط في جرائم قتل وسحل وتعذيب العشرات من خصومهم حينـًا آخر.
أساء هذا التنظيم قراءة ضمير الشعب المصري، وواصل التصرف بعقلية مرحلة العمل السري، واستدعى رموز العنف التاريخي ليجددوا العهد والقدرة ويلوحوا بالعنف ويهددوا عموم المصريين، حتى سقطت الجماعة سقوطـًا مروعـًا، بعد أن قرر الشعب استنقاذ مصر من حُكم التنظيم الذي يصر على أن يبقى في العتمة،  وتمرد على حاكم نسي أن المصادفات أوصلته إلى الرئاسة، وأنه انتُخِبَ بالاضطرار وليس بالانضباط الحزبي، وأن أكثر من نصف الذين اقترعوا له فعلوا ذلك مرغمين، منعـًا لوصول منافسه إلى سدة الحكم.
والحقيقة التي تؤكدها الوقائع الثابتة، أنه طرأ تغيير عميق على رؤية العامة لتيار "الإسلام السياسي"، بدءًا من فترة إدارة المجلس العسكري شؤون البلاد، وصولاً إلى انتخاب محمد مرسي كأول رئيس مدني للبلاد. فقد اتضحت الهوة بين الشعار والتطبيق، وبدا الانحياز للأهل والعشيرة فاضحـًا، وسوء الإدارة فادحـًا. كما ثبت بالدليل القاطع أن ممارسات جماعة الحُكم في عهد الإخوان تُبدد مكتسبات الثورة، فلا الحريات تكرّست، ولا الكرامة تحققت، ولا فرص العمل توفرت ولا العدالة تجسّدت، ولا غضب الشباب المهمّش تم احتواؤه، ولا الكرامة الإنسانية جرى إعلاؤها عملاً لا قولاً.
هكذا بدأ نزع الأساطير المؤسسة لحُكم الإخوان المسلمين.
لقد أسهم الإخوان المسلمون في التعجيل بطي صفحة الجماعة كقوة مؤهلة للحُكم، فلا هم عرفوا كيف يحكمون، ولا هم عرفوا بعد سقوطهم المدوي كيف يراجعون تجربتهم، بعدما اكتووا بنيران الحُكم الذي فشلوا في أن يسوسوه، إلى أن عزلتهم قيادة الجيش بدعم شعبي.
إن الحُكم الرشيد يفرز عادة معارضة رشيدة، والحاكم العادل قطب جذب وليس قطب نفور. ونحن نتفق مع قول أبي اليزيد البسطامي: "إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويسير على الماء فلا تشهدوا له حتى تنظروا إلى عمله".
ولقد شهدنا على مدى عام كامل من حُكم الرئيس المعزول محمد مرسي، غياب الكفاءة في إدارة شؤون الدولة، وإقصاء الآخر وعدم القدرة على مد جسور التعاون مع المختلفين سياسيـًا وفكريـًا، والعجز عن إجراء الإصلاحات اللازمة لمؤسسات الدولة المختلفة.
شهرًا بعد شهر، ازدادت حالة عدم اليقين السياسي وضعف الاقتصاد في مصر، بعد أن وقفنا عند لحظة صراع بائسة تشتبك مع الماضي بدلاً من البحث عن المستقبل، وهو ما دفع أغلبية المصريين إلى الإحساس بمشاعر سلبية والاكتئاب بشأن طريقهم نحو الديمقراطية، وسط تراجع إمكانية ممارسة السياسة المسؤولة. وعبر أحداث وتجارب متلاحقة، راود المصريون شكٌ في أن دفة الحُكم تمتد من مقر الجماعة في المقطم إلى قصر الاتحادية، حيث الرئيس وجهازه الرئاسي.
ممرٌ جهنمي، يتسم بالتلون، ويوصم بالفشل، ويُتهم بالسعي لضمان ولاء أجهزة الدولة لا لتطهيرها.
ظل الرئيس يرفع المعاندة شعارًا في قضايا مختلفة بشكل مستفز، يشتت العقل الجمعي المصري ويهدر جهود التخطيط من أجل المستقبل. هناك مثلاً، وزير الثقافة المفروض، المرفوض من الشارع الثقافي، الذي كان محور معركة أخرى لا لزوم لها اضطر إلى خوضها المصريون، الذين استنزفتهم الحروب على جبهات عدة. هناك أيضـًا أزمة تعيين أحد قيادات "الجماعة الإسلامية"، التي ارتكبت مذبحة السياح الأجانب في الأقصر عام 1997، محافظـًا عليها، قبل أن يثبت الرجل وجماعته أنهم أعقل من الإخوان، بالاستقالة من المنصب.
ولا حاجة لنا للقول إن ما أصاب الجماعة الوطنية المصرية من تصدعات خلال عهد مرسي مهَّد الطريق لصدام مجتمعي وانقسام سياسي وتشاحن وصل إلى درجة الاقتتال، ليكتوي المصريون بنيران اللدد في الخصومة.
في مرآة الأحداث، تشكلت ملامح الرئيس السابق محمد مرسي على أنه رجلٌ في أزمة، لكنه لا يتصرف وفق مقتضياتها. في شهور حُكمه، تساقطت الدولة مثل قطع الليل المظلم، لكنه لم يكن يكف عن الحديث عن إنجازاته؛ وفي ذلك مغالطة جسيمة، "فالأثر في النهاية كافٍ للدلالة على المسير"، كما يقول العرب القدامى.
في خضم هذا كله، جرى استدعاء مشاهد وتجارب سابقة يذكرها الجميع، ولا يريدها أحد. هذه "الفزاعة"، التي استُخدِمت تلويحـًا وتلميحـًا، كانت أحد أسباب الارتباك في المشهد العام المصري. ولأن الخائفين يسهل اقتيادهم وتدجينهم، فإن هناك من عمل على نشر ثقافة الخوف وأوهام المؤامرة صباح مساء، وعمد إلى زرع بذور التوجس والتربص.
في المقابل، فإن الخطابات التي سعت بتلبيس إبليس إلى تزيين القبيح وتقبيح الصحيح، بدت شيئـًا لا يُطاق، في خطاب قوى قدمت نموذجـًا لرداءة السياسة حين تغيب عنها معايير النظر والتقييم الموضوعي.
هيمنت حالة العمى على الجماعة السياسية بشكل كبير؛ إذ رأى كل فريق من مصر ما يريد أن يراه فقط، والباقي لا وجود له؛ وأخذت كل جماعة تترصد لخصومها الأخطاء والنقائص، وتتلمس السلبيات من كل فج عميق.
ظل باب المزايدات مفتوحـًا على مصراعيه في مصر طوال عدة أشهر، ومزايدات السياسة لا سقف لها، ليصبح الموقف على قدر هائل من الاستقطاب بين طرفين كلاهما جانح عن التوازن. وكان حريـًا بالجميع الامتناع عن إبقاء الباب مفتوحـًا على مصراعيه لتفشي المطاعن في الخصوم السياسيين لمجرد أنهم يمتلكون رؤية مخالفة؛ لأن فيروس الاستقطاب الحاد يمهد دومـًا الطريق أمام ألسنة الحريق، التي تكتفي بالاشتعال الذاتي لتلتهم الحاضر والمستقبل على حد سواء.
هنا، برز سؤال: كيف نطمئن على الوطن وهؤلاء حكامه وهؤلاء نخبته؟
يعيبنا جدًا ألا نتعلم من أخطائنا، وأن تصبح لغة الإقصاء والتحدي هي السائدة بين أطراف الصراع، دون أن يظهر أحدٌ ليقدم لنا طريقـًا ثالثـًا يحقق الحد الأدنى من المطالب الوطنية.
وما عشناه طوال عام من حُكم الإخوان يشير إلى أنه في لحظة المسؤولية عن إخماد الشرر، تقاعس كثيرون، ممن يُفترض بهم أن يبادروا إلى تحويل مسارات الغضب إلى حوارات بناءة من أجل التوافق، ويناقشوا أوجه الخلاف بروح التعاون والتفاهم من أجل المصلحة الوطنية قبل أي شيء آخر.
على الدرب الشائك سار المصريون، حتى ملأ الحراك الشعبي هذا الفراغ السياسي، وأخذ زمام المبادرة، وانضمت إليه قوى المعارضة، حتى صار مطلب إسقاط حُكم الإخوان حشودًا بالملايين في شوارع مصر وميادينها، استجابت له في نهاية الأمر المؤسسة العسكرية، بعد أن تعهدت هذه المرة بعدم التدخل في شؤون السياسة والحُكم.
سيحفر التاريخ ثورتيّ 25 يناير و30 يونيو على صخوره الزاهية بالنور والحياة، بعد أن حطم الشعب قيود الصمت والخوف، وقرر استعادة إرادته وكرامته ووجهه الحضاري.
وبعد؛
إن إدارة المشهد السياسي تحتاج الآن إلى رُشد من كل الأطراف، والتزام بتطبيق العدالة الانتقالية، وإيمان بأن حقن الدماء هو فريضة الوقت. كل ما نريده في هذه المرحلة الفارقة هو التعامل مع الأحداث بما يليق بدولة تعي معنى وجودها وضرورات مسؤولياتها، وبما يتناسب مع الدور المنتظر للنخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وطن بحجم مصر ومكانتها. أمامنا الآن مهام كبيرة، يتصدرها معالجة كل أنواع المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان التي نالت من أطياف ومكونات عدة من المجتمع خلال النظامين السابقين، والعمل على عدم تكرارها مستقبلاً، ومعالجة جذور وأسباب الانقسام في المجتمع وجبر أضرار الضحايا، وصولاً للمصالحة الوطنية الشاملة.
وإذا كان كاتب هذه السطور يرجح كفة الرجاء على كفة القلق بشأن مستقبل مصر، فإن على جميع الأطراف والقوى إدراك حقيقة قوامها أنه لا بديل عن اللجوء إلى الشعب إذا كنا نريد أن نحقق نظامـًا ديمقراطيـًا يُعلي إرادة الناس على كل الإرادات.
نظام مرسي سقط لأنه أخفق في إنجاز وعوده، واليوم ليس هناك بديل عن الإنجاز السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يتطلع إليه المصريون.
ولنتذكر دائمـًا؛ يُعرف الرجال بالحق.. ولا يُعرف الحق بالرجال.

من مقدمة كتاب "رئيس الفرص الضائعة: مرسي بين مصر والجماعة"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013


تجدونه في:

القاهرة:

الشروق
ديوان
ألف
ليلى
عمر
 تنمية
الجمل
الشرق الأوسط

 الإسكندرية:

فكرة
الرملي
روايات

 طنطا:

المكتبة القومية

 دول عربية:


زين المعاني - الإمارات 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "رئيس الفرص الضائعة: مرسي بين مصر والجماعة"

أكتب تعليقا