خيانات ذهبية (6): عطر الموت

| |



شكل انتحار الشاعر والناقد المصري فخري أبو السعود (1910-1940) صدمة للأوساط الأدبية في مصر.
كان هذا الباحث الموهوب في مجال الأدب المقارن، مبتعثـًا في بعثة دراسية لإنجلترا (1932 - 1934)[1]. وحين عاد إلى الوطن وبصحبته زوجته الإنجليزية، التي تعرف عليها في رحاب الجامعة، وأنجب منها ولدين، أقام في الإسكندرية مع أسرته الصغيرة. وحدث أن سافرت زوجته إلى لندن مع ولديه، قبل نشوب نيران الحرب العالمية الثانية بأسابيع قليلة، فلما اشتعلت ميادين القتال في أوروبا عام 1939 واستهدفت الطائرات الألمانية المدن البريطانية الرئيسية وكان الولدان من بين الأطفال البريطانيين المرحلين إلى الولايات المتحدة، من أجل تجنيبهم الأخطار، فغرقت بهم السفينة جميعـًا[2].‏
أما زوجته فقد منعتها أجواء الحرب عن العودة ثانية إلى مصر، فانقطعت أخبارها عنه، ففقد صوابه وشجاعته معـًا.‏
وكانت هذه الحالة الأليمة، ضياع أسرته، سبب انتحاره حيث أطلق رصاصته من مسدسه على رأسه في أحد أيام شهر مارس من عام 1940 فكانت نهايته، وطويت صفحة أيامه[3].‏
لم يترك الراحل فخري وصيته كعادة المنتحرين، بل ترك بخط يده المرتعشة وعلى بياض الورق، بيتين من الشعر أحدهما للمتنبي والثاني لزهير بن أبي سلمى. أما بيت المتنبي فهو:‏
وإني لمن قوم كرام نفوسهم‏   ترفع أن تحيا بلحم وأعظم‏
أما بيت زهير فهو:‏
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش‏  ثمانين حولاً لا أبالك يسأم‏
وقد وضع كلمة ثلاثين بدلاً من ثمانين، ذلك أنه عندما أنهى حياته، وهو في حالة انهيار نفسي واكبه الاكتئاب الشديد، كان في حوالي الثلاثين من العمر[4].
وكان أحمد العاصي (1903- 1930) شاعرًا معروفـًا في عصره، وقد أصدر ديوانـًا يتيمـًا هو "ديوان العاصي" وكتب له أحمد شوقي مقدمة شعرية يشيد في أول بيت منها بالتشابه بين اسم العاصي ونهر العاصي الذي يتدفق في أرض سوريا.
التحق العاصي بمدرسة الطب في القاهرة، ولما أصيب بمرض الصدر هجر دراسة الطب، والتحق بكلية الآداب، وتخرج في قسم الفلسفة، ليعمل موظفـًا بمكتبة هذه الكلية.
انعكست حياته المرضية القاسية، وثقافته الفلسفية، وحساسيته الشعرية على قصائده، فجاءت متشائمة ذات نظرة عبثية إلى الحياة. وهذا الشاعر الذي حياه شوقي بقصيدة كان قد دعاه فيها إلى الكف عن الشكوى لأنه لا يزال شابـًا في مقتبل الحياة، انتحر وهو في السابعة والعشرين من عمره بعد أن أصدر ديوانه الوحيد عام 1926 وأصدر إلى جانبه رواية منشورة الآن هي "غادة لبنان"[5].
غير أن التعبير عن عالمه الحزين القاتم لم يفرج همه، فغلبته هواجسه، حتى أغلق نوافذ مسكنه في القاهرة، وأنهى حياته بيده تاركـًا قصاصة بخط يده يقول فيها: "جبان من يكره الموت، جبان من لا يرحب بذلك الملاك الطاهر. إنني أستعذب الموت، وهو لي كالعطر"[6].
ويحدث أحد مؤرخي حياته وهو الأديب الناقد محمد محمود زيتون بأنه انتحر بأن دهن جسمه بمادة كاوية ثم أوى الى فراشه. وظلت هذه المادة تأكل جسمه بالتدريج وتحرق الفراش ببطء، من الساعة التاسعة صباحـًا حتى الخامسة من اليوم التالي، حيث قضت عليه وأحرقت الحجرة.
ورمى الشاعر المصري صالح الشرنوبي (1924- 1951) بنفسه تحت عجلات القطار عام 1951 بعد أن ترك في جيبه ورقة توصي أهله بطباعة ديوانه، وقد كان شاعرًا رومانتيكيـًا صعلوكـًا رغم تعليمه الديني. فقد حصل على الثانوية الأزهرية من المعهد الأحمدي بطنطا عام 1947، لكنه فشل في الالتحاق بدار العلوم بعد أن اجتاز الامتحان التحريري، بسبب تعنت أستاذ الشريعة في الامتحان الشفهي للقرآن الكريم. التحق بكلية أصول الدين ثم هجرها بعد سبعة أشهر من الدراسة.
بعد عام من تركه كلية أصول الدين، عاد إلى بلطيم ليعمل مدرسـًا بالمدرسة الابتدائية. ترك بلطيم إلى القاهرة بعد أن رفض أبناء عمه يده في طلب شقيقتهم التي كان يحبها ويرى في ارتباطه بها نهاية كل متاعبه.
في القاهرة تعاطى كل ألوان الضياع، وعاقر كل ألوان الصعلكة، وكتب أروع وأبدع قصائد الشك والحزن والحرمان والموت سواء وهو مقيم بحجرة الدجاج على سطح أحد المنازل، أو وهو ملتجئ، بعد أن طردته صاحبة البيت لعجزه عن دفع الإيجار، إلى مغارة بجبل المقطم، أو وهو مقيم في بدروم تحت الأرض يخيل إلى داخله أنه يستنشق هواء قد سبق تنفسه حسب تعبير الدكتور عبد الحي دياب[7].
عمل مدرسـًا بمدرسة أجنبية للبنات هي مدرسة "سان جورج"، لكنه فصل منها لكثرة تخلفه وعدم التزامه بمواعيد الحضور والانصراف. مرة ثانية حاول الالتحاق بكلية دار العلوم ليلقى نفس النتيجة التي لقيها عام 1947، وعلى يد نفس أستاذ الشريعة. التحق بكلية الشريعة، لكنه سرعان ما هجرها لنفس الأسباب التي هجر بها كلية أصول الدين.
كتب عنه عدد من أبرز الأدباء المصريين مثل كامل الشناوي وصديقه صالح جودت، وقد قدم لأحد دواوينه علي أحمد باكثير، وقال عنه العقاد إنه "لو عاش لبزَّ شوقيا".
تعرف على الممثلين والممثلات وكتب أغنيات بعض الأفلام، كما أنه عرف وذاق كل خصائص عالم الفن إلى درجة التخمة. علم كامل الشناوي بمأساة الشاعر صالح الشرنوبي فعينه مصححـًا في جريدة "الأهرام" لتظل المأساة قائمة نتيجة لنمط الحياة التي قد استغرقت هذا الشاعر.
في إجازة عيد الأضحى عاد الشاعر إلى بلطيم لتكون النهاية الحزينة، ولتشيع بلطيم شاعرها يوم 17 سبتمبر 1951.
الشاعر المصري منير رمزي (1925- 1945)، كان بدوره مهمومـًا بفكرة الموت في قصائده، وهو ما نلمسه في مجموعته الشعرية الوحيدة "بريق الرماد" التي نشرت بعد رحيله عام 1997. انتحر بإطلاق النار على نفسه في 25 مايو 1945 بسبب قصة حب فاشلة، بعدما كتب على قصاصة ورق: "أنا هارب".
يقول في قصيدته "أنا الغريب":
"أهيم بين مجالس الموتى
هامسـًا في آذانهم
بأغانيّ التي لا معنى لها،
أرسلها في خفوت
خائفـًا إيقاظهم،
ثم أجلس في صمت"[8].
وفي قصيدته "في الليل الأبدي"، يقول:
"نهاري قصير، ولكن ليل أبدي..
ليلٌ مرّت أطرافه،
لم تعكس صفحة قلبي شعاعـًا واحدًا
لكوكب من كواكبه..
أسدلت عينيّ حتى لا يروعني،
ما يحوطني من ظلام"[9].

هوامش



[1] خيرالدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1990.
[2] عبدالعليم القباني، فخري أبوالسعود (1910 - 1940) حياته وشعره مع ملامح من عصره وإشارات إلى آثاره النثرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973.
[3] محمد عبدالغني حسن، أعلام من الشرق والغرب، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950.
[4] هاني الخير، اليوم الأخير في حياتهم.. فخري أبو السعود.. الرحيل المبكر، جريدة "الثورة" السورية، 1 أبريل 2010.
[5] زكي محمد مجاهد، الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية، مكتبة مجاهد، القاهرة، 1963.
[6] معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، ط2، القاهرة، 2002.
[7] صالح الشرنوبي، ويكيبيديا.. الموسوعة الحرة الإلكترونية.
[8] منير رمزي، بريق الرماد، دار شرقيات للنشر والتوزيع، 1997.
[9] المرجع نفسه.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (6): عطر الموت"

أكتب تعليقا