خيانات ذهبية (5): المبتسرون

| |




قائمة مشاهير المنتحرين العرب تضم أيضـًا د. درية شفيق إحدى رائدات حركة تحرير المرأة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والتي ينسب إليها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور مصر عام 1956. غير أن درية شفيق، التي  أسست عام 1952 "اتحاد بنت النيل" الذي يعد أول حزب نسائي سياسي في مصر، عانت بسبب الأوضاع السياسية المتغيرة في مصر بعد ثورة يوليو 1952، وعدم وجود نشاط سياسي حقيقي، وعاشت درية شفيق في عزلة نحو 18 عامـًا قبل أن تنتحر بالسقوط من شرفة منزلها في 30 سبتمبر 1975.
وانتحرت الكاتبة والمترجمة المصرية أروى صالح، مؤلفة كتاب "المبتسرون"، في 7 يونيو 1997. أروى، ابنة الحركة الطلابية المنتمية إلى اليسار، ألقت بنفسها من الدور الثاني عشر في مبنى العمارة التي كانت تقطنها في القاهرة، وقد ذكرت بعض الصحف أنها انتحرت نتيجة للعنف الذكوري، في حين أنها ألمحت إلى الإحباط الذي كان يكتنفها في كتابها الأخير، وكأنها فيه تكشف زيف الشيوعية التي كانت تؤمن بها، كما أنها لم تحتمل ما سمته بالخيانة من رفاقها، الذين تبرأوا من معتقدهم بعد انهيار الشيوعية العالمية.
كما أن احتقارها لذاتها ورفاقها الذين كانوا يبيعونها الوهم كما تصف؛ زاد من دوافع الانتحار لديها، خصوصـًا أنها كانت تروي في مسودة كتابها؛ أنها كانت تشتري أبخس بضاعة من الكلام على لسان أحدهم، وتدفع لذلك ثمنـًا باهظـًا في ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذي جعلها تنتقم من هذا العالم الذي جعل منها أضحوكة لهذا اليساري أو ذاك. لذا انتقمت من هؤلاء الباعة بفضحهم، على الرغم من أنهم حاولوا كثيرًا ثنيها عن ذكر أسماء. ونتيجة لكل هذا قررت أروى الانتحار؛ انتقامـًا من سذاجتها في السير مع ركب أناس لا يتقنون إلا الكلام. ومن يقرأ "سرطان الروح" الذي صدر عن دار النهر في 1998، ويضم خلاصة وافية عن أعمالها غير المنشورة، سيرصد فكرة محورية حول الانعزالية والاكتئاب والشرود في أحلام اليقظة. وتتحدث أروى في هذا الكتاب عن محاولة انتحار سابقة، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بالسقوط من علٍ. تقول د. نوال السعداوي إنه قبل انتحار أروى "جاءني صوتها عبر التليفون: موتي سلاحي الأخير ضد المبتسرين وناقصي التكوين"[1].
أما الدكتور إسماعيل أدهم (13 يناير 1911- 23 يوليو 1940) مؤلف كتاب "لماذا أنا ملحد" الذي أثار ضجة كبرى في الساحة الثقافية آنذاك، فقد أثار خبر انتحاره ضجة أخرى وقتذاك. كان إسماعيل أدهم يجيد عددًا من اللغات، وله كثير من الدراسات والكتب والبحوث، لكنه واجه صعوبات مجتمعية بسبب موقفه من الأديان، إذ يقول "إن الأسباب التي دعتني للتخلي عن الإيمان بالله كثيرة منها ما هو علمي بحت ومنها ما هو فلسفي صرف ومنها ما هو بين بين ومنها ما يرجع لبيئتي وظروفي ومنها ما يرجع لأسباب سيكولوجية"[2]. ويضيف قائلاً "وكانت نتيجة هذه الحياة أني خرجت عن الأديان وتخليت عن كل المعتقدات وأمنت بالعلم وحده وبالمنطق العلمي، ولشد ما كانت دهشتي وعجبي أني وجدت نفسي أسعد حالاً وأكثر اطمئنانـًا من حالتي حينما كنت أغالب نفسي للاحتفاظ بمعتقد ديني"[3].
تقول الباحثة د. رجاء بن سلامة "عمد الشيخ يوسف الدجوي إلى استعداء السلطة السياسية بقوله إن صاحب الرسالة يطعن في دين الدولة ومليكها حامي الدين والعلم، وإن ما جاء فيها يتناقض مع الفطرة الإسلامية التي جبل عليها سائر البشر. وهو ما يدل على تعاضد المؤسستين الدينية والسياسية في محاصرة الفكر.. وقد لبت وزارة النحاس نداء الشيخ يوسف الدجوي واستجابت للدعوة التي قدمها شيوخ الأزهر ضد إسماعيل أدهم، وقامت النيابة بالتحقيق معه ومصادرة رسالته وتفتيش منزله فوجدت فيه رسالة (لماذا أنا ملحد؟)، وملفات أخرى تحوي بعض نسخ من بحوث متعددة عن فلسفة النشوء والارتقاء، وكتاب (لماذا أنا ملحد؟) لراسل، ومظروفـًا يحوي أكثر من ثلاثين صفحة من كتاب بخطه يشرع في تأليفه ينكر فيه وجود الله ويؤكد إلحاده. وقد حالت جنسيته التركية وحالته الصحية بينه وبين السجن واكتفت النيابة بتحذيره وتعطيل مجلة الإمام التي نشرت الرسالة لأول مرة.. يقول إسماعيل أدهم في بعض مقالاته إن شيخ الأزهر قرر بمرسوم مسجدي حرماني الجنة جزاء لكفري.. ولأن الرقابة تنتقل بالعدوى، وتتّسع دائرتها تلقائيـًا، فإن العزل الذي تقوم عليه طال محقّق أعماله الكاملة. فقد ذكر لي أحد المفكرين المصريين المطّلعين (لا أذكر اسمه خوفـًا عليه من العدوى نفسها) أن أحمد الهراوي طرد من جامعة صنعاء لأنه درّس أحد مؤلفات إسماعيل أدهم في النقد الأدبي وصادف أن كان هذا المؤلّف منشورًا في المجلّد الذي يتضمّن رسالته (لماذا أنا ملحد)"[4].
عانى إسماعيل أدهم أمراض الصدر لفترة طويلة، وأدت آراؤه في الدين إلى شعوره بالعزلة، حتى كره الحياة التي لا تنتهي إلى شيء، فكانت النهاية. فقد فوجئت الأوساط العلمية والثقافية بخبر انتحار د. إسماعيل أدهم بإلقاء نفسه في البحر على شاطئ جليم في الإسكندرية، وسط محاولة بعض رواد الشاطئ إنقاذه من دون جدوى. وبعد بضع ساعات، انتشل رجال الأمن والإسعاف جثته، ووجدت في ملابسه رسالة قال فيها إنه انتحر زهدًا في الحياة وكراهية لها. وأوصى أدهم بإحراق جثته وعدم دفنه في مقابر المسلمين، لكن وصيته لم تنفذ وتم دفنه وسط أجواء من الصمت، ولم يمش في جنازته إلا خمسة أشخاص[5].
وذهب البعض إلى القول بأن إسماعيل أدهم "إنه الصورة المضادة للشهيد. الشهيد يعزل بالتضحية التي تنقله إلى دائرة القداسة، والمنتحر يعزل بتضحية فردية تعدّها المجموعة (هدرًا) وهباء، أي مدنّسـًا ضديدًا للمقدّس الإضحوي. أما أن يكون المنتحر ملحدًا، فتلك مسرحة لأقصى صور الغيريّة المرفوضة. الغيريّة التي تأتي من (الداخل) في عالم ما زال فيه الدم وثاقـًا يشد الدنيوي إلى المقدّس لإنتاج العنف العتيق"[6].



هوامش


[1] د. نوال السعداوي، حلمي سالم وأروى صالح، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 5 أغسطس 2012.
[2] د. إسماعيل أحمد أدهم، أعمال مختارة، منشورات الجمل، بيروت، 2010.
[3] المرجع نفسه.
[4] د. رجاء بن سلامة، إسماعيل أدهم واختلافه غير المحتمل مثالاً عن آليات الحجز الرقابي، موقع "الحوار المتمدن"، العدد 2455، 4 نوفمبر 2008.
[5] هاني الخير، مشاهير وظرفاء القرن العشرين، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت، 1993، ص 65.
[6] د. رجاء بن سلامة، مصدر سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (5): المبتسرون"

أكتب تعليقا