حروب العشيرة: مرسي في شهور الريبة

| |





هذه صفحات عن شهور الريبة.
تلك الشهور القصيرة التي خاض خلالها المصريون، على اختلاف انتماءاتهم وأطيافهم، رحلة طويلة في مجاهل القلق والتخبط والإحباط، وعاشوا باحثين عن الحقيقة وساعين إليها، وسط حالة من الاستقطاب والصدام والشقاق لم يسبق لها مثيل.
في تلك الشهور التي استهل بها الرئيس محمد مرسي عهده وعامه الأول في الحُكم، وقعت أزمات لا لزوم لغالبيتها، وسالت دماء لم يكن من المقبول بأي حال أن تُراق في الشوارع والميادين وأمام قصر الرئاسة، واشتعلت النار في ثوب مصر، من دون أن يهب أحدٌ لإخمادها قبل أن تلتهم جسد الوطن.
وإذا كان قسمٌ كبير من الشعب المصري قد تطلع بتفاؤل وآمال عريضة إلى عهد أول رئيس مدني منتخب في مصر، فإننا شهدنا فجوة بين الآمال والتوقعات من جهة والواقع والممارسة من جهة أخرى، وسارت الأمور في طريق أورث مزيدًا من الخلاف وراكم مزيدًا من الاستقطاب والتنازع، وحرَّض على ظهور حمقى يريدون خرق سفينة الوطن.
يمثل هذا الكتاب وقفة متأنية مع الأداء والسياسات في عهد مرسي، إذ خرجنا من إدارة المرحلة الانتقالية من الإدارة بالكوارث الى إدارة الفرص الضائعة وهدر الإمكانية، فلم تعد الدولة تحقق المصلحة، وعجزت عن توفير الأمن، وضمان العدل، ودعم التحول الديمقراطي، وتحقيق المساواة بين المواطنين وتطبيق مفهوم المواطنة على النحو الصحيح، وقصرت الدولة عن حماية الموارد، فلم نجد استثمارًا ناجحـًا في التنمية البشرية، ولا استحداثـًا لفرص عمل كافية، ولا إقامة مشروعات تحقق النهضة المأمولة والتقدم المنشود.
في عهد الرئيس مرسي، سقطت كل التيارات في فخ التراشق وتبادل الاتهامات بالتخوين، وتفرغت للطعن على القانون والمؤسسات انطلاقـًا من احتكار الحق وإنكار الحقيقة. وشهدنا مرحلة زرع الألغام وتفخيخ الأرض، لتصنيع حالة من الخراب والانفلات والفوضى، بهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ذاع صيت خبراء الصيد في الماء العكر، ومثيري الفتنة واللاعبين البارعين بكرة النار، وبدا أن الكل ينسى أن نهج شركاء سفينة الوطن غير نهج الشركاء المتشاكسين.
الكلّ يتحدّث باسم الشعب. حتى مَن أعوزته الحجّة والبرهان أو رام امتلاك مفاصل الدولة والتغلغل في كلّ أجهزتها، يزعم أنّ الشعب يريد.
أما الشعب نفسه فهو منسيّ، ويعاني الإقصاء والتهميش، ويرقب في قلق ما يجري، على أمل أن تنجح مبادرات جادة مثل وثيقة الأزهر في لم الشمل الوطني والالتزام بقداسة وصيانة حرمات الدماء والأموال والأعراض وتحريم وتجريم لكلِّ ألوان العُنف والإكراه لتحقيق الأفكار والمطالب والسِّياسات، وجعل الحوار الوطني - دون أي إقصاءٍ لأي طرف- هو الوسيلة الوحيدة لحلِّ أي خِلافات.
لقد عانت مصر لعقود طويلة مضت انقساماتٍ وتشققات على أساس العرق والدين والمذهب والمنطقة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية. وبات لزامـًا علينا أن نوقف هذا النزيف في الولاء والانتماء، حتى يكون انتماء الجميع إلى الوطن، حتى لا تتحوَّل مصر إلى محض كتل وفرق ومجموعات دينية وطائفية واجتماعية تفتقر إلى ما يوحدها ويصهرها في بوتقة الوطن الواحد.
وهذه هي إحدى الفرائض الغائبة التي أهملتها الرئاسة المصرية حتى الآن.
إن افتقاد الكفاءة مرضٌ أصاب النخب السياسية في الحكم والمعارضة على حدٍ سواء، حتى صارت تلك النخبة من أسباب النكبة، بسبب انشغالها بالصراع على السلطة، ودفاعها عن مصالح آنية وضيقة، ولجوئها إلى ممارسات ومواقف تميل إلى الهدم لا البناء، وتعمق معاني الصدع والشق في الجماعة الوطنية. وانتهى بنا الأمر إلى التداول البائس لأطروحات - تتسم بالانغلاق والركون إلى الماضي- عن إمكانية النهوض في غياب مقومات الحضارة العصرية علميـًا وثقافيـًا.
"إن صلاح الحاكم الخاضع للقانون أفضل من تلك الإرادة التحكمية التي تصدر عن حاكم فرد، أو حكومة بلوتوقراطية، أو حتى عن حكم الجماهير".. هذا ما قاله أفلاطون في كتابه "السياسي".. ليتنا نعي تلك الكلمات الدالة؛ لأن مصر في أزمتها الراهنة لا تملك ترف المماطلة والرمادية.
إن شعبية الحاكم في بلادنا تتآكل يومـًا بعد آخر، بسبب تناقض وعوده مع إنجازاته على أرض الواقع، وانحيازه لفرقةٍ أو طائفةٍ أو جماعةٍ بعينها، متجاهلاً حقيقة أنه انتُخِبَ رئيسـًا للشعب وقائدًا للأمة. وكلما مضت بنا الأيام، وجدنا الرئيس - بسبب النزعة الإخوانية نحو التمركز حول الذات- وكأنه يتورط بشكل متواصل في الانحياز لأهله وعشيرته من الإخوان المسلمين، وهي سقطة كبيرة لأي شخص شاءت له الأقدار أن يحكم بلدًا مثل مصر.
وفي تجربة حُكم الإخوان المسلمين، بات الفرق واضحـًا بين تسيير الجماعة، وتسيير المجتمع وإدارة شؤونه، وسط رسوب وظيفي تام لأجهزة الدولة، ومساع حثيثة لفك ارتباط الشعب بثورته بعد تشويهها والتمثيل بها.
وعلى مدار عام كامل من حكم الرئيس محمد مرسي، شهدنا إهمال شراكة وطنية واجبة، واتخاذ قرارات مترددة ومرتبكة أسهمت في إذكاء الانقسام والاستقطاب، مع هجوم حاد على كل من يخالف جماعة الحكم في الرأي، كما لو أن هناك من يعتقد أنه يحتكر الحقيقة المطلقة.
اندفع الجميع نحو أهداف جزئية ضيقة، بعيدًا عن الصالح العام كما تقتضي أهداف الثورات، فيما ضاعت الأولويات وغرق المجتمع فى طوفان لزج من تفاصيل يومية لأحداث تتكرر يصنعها فارغو الرؤوس، عديمو الرؤية، كثيرو الكلام، قليلو الفعل.
الأكيد أنه لا يمكن أن يكون صخب السلطة هو الحل، أمام الأزمات الاقتصادية أو السياسية، أو حتى القانونية التي تمر بها البلاد، وليس مقبولاً الاستهتار بمصالح الناس وعدم احترام أفكار قوى المعارضة ورؤاها؛ لأن ذلك يخرج أهداف الثورة تمامـًا من معادلة التغيير والتفكير في المستقبل.
المصيبة أننا ننسى حقيقة ساطعة مفادها أن لكل سلطة جماعتها المحظورة، وعدوها الذي تخترعه؛ فإذا سقطنا في مستنقع الخصومة، انهارت المبادئ وضاعت فرص التقدم، وأطلت برأسها الكوارث والأزمات.
أزمات جعلت الثورة في خطر محقق والوطن في مأزق محدق، حتى صرنا نتحدث عن حماية الوطن بعد أن كنا نتحدث عن حماية الثورة.
هكذا عانت تلك الثورة الفتية مبكرًا أعراض الشيخوخة، لأسبابٍ تتعلق بالصراع بين شرعيات متناحرة: صراع المستقبل ضد الماضي على أرض الحاضر، وصراع قوى التغيير مع قوى الجمود في ساحة الديمقراطية، وصراع تيار الإصلاح مع شبكات الفساد في مواقع العمل ومراكز صنع القرار.
وكانت النتيجة أن القطار السريع سار على قضبان صدئة، فتعثر القائد وتأثر الركاب.
ونحن ننسى عادة أن الإصرار على الاستئثار بكل شيء ستكون نتيجته الحتمية - كما يحدثنا التاريخ- هي خسارة كل شيء، ونغفل حقيقة أن الشارع يسبق الجميع، من أهل السلطة والمعارضة على حد سواء.
وإذا كنا نحسن التشخيص ونقف عند حدوده، فإنه يجب علينا أن نحسن الإدارة بالتوافق الوطني، وأن نحرص على تقديم الحلول والبدائل، وأن نكف عن تولية المحاسيب من الأحباء والمُنتسبين والمُريدين، وأن نختار أهل الكفاءة بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الدينية.
وليتنا نشرع بجدية وصدق في إنقاذ مصر من عبث الاستقطاب، واحتضان الثورة لأعدائها؛ لأن لدينا ما يكفينا من الالتباسات والتشوهات، التي تصب كلها في مجرى تعميق الشروخ.
وإذا كان من طبيعة المرحلة الانتقالية حدوث سيولة وتداخل والتباس في المفاهيم والاتجاهات إلى حد الصراع أحيانـًا بين وجهات النظر والرؤى المختلفة، فإن إدارة المرحلة الانتقالية تتطلب حكمة وقدرة على تسيير الأمور بحنكة، وفض الاشتباك ووقف التجاذبات ولعبة الاستقطاب، وجمع الأطراف المتناحرة تحت مظلة الوفاق الوطني، دون تحيز لطرف أو جماعة أو قوى سياسية أو دينية بعينها.
نحن الآن في أشد الحاجة إلى صوت العقل، وإلى كتابة عقد اجتماعي جديد، ينظم حياتنا السياسية، على نحو يضمن الشفافية والديمقراطية والحُكم الرشيد، حتى لا يتحوَّل الخلاف السياسي إلى مشروع فتنة كبرى يمكن أن تطيح بكل الوطن.
ولا غنى عن حوار وطني يضم مختلف الأطياف والتخصصات والمشارب، لتحديد أولويات العمل الوطني، وترشيد عمليات استكمال وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع، وتعزيز ملف العدالة الاجتماعية، واستخلاص خرائط الألغام السياسية والمجتمعية، والعمل الجدي من أجل تأسيس  وتمكين نخبة سياسية ومجتمعية جديدة، بعيدًا عن النخب القديمة الباهتة والنظم البالية الشائخة.
لا شك في أن مصر قادرة – إن صح العزم واتفق الرأي وصدقت المشورة- على إعادة ترتيب البيت من الداخل، وخلق نموذجها السياسي عن طريق إيجاد دولة القانون والمواطنة، والحرية المسؤولة، ومعالجة الأخطاء الراهنة.
في تقديرنا أن للاختزال خطورته في تقييم المواقف أو تقويمها، غير أنه من المؤسف القول إن كثيرًا ممن تصدوا للعمل السياسي غابت عنهم الحكمة والحنكة. ولأنهم كانوا مشغولين بحيازة مصر ولا يرون أبعد من الطريق إلى دست الحكم، فقد وقع الجميع في سلسلة أزمات - بعضها ناجم عن قرارات رعناء أو إجراءات تدعو إلى الريبة- منذ ثورة 25 يناير.
ومع ذلك فإن بوسعنا القول إن ما جرى على ضفاف النيل لم يكن إيذانـًا بثورة جديدة، بقدر ما كان مؤشرًا على مرحلة من مراحل ثورة 25 يناير، أو قل إنه مخاض المرحلة الانتقالية التي رفعت مطالب رئيسية تتعلق بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. مرحلة يخرج فيها المجتمع من تحت أنقاض النظام القديم، ويسعى جاهدًا للخلاص من أصدائه وتشوهاته، وسط صعوبات تتعلق بطرق الإصلاح وممارسات أهل السلطة، والتجاذبات بين القوى المختلفة.
بقي أن نشير إلى أنه نظرًا لأن الكتاب يتناول أحداثـًا جارية ومتغيرة، وتاريخـًا في طور التشكل، فقد اعتمدنا في كثير من المواضع على المعلومات والمصادر الإخبارية والصحفية التي تم التدقيق فيها والتحقق من صحتها قدر الإمكان، في انتظار صدور مزيد من الوثائق والمستندات عن عهد "الجمهورية الثانية" في مصر.
وبعد؛

القارئ صانع قرار. ها نحن نضع أمامه الصورة كاملة، وعليه المسؤولية، ومن ثم فعنده القرار في وطنٍ نريد له جميعـًا أن يخرج من تلك الدوائر المفرغة من الصراعات والأزمات، حتى يستعيد مكانه ومكانته المنشودين.

من مقدمة كتاب "حروب العشيرة: مرسي في شهور الريبة"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013
تجدونه في: مكتبات الشروق، وديوان، وليلى، والبلد، والكتب خان - مصر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "حروب العشيرة: مرسي في شهور الريبة"

أكتب تعليقا