خيانات ذهبية (4): جلاد الحواس

| |



في عام 1979 أطلق الكاتب والقاص المصري محمد رجائي عليش النار على رأسه. وجاء في تقارير رجال الشرطة أن الكاتب المذكور وجِدَ في سيارته منتحرًا على مقربة من شقتين كان يمتلكهما في الحي نفسه، ولم تُعرف الأسباب الكامنة وراء الانتحار إلا بعد وصول رسالة منه إلى النائب العام فيها اعترافٌ صريح بنية الانتحار.
وانتحر الشاعر المصري أحمد عبيدة في أواخر العام 1974، بعد حادث اعتقاله وكان عائدًا من أحد البرامج الإذاعية، وكان من عادات عبيدة أن يحمل كل كتاباته في حقيبة جلدية ضخمة، فصادرتها مباحث أمن الدولة. وعندما أفرجوا عنه حاول استرداد كتاباته النقدية وأشعاره وترجماته، إذ إنه كان يجيد عدة لغات، فأنكرت المباحث كل ذلك. وعلى إثر ذلك أصيب عبيدة بما يشبه اللوثة، وانتحر في غرفته الكائنة بحدائق القبة، بعد أن سكب على جسده صفيحة كيروسين، وأشعل النار في نفسه. لم تكتب عن الواقعة سوى مجلة "الحوادث" اللبنانية، لكن رفاقه في جمعية كتاب الغد، أصدروا ما استطاعوا أن يعثروا عليه من أشعار في كتيب صغير، هذه القصائد التي لا غنى عن قراءتها لقراءة المشهد الشعري في ذلك الوقت[1].
مزق الفنان التشكيلي السوري لؤي كيالي أعمال معرض كامل له في عام 1967 قبل أن يحرق نفسه عام 1978. ويبدو للكثير ممن عرف لؤي كيالي أن الأيام والظروف والواقع ضيق الأفق، ومحاربة أوساط التشكيليين له وقتها، وعدم الاعتراف بموهبته، أحرقت أحلام الفنان داخله، وقيدته أمام لوحاته، ما دفعه لأن يشتغل جلادًا لحواسه، متشككـًا هو نفسه من قيمة إبداعه[2].
عانى كيالي مرض الصرع واتهمه الآخرون بالجنون. بدأت تظهر عليه، في خريف عام 1965، بوادر أزمة نفسية، وأخذ يرسم بالفحم لوحاتٍ صارخةً تمثّل عذاب الإنسان ونضاله.
في 24 إبريل1967  أقام معرضه السابع في المركز الثقافي العربي بدمشق، تحت عنوان "في سبيل القضية"، لكنه تعرض في معرضه هذا، لانتقادات تهجميّة من قبل فئة من الفنانين والكتّاب، في الندوة وفي الصحافة.
مزّق، عقب المعرض لوحاته هذه، وتوقف عن مزاولة الرسم، قبل أن تتفاقم في العام التالي أزمته النفسية، وانقطع عن التدريس، واعتكف وحيدًا في بيته المستأجر بحيّ العفيف بدمشق، قبل أن يغادره إلى حلب.
 صَحِبَه بعضُ أهله من حلب إلى بيروت لمعالجته عند الطبيب السوري الأستاذ بالجامعة الأمريكية الدكتور علاء الدين الدروبي، فاستردّ صحته النفسية.


في مطلع العام الدراسي 1969-1970 عاد إلى التدريس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثم ما لبثت صحته النفسية أن تردّتْ. في مايو 1977، سافر إلى العاصمة الأردنية بلوحات لعرضها في "غاليري عالية"، لكن المعرض لم يُقَم لخطأ في الإجراءات، فكان لهذا الحادث تأثير كبير في نفسه.
في الشهر التالي، أقام معرضه الثاني عشر في صالة الشعب للفنون الجميلة برعاية   وزارة الثقافة السورية، لكنه تعرّض لتهجمات من قبل فنانين وكتّاب في حلب. اعتزم الهجرة إلى إيطاليا، فباع بيته وما يملك، وغادر البلاد في ديسمبر وهو يحلم بأن يزاول الرسم في روما في مناخ أفضل. غير أنه عاد إلى حلب في فبراير 1978 مخيّب الرجاء.
اعتزل الناس، وأدمن على تعاطي حبوب مهدّئة مخدّرة، فكان بذلك كمن ينتحر رويدًا رويدًا على مرأى من عارفيه![3]
يكشـف الباحث أنـور محمد في دراسـة غير منشـورة عن حياة لؤي كيالي، أن هذا التشكيلي السوري البارز، عاقب جسده بالانتحار حينما أحرق نفسه بسيجارة مشتعلة. ويقول إن أسباب انتحـاره ليـست عبثية كما أُشيع وقتها، بل أتت نتيجة إحساسه الطاغي بالعزلة والإحبـاط، في محيط لم يقدّر موهبـته بما تستحق. ويشير في فصل خاص إلى أن لؤي كيالي كان يحب مطربة مغمورة، تعمل في أحد الملاهي الليلية في حلب ولم يجهر بهذا الأمر أمام أحد، وإنما كان يذهب إلى الملهى كل ليلة لرؤية تلك المغنية والاستماع إلى صوتها، ثم يقوم بإحـراق ورقـة نقـدية من فئـة الخمسمئة ليرة. كان هذا المبلغ يعادل آنئذٍ ثمن لوحة من لوحاته، وحينما سأله هذا الباحث الذي رافقه في سنواته الأخيرة: هل تحبها فعلاً؟، أجاب: "ما المانع؟"، فقال له: "لو كنت تحبها كما تقول، لفعلت ما فعله فان غوغ، حينما قطع أذنيه وقدمهما هدية لحبيبته"... فما كان من لؤي إلا أن قرّب سيجارة مشتعلة من أذنه، وقال: "هل يروق لك ذلك؟"[4].



كان لؤي كيالي ضد فكرة الموت، لكنه كان محاصرًا وتفاقمت محنته بعد أن تم الحجر عليه في مشفى للأمراض العقلية. علم بأمره بكري الناصر مدير الثقافة حينها في حلب، فأرسل كتابـًا إلى المحافظ يطالبه بعدم معاملة لؤي كيالي الفنان التشكيلي والمدرس في جامعة دمشق كلية الفنون الجميلة بصفته مجنونـًا. فللفن كرامة، ولحواس الفنان كرامة من الواجب أن نصونها. وقبل أن يحترق لؤي، كانت ثمة حرائق تشتعل في عقله المتيقظ.
في ليل 9 – 10 سبتمبر من عام 1978، احترق وهو في سريره. نُقل بطائرة عمودية من مستشفى جامعة حلب إلى المستشفى العسكري بحرستا شمالي دمشق، قبل أن يفارق الحياة في مستشفى حرستا في 26 ديسمبر. وفي اليوم التالي ووري الثرى في "مقبرة الصالحين" في حلب.
أما الشاعر الكردي مصطفى محمد، ابن مدينة الحسكة، فقد كان في السابعة والعشرين من عمره حين انتحر في حلب عام 1979، وكانت له مجموعتان شعريتان تحت الطبع "أبواب تتهيأ للخروج" و"عودة الغيوم الصامتة". خرج مصطفى من منزل ذويه قبل أسبوع من حادثة الانتحار ومن دون علم أحد، ليجدوه فيما بعد في مدينة حلب قرب مرآب المدينة المركزي وقد تبين أنه كان قد قذف بنفسه من على سطح أحد الأبنية القريبة من مرآب المدينة. وقد عثر على وصية في جيبه تبرئ أي شخص من قتله وتؤكد أنه قام بهذا الفعل من تلقاء نفسه ونتيجة ضغوط نفسية خاصة به في محيطه[5].

هوامش



[1] شعبان يوسف، الكبار يكذبون أيضـًا، جريدة "الشروق"، القاهرة، 3 نوفمبر 2012.
[2] ثقافة الانتحار.. لماذا ينتحر المثقفون؟، جريدة "النهار"، الكويت، 1 ديسمبر 2007.
[3] فاضل السباعي، الفن التشكيلي في سوريا: لؤي كيالي، موقع منتدى الشام الثقافي، 1994.
[4] ندرة المنتحرين في بلد يفتقر إلى مقبرة للسيارات، مجلة العلوم الاجتماعية، الرياض، 14 يوليو 2009.
[5] ثقافة الانتحار.. لماذا ينتحر المثقفون؟، مصدر سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (4): جلاد الحواس"

أكتب تعليقا