خيانات ذهبية (3): أسهل من التثاؤب

| |





عزا البعض انتحار الرسام والشاعر العراقي إبراهيم زاير (1944- 1972) إلى هموم سياسية، في حين قال آخرون إنه عانى أزمة عاطفية وذهب فريق ثالث إلى القول بوجود مشكلات مالية وراء الانتحار. الشاعر الذي كان ناشطـًا في صفوف فصيل فلسطيني في بيروت، انتحر بإطلاق النار على رأسه يوم 24 إبريل 1972 في العاصمة اللبنانية. بعد انتحاره بأيام قليلة، ولِدتْ ابنته في العاصمة العراقية بغداد، التي شيع فيها باعتباره "شهيد المقاومة الفلسطينية والنضال المسلح".
انتقص الموت المبكر من صورة هذا الشاعر والرسام التي كان من الممكن أن تكتمل وأن تندفع أكثر وأكثر، وهو الذي جعلته الظروف يرى في موته ضرورة وحلاً.
"تك، تك، الأمر أسهل من التثاؤب". هكذا كان يردد أمام أصدقائه وهو يشير بيده وكأنه يمسك المسدس. ثم فعلها في شقة في بيروت وهو وحيد، إلى الحد الذي جعله يحسن إطلاق النار على صدغه كما كان مقدرًا له أمام العدو. رحل إبراهيم زاير تاركـًا وراءه قصاصة كتب عليها: "لقد قررت الانتحار، آسف لإزعاجكم"، كما لو أنها آخر مقطع شعري ممكن أن يكتبه شاعر وهو يختار حتفه[1].
في قصيدته "وردة الضحايا"، يقول إبراهيم زاير:
"جمّلوني وردة الضحايا إليكِ وذكّروني بنوايا البحر، وبكوا عني عند جثتي وأنا أتيت.. وقفت إلى جسد الدلالات أقول وصوتي حداء يتلوى يفارقه الحنين (أنا رحلتُ في موتي وجئتُ أنقش لوثتي على أعمدة النهار) بحثتُ يتبعني تحيّرتُ من غربة نفسي وعرفتُ أنهم قتلوني (مرّة أخرى) وتابعوا نشيدي"[2].
الشاعر العراقي قاسم جبارة قصيدة تقيم في عزلتها. قصيدة منسية بالتمام والكمال.
ولد عام 1935، وهاجر إلى فيينا عام 1977، وهناك راح يبيع الصحف تارة ويعمل عامل تنظيف تارةً أخرى. تزوج واستقر بعد سنواتٍ من التشرد، لكن زواجه انتهى بالطلاق عام 1986، إثر محاولة انتحار فاشلة لزوجته. الشاعر المنزوي المتحفظ والصموت، انتحر بإطلاق النار على رأسه في منفاه في فيينا عام 1987، بعدما اشترى مسدسـًا قديمـًا من بائع خردوات وكتب "كل أعضائي هادئة باستثناء العراق". لم يحسن التصويب، فبقي مشلولاً في المستشفى إلى أن فارقته الحياة[3].
ثمة إشارات في قصيدته إلى أنه شاعر منفي مرتين، مرّة في وطنه وثانية في منفاه، حتى أنه يورد فيينا، العاصمة النمساوية، مكانـًا لقصيدة كتبها عام 1982. ويذكر أيضــًا في قصيدة بعنوان "نشيد نصفي":
"راضٍ بالموت وبالمنفى، وبعنف الركلات وبالمرحاض الرطب، وبالغرفة في آخر طابق وبتوزيع الإعلانات
وبموزارت الممنوع عليّ
بحذاء العسكر
بجواز هولنديٍّ
بفتاةٍ مفلسةٍ
راضٍ بالصمتِ
وبالثرثرة العظمى
بالهذيان الهائلِ
بالذكرى إذ تسقط في بئرِ أسود
باللحية والشعر الكث
وبالجلد المدبوغ وبسمحِ صحون القوادينْ
بنشيد الصف الثالث
بصديقة الملاية
بالقرآن
بتنزيلات السوق
بأصحابٍ أجلاف
برسائل حوليات تأتي من بغداد
 بالطابور الخامس
بقلعة صالح
بترتيلات أسمعها حين أنام… كأنينٍ لا متناهٍ…"[4].
أما القاص والروائي العراقي مهدي الراضي فقد كان للخيبة نصيب في نهايته عام 2007، حيث كان الفشل مصير تفاعلاته مع محيطه. فعلى الجانب السياسي كان يرى أن السياسة العربية متشبعة بالرأي الأوحد، والتيار الحاكم. ولعل ما زاد من صدمة مهدي؛ أنه كان معارضـًا لنظام صدام حسين، والنظام الذي جاء بعده على حدٍ سواء. كما أن مهدي طرق باب العشق والحب، ولم يكن مصيره إلا الويل والتعاسة، ذلك أنه وقع في غرام إحدى الأديبات، ليكتشف لاحقـًا أنه حُبٌّ من طرف واحد.
تحدث الراضي عن معاناته قبل الانتحار؛ في إحدى رواياته الأخيرة، التي أطلق عليها اسم "بيان الحب والعذاب"، والتي توضح مدى خيبته، وسوداوية الحياة التي كان يعيشها، كترنمه في أعماله "حلم يوم ما" و"مدن الشمع" و"حفلة إعدام" و"العراقي المهجور". ضاق مهدي الراضي ذرعـًا بتهميشه الأدبي والسياسي، فقرر أن ينفذ في نفسه حكم الإعدام[5].
ابن مدينة حمص، الشاعر السوري عبدالباسط الصوفي (1931- 1960) عانى ويلات الحب والغربة، حتى قرر التخلص من حياته. كان عبدالباسط عاشقـًا لفتاة لم يستطع الزواج بها لظروف قاهرة، وكانت النتيجة شاعرًا مهشم الفؤاد. سافر إلى إفريقيا في بعثة لتدريس اللغة العربية، وربما كان ذلك هروبـًا زائفـًا سرعان ما أدرك زيفه[6]. فقد أوفدته وزارة التربية والتعليم لتدريس العربية في غينيا في 1960، وهناك أصيب بانهيار عصبي وأقدم على عدة محاولات انتحار، ومات في مستشفى في كوناكري في 20 يوليو 1960، ونُقل جثمانه بحرًا إلى بلده حيث دفن بعد شهرين من وفاته.
هو الذي صاح يومـًا: "كيف لا أشكو ودائي ليس يشفيه دواء"، والذي اعترف ملء دفاتره الشعرية بمعاناته، إذ يقول في قصيدته "مكادي":
"فـ"سيزيف" من قبل، شدَّ إلى الصخرة الجامدة
تسلق، يحمل أثقال خيبته الخالدة
مكادي! أنا بعض "سيزيف" بعض الذي كابده
فرغت على الزرقة الأبدية،
قلبـًا هشيمـًا وروحـًا خراب
تسلقتها، لجة وعرة، وارتميت عليها،
عصيَّ الرغاب
مكادي! أنا بعض "سيزيف" بعض الذي جالده
يطاردني اليأس، دامي السياط، كما طارده
مكادي! هما: الصخر والعقم في لجتي الصاعدة"[7].

هوامش:




[1] عالية ممدوح، الشاعر العراقي إبراهيم زاير: متى تفتح الشبابيك للثورة؟!، جريدة "الرياض"، الرياض، 24 مايو 2012.
[2] إبراهيم زاير، وردة الضحايا، مجلة "مواقف"، بيروت، العدد 21، يونيو 1972.
[3] جمانة حداد، سيجيء الموت وستكون له عيناك: مئة وخمسون شاعرًا انتحروا في القرن العشرين، الدار العربية للعلوم ناشرون/دار النهار، بيروت، 2008، ص 449.
[4] عوّاد ناصر، من يعرف قاسم جبارة؟، جريدة "الزمان"، بغداد، 17 فبراير 2012.
[5] طلال الطريفي، مرجع سابق.
[6] لينا هويان الحسن، بورتريه: عبد الباسط الصوفي كيف لا أشكو ودائي ليس يشفيه دواء، جريدة "الثورة"، دمشق، 6 سبتمبر 2006.
[7] عبدالباسط الصوفي، أبيات ريفية، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 2004.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (3): أسهل من التثاؤب"

أكتب تعليقا