خيانات ذهبية (2): الاجتياح

| |




من يستقرئ السير الذاتية واللحظات الأخيرة لعددٍ من مشاهير المنتحرين في العالم العربي، سيجد أن الأسباب تعددت، من الاكتئاب إلى المرض، ومن الظروف الاجتماعية إلى الصدمات الحياتية، مرورًا بالهم الوطني العام[1].
من هؤلاء الأدباء والفنانين المنتحرين نذكر الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919-1982) الذي أطلق الرصاص على رأسه جهة العين اليسرى من بندقيته، بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت. حاوي الذي بدا رافضـًا ومتمردًا في كثيرٍ من أعماله الأدبية التي أعطت إيحاءً عن معاناته، مثل "نهر الرماد"، "الناي والريح"، "بيادر الجوع"، "رسائل الحب والحياة"، عاش ظروفـًا تواطأت عليه منذ الصغر، وأولها مرض والده حين كان عمره في سن الحادية عشرة، وهو ما اضطره إلى العمل في صباه حمّالاً وعاملاً في الطين ورصف الطرق.
كما مر بتجربة حُبٍّ فاشلة، إذ ضاع عليه حُبُّه الأول والأقوى بسبب تقاليد الضيعة. شغف - كما يروي أخوه إيليا حاوي- بفتاة "كانت وحيدة والديها، جميلة هيفاء، عالية الجبين، ووجنتاها موردتان، وعيناها سوداوان، وشعرها منسدل على كتفيها، ونظم فيها شعره الريفي، وأحبها حبه الأول الذي ظل حيـًا في أعماقه، وكل حُبٍّ آخر كان طيفـًا منه وانعكاسـًا له، وقد تواعد وتلك الفتاة على الزواج وقررا أن يقترنا.. إلا أنها خُطبت في غيابه لأحد أقاربها وعاد خليل ينظم فيها شعر اللوعة والحسرات، وهو شعر ما زلنا نحتفظ به بخط يده بعضه نشر ومعظمه لم ينشر"[2].
غلبت على شعر حاوي مسحة من التشاؤم، فكان كثيرًا ما يكتب عن الموت، إذ يقول في قصيدته "في جوف الحوت":
"ومتى يمهلنا الجلاد والسوط المدّمى؟
فنموت
بين أيدٍ حانيات
في سكوت، في سكوت"[3].
كما يقول في القصيدة نفسها:
"يتمطى الموت في أعضائه
عضوًا فعضوا، ويموت
كل ما أعرفه أني أموت
مضغة تافهة في جوف حوت".
 غير أن الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية أصاب خليل حاوي في مقتل[4]، وهو الشاعر الذي قصر معظم شعره - إن لم يكن كله- على قضايا الانبعاث القومي والحضاري في مواجهة عقم الانحطاط وشراسة الأعداء. ومن شرفة غرفته المطلة على الجامعة الأمريكية في بيروت، عبر حاوي عن رفضه للهزيمة. و"مع رؤيته للدبابات وهي تجتاح بيروت؛ تناول بندقية صيد لديه، وقتل فيها المحتل الإسرائيلي، لكنه قتله داخله"[5].
واللافت للانتباه أن خليل حاوي فكر في عملية انتحار علني على رؤوس الأشهاد يعلن فيها احتجاجه الصارخ على تردي الأوضاع العربية، ثم يلجأ إلى فعل الانتحار باعتباره الفعل الوحيد المتاح أمامه.
"فاتني طبع المجاهد
لم أعد غير شاهد
فلأمت غير شهيد
مفصحـًا عن غصة الإفصاح
في قطع الوريد"[6].
وكان يتصور نفسه وقد حمل مسدسه وذهب به إلى منطقة الحمراء المكتظة بالناس ليقوم بانتحاره العلني، غير أنه أدرك أنه ليس في تقاليد الحياة العربية "فعل انتحار".


وبالمثل فعل الأديب الأردني تيسير السبول (23 يناير 1939 – 15 نوفمبر 1973) الذي انتحر بطلق ناري أطلقه على نفسه. كان السبول قد عاش سنواتٍ صعبة قبل ذلك، إذ أدت حرب يونيو 1967 إلى زعزعة ما استقام من حياته، وكانت الصدمة مؤلمة وشديدة عليه فبكى الهزيمة دونما انتظار للعزاء.
ترك لنا عملين أدبيين مهمين هما "أحزان صحراوية" وهو ديوان شعري ، ثم روايته "أنت منذ اليوم" الحائزة على جائزة جريدة "النهار" البيروتية للرواية عام 1968. وفي كلا العملين يشير السبول إلى أنه مقبل على الموت[7]. كان مفرط الحساسية، مهمومـًا بما يحدث على الساحة العربية، في حين عزا البعض حالته النفسية السيئة في أواخر أيامه إلى مشكلاتٍ عاطفية. ويقال إنه أصيب بمرض خبيث في عينيه قبل رحيله.
هكذا عاد تيسير السبول ذات يومٍ من عمله في الإذاعة الأردنية - كان يشغل وقتها منصب رئيس البرامج الثقافية- وأطلق الرصاص على نفسه وهو مستلق على فراشه، في حين كانت زوجته الأديبة والطبيبة المشهورة مي يتيم تحضر له فنجان قهوته المعتاد.
أما آخر ما كتبه السبول باتفاق النقاد معلنـًا عن انتحاره فهو:
 "أنا يا صديقي
أسير مع الوهم أدري
أيمم نحو تخوم النهاية
نبيـًا غريب الملامح أمضي
إلى غير غاية
سأسقط لا بدّ، يملأ جوفي الظلام
نبيـًا قتيلاً وما فاه بعد بآية
وأنت صديقي
وأعلم.. لكن قد اختلفت بي طريقي
سأسقط لا بدّ
أسقط يملأ جوفي الظلام
غديرك، بعد
إذا ما التقينا بذات منام
تفيق الغداة وتنسى..
لكم أنت تنسى
عليك السلام؟؟"[8].
إنها النهاية التي يعرفها تيسير السبول، إذ يقول في قصيدته "بورتريه":
"أنا يا صديقي أسير على حافة الليل
يعرفني العتمُ أكثر مما تظن مصابيح أمي
ويعرفني الموت أكثر مما تظن الحياة.
أنا يا صديقي
أسير لأسقط في آخر السطر قافلةً من صراخ
وخاطرة خذلت كنهها الكلمات"[9].

هوامش:




[1] خليل الشيخ، الانتحار في الأدب العربي، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1997.
[2] إيليا حاوي، قراءة في شعر خليل حاوي، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد يونيو/ يوليو 1983، بيروت، ص 28.
[3] خليل حاوي، الأعمال الكاملة، دار العودة، بيروت، 1982.
[4] د. محمد جابر الأنصاري، مرجع سابق.
[5] طلال الطريفي، انتحـار الأدبـاء ترجمة عشق للخيـال.. بلغـة المـوت، مجلة "المجلة"، لندن، 13 سبتمبر 2007.
[6] خليل حاوي، مرجع سابق.
[7] إبراهيم خليل، تيسير سبول من الشعر إلى الرواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005.
[8] تيسير السبول، الأعمال الكاملة، دار ورد للنشر والتوزيع، عمان، 1998.
[9] المرجع نفسه.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "خيانات ذهبية (2): الاجتياح"

أكتب تعليقا