سقوط حُر

| |


 



لم يشغلني طنين جهاز تخطيط القلب عن الكتابة لكِ.

في غرفة العناية الفائقة، ثمة حُمى تنام إلى جواري وتبلل الملاءة بالعرق الذي ينز كما لو أنه ماء جسدي يتطهر من ذنوبه.

جلدي ينتفض مثل عصفور بلله مطر ديسمبر.

لا أحد يتحسَّس جبيني ويسترضي شياطين حرارتي المرتفعة كي تدعني وشأني ولو قليلاً.

لا أحد يقبل جبهتي، ويهدهد هذياني، ويواسي عقلي الغارق في الغياب ببضع كلماتٍ مؤثرة.

وحدها الممرضة بوجهها المحايد تُعاين حالتي في مواعيد تناول الدواء، وتنتظر موعد انتهاء ورديتها المضجرة.

غالبـًا لن يزورني أي طبيب هذه الليلة، ولن يستفسر من الطبيب المناوب عن حالتي أيٌ من معارفي الذين يحتمون خلف طبقات من التحفظ والانتماءات المزيفة.

كم فتَّتني الجفاء!

حين سقطتُ فجاة في نهر الطريق، عجزتُ حتى عن الاستغاثة، سألني من تجمهروا حولي عن عنوان البيت، فأجبت: عنواني هو ذلك الشارع الواسع الذي لسوء حظه لم يصبح ميدانـًا، وتلك الشقة الفخمة التي لسوء حظها ليست وطنـًا.

ثم ران صمت طويل؛ يحدث أحيانـًا أن يحول الصمت بيني وبين ضجيج الحياة.



لم أكن بحاجة إلى هذا السقوط الحُر حتى أدرك كم أنا إِعْصارٌ وحيد؛ لا أحد بجانبي غير جحيم صفيري وأنقاض الهاربين.

تاريخي مع الوحدة يجعلني أتقن تمامـًا دور الإنسان المتحفظ، الذي يتفادى لعبة انتظار الآخرين.

هل أنا نبيٌ في غار وحدته الشفيفة، أم يتيمٌ معفى من اللوم ومن المودة؟!

أرقد على سرير وحدتي؛ غرفتي حديقة مهجورة يرتدي فيها اللوز حلّته البيضاء.

أمرّن نفسي على قيامتي، والإبداع الجامح في الموت المؤجل.

لن أنجح كثيرًا هذا المساء في مداراة هشاشتي؛ سأظل مُحملاً بعتابٍ صامت للغائبين عن المشهد بإرادتهم.

كم أفتقد أمي، التي كانت تندهش من أين أتيتُ بكل هذا الحزن، ولا تدري أنها نبعه الأصيل.

الإبرة الصغيرة حد الاختفاء، تُذكرني بوخزها المؤلم ملامح يدي المتورمة من الحقن واللصقات الخشنة. في المشافي، يعقد الجلوكوز صداقة مع الأكياس الشفافة المعلقة مثل مشجب الندم. قطرة تلو أخرى، يمتص جسمنا الواهن سوائل تبعث على الشفقة.

كم الساعة الآن؟

لا بد أنها الظهيرة الحارقة، والشارع لا يطيق مرتاديه من كثرة ما ازدحموا ونشروا ضوضاءهم القاتلة وسموم عوادم سياراتهم.

في أي شهر نحن؟

لا بد أننا في مايو، شهر القسوة الذي يهجم عليّ بوحشيته المعتادة كل عام، قبل أن يصالحني شهرٌ آخر على الحياة.

النوم يتوسل، لكن الشريط الدائر في ذاكرتي يعشق زر الإعادة.

أحِنُ إلى كل ما هو خارج هذه الغرفة الخانقة؛ الطرقات والمحال التجارية والمكاتب الإدارية والفنادق الفخمة والمطاعم الآسيوية ذات النكهات الغامضة؛ أشتاق إلى خشب البيت الذي برح به الغرام، والباب الذي له صريرٌ مثل موّال عراقي قديم، كلما ضغط عليه أناسٌ أضناهم الشغف؛ أتوق إلى الأصابع التي تعزف فتنة الألحان على البيانو الألماني العتيق في صالة البيت، وصوت الحروف الذي تخلقه آلة كاتبة باعها لي سائحٌ إيطالي كان كلما أرهقته الشمس، رطَّب وجهه بقبلةٍ قديمة، يحملها دائمـًا في جيبه.

في الخارج يوجد شبان يتسكعون على ناصية شارع ضيق؛ يتبادلون النكات الفجة والشتائم الصاخبة، قبل أن يعودوا إلى بيوت مضجرة، حالمين بغدٍ لا يكررون فيه هذه أكاذيبهم اليومية.

 

في مكانٍ ما تتعدد الصور؛ أمٌ تحشو وسائد الأمل لابنتها كل مساء، وتخشى أن تطال كفُ الخذلان جبينَ البراءة؛ طالبة تسير بمحاذاة السور الطويل، وهي تضم إليها حقيبتها المدرسية، كما لو أنها عصفورٌ يخشى قصقصة جناحيه؛ جار مزعج يبدو صراخه في زوجته وابنه، نشيدًا مثاليـًا لكل الكارهين في العالم؛ رجلٌ ينتعل حذاء رياضيـًا مستوردًا، ويخرج ليريض كلبـًا من سلالة نقية يهز ذيله فرحـًا لأن العالم يراه مع سيده الجديد؛ صعلوك يقف مضاجعـًا الوقت بكآبة، فيما عيناه قاطعُ طريق ولسانُه عصابةٌ ضارية؛ غرباء ذوو حافظات نقود جلدية متشابهة، ينادون العابرات في شوارع غامضة: تعالين نسرق نجومكن، مقابل ورقة عليها وجه القائد المفدَّى.

شخصيـًا، أحبُّ النزهات الطويلة، حتى لا أجالس روحي وأكتشف في أقبيتها ملامحَ أوجاعٍ لا تًحتمل. يا لبؤس الأحذية، التي نجبرها على أن تدوس على أرض مبتلاة بآثامنا الساقطة!

كلما وصلنا متأخرين، كلما قتلنا الحنين إلى سراب ما فاتنا.

أفتش في ذاكرتي عن امرأة كان ينبغي عليَّها السهر على جسدي، فلا أجد سواكِ؛ حبيبتي الأولى، التي كلما عانقتُها، لم أُبْقِ منها شيئـًا لمُستقبلي المَجْهول؛ أميرتي التي كلما أدركتُ المقطع الأخير من ضحكتها، اصطادني الحاضرون متلبسـًا بفعل الفرح؛ جميلتي التي كلما قطفتُها وخطفتُها سالتْ منها نعومتها التي لا تُضاهى.

معكِ فقط عرفتُ تلاحم الكل مع الكل، وسكون الشمس في رحم الظل.

معكِ أنتِ، يا فصيلة الغيم، استقامت باقي سماواتي.

كنا معـًا، حتى لو كنتُ مستلقيـًا في زاوية كتاب، ملتفـًا على خاصرة قلم؛ وأنتِ متكورة أمام طبق رقائق البطاطا، متدثرة بقصدير لوح شوكولا!

رسائلك كانت ترسم ابتسامة على شفتيّ بعبارات لها وهجها الخاص؛ كأن تقولي: "غبتَ طويلاً وكثيرًا. أنتظرك، وأنا كما عهدتْ، مُحرِقةٌ في عناقي"، أو ترسلين لي رسالة نصية لئيمة تقول: "تصبّر عن غيابي ببعض المكسرّات وقطع مختلفة من الفاكهة المجففة؛ لو لم تفعل لن تُقدّر قيمة المرأة الفاكهة التي سقطت على حِجرك من الجنة".

ككل عاشقةٍ، تجيدين حدس مواعيد القلب.

لكنكِ اخترتِ الفراق؛ لتصبحي حواء التي فرت يومـًا من أضلاعي.

ودعتِني، وقلتِ لنفسكِ ولي: ستكون بخير.

لعناتهم، وطعناتهم، أيتها المطمئنة، تطاردني حتى لا أكون كما تتمنين. كل الذين منحتهم وردة رشقوني بسكين، وطعنوني بنصل كلمةٍ مسمومة، ثم تركوا جثتي على قارعة الطريق، وسارعوا للحاق بموعد آخر حافلةٍ تعيدهم إلى الجحيم.

كل امرأة عرفتُها بعدكِ كانت خيبة أمل كبرى.

كُن يفاجئنني دومـًا شعور عام بفقدان جذري للصلة بالواقع. ربما كنتُ أنا الذي انقطعتْ صلته بهذا الواقع.

ليتهم يفتحون نافذة ما في هذه الغرفة التي تحتاج إلى تهوية؛ ثمة روائح حُبٍّ عفنة تزكم أنفي وذاكرتي. امنحوني نافذة؛ للشَّبابيكِ ضحكةٌ تُصيب سَقْفَ السَّماء بالدُوار.

كم الساعة الآن؟

في أذني صوت غامض يقول: لا تسأل الوقت عن حذائه الثقيل، بل سله عن قيامته في عينيك حال الانتظار.

بي رغبة ضارية في أن أنزع عني قناع الصلابة؛ لأمارس ذلك النواح الداخلي مثل رصاصةٍ أفلتت من مسدس كاتم للصوت.



يقولون إن الحكمة تتولد من التجربة؛ خطأ فادح. الحكمة تتولد من الألم أو ربما الندم. إنها حالة الإنهاك النفسي التي نمر بها، ونسبغ عليها رؤية فلسفية، حتى نتخلص من صدمة الإحباط ولوعة الفراق ولحظات الفشل.

نقف عند حافة الخوف التى تغلف أوطاننا المطلية بالدم والمعمدة بالآلام، ونخترع كلماتٍ نخرج بها من مأزق الحياة.

الحياة؟

إنها النقص الذي لا يكتمل إلا بالموت.

قلبي بدقاته المتسارعة، أضعف من أن يُسابق جسدي المُنهك.

أعطوني ورقة وقلمـًا، وخذوا خافقي الذي عبث به الأنام والأيام؛ هاتوا حبرًا يمنحني السكينة، وخذوا دموعي التي لم أذرفها إلا سرًا.

أيها المحراث الأصم، فتش عن أرض جديدة، ودع عنك تربة روحي.

قلبي العليل أرسل إشارات الفرح، ثم تركها معي واندس وسط الجموع.

لن ألحق به هذه المرة، فهو أسرع من نداء استغاثتي الأخيرة. بثمنٍ باهظ غير متوقع، قد تفلتُ منا الحياة.

قبل الغصة بقليل، تهب عليّ نسمة هواء، كأنها وليدة رفرفة طائر يختزن ريش جناحيّه أكسجين الحياة، فتستعيد ملامحي سيرتها الأولى.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "سقوط حُر"

أكتب تعليقا