في بئر الصمت

| |


تمر الثقافة المصرية بلحظة إحباط واضحة؛ أو قل إنها لحظة الارتطام بحائط الواقع!

سبب تلك الأزمة هو أن الأمل كان معقودًا على صحوة ثقافيةٍ ما أو نقطة بداية جديدة بعد ثورة 25 يناير، تشمل الفن والأدب والسينما والمسرح، لكن النتيجة بعد عامين من الثورة مخيبة للآمال.

فالكتابة الإبداعية تدور حول نفسها، ولا نجد في المقدمة سوى الكتابة الساخرة، وبعضها متهافت وغارق في العامية أكثر مما هو سابح في فضاء الخيال الرحب. وتنافس - عن بُعد- الأعمال الروائية، وهي على كثرتها تبحث لنفسها عن هوية أوضح وتقنيات أنضج تجعلها قادرة على المنافسة على الأقل عربيـًا. انظر مثلاً إلى مستوى الأعمال الروائية المصرية التي نافست في العامين الأخيرين على جائزة بوكر العربية.

في جيل الوسط، يكاد سعد القرش يكافح وحده، بعد أن أنجز "أول النهار" (2005) وليل أوزير (2008). حتى الأسماء الشابة التي لمعت في مطلع الألفية الثالثة، مثل طارق إمام وأحمد العايدي ونائل الطوخي وحسن عبدالموجود ومحمد علاء الدين، تراجع إنتاجها الأدبي كمـًا وكيفـًا، لأسباب غامضة بالنسبة للقارئ والمتابع.

وما دمنا قد أقنعنا أنفسنا بأننا نعيش عصر الرواية، فلنا أن نتخيل مدى الإقبال على كتابة القصص القصيرة، ومستوى الأعمال التي أنتجتها المطابع في الفترة الأخيرة.

على المستوى الكمي، هناك جديد دائمـًا، لكن السؤال المُلح يتعلق بمستوى الجودة ومدى القدرة على الصمود كعمل إبداعي لفترات أطول. طبيعي إذن أن تزداد فكرة الشللية في الثقافة، في محاولة لتعزيز الانتشار، أو لضمان مكان ما تحت الضوء، في أمسية شعرية أو منحة تفرغ أدبية، أو جائزة للرواية.

هناك أسماء تقاتل لإثبات وجودها، وهذا جيد.. لكنه غير كافٍ على الإطلاق لكي نقول بثقة إننا نسير في الاتجاه الصحيح.

في كل الأحوال، فإن الإبداعات تسقط في بئر الصمت‏,‏ إذ لا توجد أي مواكبة نقدية جديرة بالاسم لمثل هذه الأعمال‏، ‏فالمساحة المتاحة للنقد الأدبي في الصحف والمجلات محدودة‏,‏ فضلاً عن أنها لا تتمتع بطابع الانتظام‏.‏ لدينا نقاد كثيرون ولكن ربما لا توجد منابر للتعبير عن النقد‏. ولعل هذا ما دفع الروائي بهاء طاهر إلى التساؤل: "هل استقال النقد أم أنه أقيل؟"[1].

بالمثل، أفلتت منا فرصة تقديم أعمال سينمائية راقية وناجحة للتعبير عن الثورة مثلاً، أو للكشف عن أوضاع اجتماعية مختلة في العهد السابق. طغى "عبده موتة" و"الآنسة مامي" على ما سواهما. العنف والضحك، بأسلوب سطحي مثير للشفقة.

أما المؤسسات الثقافية التابعة للدولة فقد أعلنت وفاتها إكلينيكيـًا، ورقدت في غرفة الإنعاش، محاطة بأجهزة تحاول دون جدوى إعادتها إلى الحياة.

ثم لنا أن نتساءل: ما جدوى الكتابة والنشر في بلاد يعجز الجزء الأكبر من مواطنيها عن فعل القراءة نفسه؟ ما قيمة قصيدة أو رواية أو مقال، حين النصّ كدمعة تتوهّم نفسها نهرًا، وتهدر في رمال لامتناهية؟ ما غاية الكتب والمواقع والبحوث، حين الذين نودّ مخاطبتهم عبر ما ندوّنه، على ضفّة أخرى، منهمكين في ملاحقة لقمة العيش، مخدّرين بالألم وأحلام اليقظة والخرافات؟[2]

ومن الجلي أنه، إلى جانب مشكلات الأمية والعزوف عن القراءة وأوضاع دور النشر وأولوياتها، هناك قضايا أخرى شائكة تتعلق بعزلة المثقف ونخبويته، ورفضه التحاور مع "الآخر" – سواء أكان قارئـًا عاديـًا أو مثقفـًا يختلف معه في الرأي والمواقف- ومد جسور التواصل، حتى يتسنى ردم الفجوات والتقارب قدر الإمكان، والعمل معـًا من أجل إنتاج ثقافة أوسع انتشارًا وأكبر تأثيرًا وأعلى قيمة.

إن انحباس المثقف في دائرته الضيقة لا يمكنه من ممارسة أدواره بموضوعية، ولكنه عندما يخرج من إطاره الذاتي للتفكير إلى الإطار الاجتماعي، فإنه يستطيع ممارسة أدواره بموضوعية - فمن خلال الإطار الاجتماعي للتفكير يتطور تفكير المثقف؛ لأنه ينظر للواقع كما هو لا كما يريد المثقف أن يراه- ويتمكن من التعرف على المشكلات الحقيقية التي عانى منها المجتمع، لا التي يتصور أن المجتمع يعاني منها. ولا  يعتبر عيبـًا ثقافيـًا ولا أخلاقيـًا قيام المثقف بالتراجع عن أفكار كان يتصور أنها عملية أو مناسبة أو حقيقية، بتغييرها أو تطويرها لتصبح لديه أفكار أخرى؛ لأن المثقف يتعامل مع أفكار من طبيعتها قبول التطور والتغير والموت والازدهار، بل من الأجدى والأجدر بالمثقف ممارسة المراجعة لا عدم المراجعة.

المهم هو أن مراجعة المثقف لأفكاره لا تعني أن يصبح المثقف بهلوانيـًا، له قدرة عالية على التأرجح والتنقل والتقلب بين الأفكار المتعارضة وقت شاء وبسرعة، فلا بد أن تخضع مراجعة الأفكار لشروط موضوعية أكثر منها رغبة ذاتية، أو تأزمـًا ذاتيـًا مستمرًا قد يعاني منه المثقف[3].

هذا تلخيص شديد في وصف حالتنا الثقافية.

الحل؟

يجب أن نعيد النظر في خطط الاهتمام بالإبداع الثقافي ككل، من أدب وسينما وفن تشكيلي، إلخ. مطلوب أن نقدم دراسات ونقيم ورشات عمل لدراسة فن الغرافيتي مثلاً، الذي ازدهر منذ انطلاق قطار الثورة. علينا ـن نشجع هذا الفن وأن نستثمره، بدلاً من اتخذا مواقف عدائية على غرار ما فعله مدير أمن الإسكندرية اللواء خالد غرابة، حين أعلن في مايو 2012، أن الشباب الذين يرسمون على الجدران معرضون للحبس لمدة ثلاث سنوات بتهمة "إتلاف المرافق والمنشآت العامة"، أو على شاكلة ما جرى في محيط مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان المسلمين في المقطم، بسبب رسم على الأسفلت. لقد واجه فن الجرافيتي معركة شرسة وصفته بـ"الفن الوقح"، بعد أن كان دفتر أحوال يوميات الثورة، وتعامل النظام الحاكم معه كعدو يجب القضاء عليه، فالنظام يعلم مدى تأثير هذا الفن التلقائي الثقافي القوي فيمن يسيرون في الشارع، من شباب وأطفال وكبار، نساء ورجال، بسطاء ومتعلمين، فقراء وأغنياء[4].

نحن بحاجة إلى استثمار مفهوم الحرية - أحد أهم شعارات ثورة 25 يناير- بالبحث عن المواهب ورعايتها، وتنظيم مسابقات أكثر نزاهة وجدية لمنح الجوائز لمستحقيها. يتعين أن نلمس جهدًا أكبر لرعاية الفنون البصرية، والأعمال المسرحية، لا أن نراوح في مكاننا ونبقى محلك سر، ونشكو الظروف.

التغيير الآن ثقافيـًا، أو يستمر التراجع الفكري والإبداعي إلى حين.

هوامش

[1] ليلى الراعي، بهاء طاهر: أراهن على شباب الروائيين، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 13 مايو 2007.
[2] سوزان عليوان، الكُتّاب والكُتّاب، جريدة "الشروق"، القاهرة، 28 فبراير 2013.
[3] زكي العليو، المثقف.. مداخل التعريف والأدوار، دار الانتشار العربي، بيروت، 2009.
[4] أحمد الهواري، "الجرافيتي".. أن تترك تاريخك لتقييم المارة في الطريق، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 28 مارس 2013.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "في بئر الصمت"

أكتب تعليقا