دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة

| |

 
كان لا بدّ من وضع هذا الكتاب.
ليس فقط لأن الألتراس أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من المشهد الكروي والاجتماعي والسياسي في مصر، بل وجزءًا من نسيج الحركة الوطنية التي تتفاعل مع الأحداث وتشارك في تشكيلها، وإنما أيضـًا لأن تجربة الألتراس في مصر حفرت عميقـًا في ذاكرة المصريين ونفوسهم، رغم سنوات عمرها القليلة نسبيـًا.
ويمكن القول باطمئنان شديد إن الألتراس يمثلون واحدة من القوى القليلة المنظمة على الساحة المصرية الآن، وبالتالي فإن هذا الثقل دفع خصومهم إلى العدول عن مواقفهم ومراجعة آرائهم حيال روابط خرجت من رحم ملاعب كرة القدم، لتعلن ميلادها الفاعل في شوارع مصر وميادينها.
ولا يخفى على أحدٍ محاولات الاستقطاب التي تتعرض لها جماعات الألتراس، بقصد احتوائها وتحريكها في اتجاهاتٍ بعينها. غير أن مدى نجاح تلك المساعي يظل بحاجةٍ إلى مزيد من الوقت للحكم على مدى نجاحه أو فشله، في وطنٍ يعيش مرحلة إعادة ترتيب البيت من الداخل وإعادة رسم التحالفات في ضوء التغيرات المتلاحقة التي نصحو على وقعها في مصر كل صباح.
وربما كنت أحد المحظوظين بالإشارة في وقت مبكر إلى جماعات الألتراس وجذور تلك الظاهرة في كتابي "حروب كرة القدم". غير أن التطورات المتلاحقة والتفاصيل الجديدة التي ظهرت عن هذه الجماعات وأدوارها وتأثيراتها في المشهد العام في مصر، بدت لي دافعـًا قويـًا للإقدام على وضع الكتاب الذين بين أيديكم، ليحكي قصة الألتراس في مصر على لسان كثير من أبطالها وشهود تفاصيلها، والأسفار التي مرت بها تلك الروابط على امتداد خارطة المحروسة.
ومع أنه من المتعذر التزام الحياد في حالة ترتبط بالحماس وكرة القدم والثورة والمذابح والمطالبة بالقصاص، فقد حاولنا جهدنا أن نكون موضوعيين قدر الاستطاعة، وحرصنا على اتباع أسلوب التوثيق، حتى يكون هذا الكتاب مرجعـًا يبني عليه من يأتي بعدنا، ويضيف إليه ويصوب ما قد يتضح أنه مخالفٌ للحقيقة أو يجانب الصواب.
يبقى أن قصة بهذا الحجم وبمثل تلك التفاصيل، أكبر من أن يضمها كتابٌ واحدٌ بين دفتيّه، خاصة أنها تتناول في أحد جوانبها تفاصيل دماءٍ زكية أريقت ظلمـًا وعدوانـًا، وتطلب القصاص العادل من الأيدي المجرمة وتلك التي حرضت على وقوع مذبحة استاد بورسعيد التي أوجعت قلوبنا جميعـًا. إن الدماء التي أريقت والدموع التي انهمرت في تلك المجزرة أو بسببها، ليست سوى قطرات في نهر الدمع الطويل الذي شقته دماء المصريين عبر السنين، ثمنـًا لمواقف الدفاع عن الوطن والذود عنه في مواجهة يد البطش وآلة القمع الظاهرة والمستترة على حد سواء.
لكن عزاءنا الوحيد هو أن روح الألتراس تنمو مثل زهرة ياسمين في ملاعب الكرة وميادين الثورة في مصر، وأن الإصرار على إحقاق الحق وتطبيق العدالة الناجزة يعتمل في صدور الأحرار، يبعث على الاطمئنان إلى مسيرة المستقبل.
إن تجربة الألتراس تُعلّمنا قيمـًا غابت عنا طويلاً، ودروسـًا جوهرية، لعل أهمها هو أنه ما ضاع حقٌ يقف وراءه مطالب، وأن أية نقطة دم تسيل بغير ذنب هي في رقبتنا جميعـًا.. وهذا وحده سبب كافٍ للتأمل والتدبر في تلك التجربة التي جمعت بين الرياضة والسياسة وانتمت إلى المجتمع الذي نبتت في تربته وامتزجت مع طمي نيله.
وإذا كانت روابط الألتراس تسير على خيط الحماسة وتندفع أحيانـًا باتجاه السياسة، وسط تحذيرات من خطورة استقطابها أو تحولها إلى ميليشيات منظمة تطبق وتنفذ مطالبها بالقوة، بعدما أصبحت بالفعل أداة ضغط على الجميع، فإن المخرج الوحيد من هذا السيناريو المخيف هو مد الجسور وفتح باب النقاش حول صورة المستقبل وأدوات التحرك وضوابط التشجيع.
لعل آخر ما يهدف إليه هذا الكتاب هو أن يسبغ على شباب الألتراس صفات ملائكية، أو تحويلهم إلى شياطين، لكن أول ما ندعو إليه هو نزع الأساطير المؤسسة عن تلك الروابط، والاقتراب بشكل هادئ من أفكارها، قبل شن حرب الاتهامات والصور الذهنية الزائفة عن المنتمين إليها. هذا الفهم ضرورة وليس ترفـًا بأي حال من الأحوال، حتى يكون الرأي المنصف عنوانـًا للحقيقة ولا شيء سواها.
إن أبناء مجموعات الألتراس، يستحقون أن نسمعهم، لا أن نمنعهم. بل إنه ينبغي أن نحاورهم وندرس شؤونهم وشجونهم ونوظف طاقاتهم الشبابية على النحو الأمثل؛ لأنهم إذا تُركوا دون أن ينصت إليهم أحد سوف تعاني مصر مشكلات وأزمات تتدحرج مثل كرة اللهب.
أرجو للجميع قراءة ممتعة لحكايةٍ مصرية صميمة تجترح كل يومٍ معجزاتٍ صغيرة.
 

من مقدمة كتاب " دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة"، دار اكتب للنشر، القاهرة، 2013
تجدونه في: مكتبات الشروق، وديوان، وليلى، والبلد، والكتب خان - مصر


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة"

أكتب تعليقا