تاريخ الملائكة

| |


 
 
نحن لا نعرف حقـًا الشخصيات التي شكلت وجدان المصريين ولعبت دورًا مؤثرًا في تاريخنا بشكل أو بآخر.

معظم ما نعرفه عنهم هو ما أوردته مناهج دراسية تحتاج إلى مراجعة، وكتب ترى التاريخ وترويه بعين واحدة، إما المديح المريح أو القدح الصريح، فلا تجد من يقول لك عن هؤلاء حقيقة ما جرى في كثير من شؤون حياتهم الخاصة والعامة.

ولذا، نجد الأعمال الفنية والتراجم التي تتناول حياة هؤلاء، منزوعة الدسم، تخفي الحقائق، وتداري النقائص، كما لو أنه من العيب أن نرى الجانب البشري من تلك الشخصيات دون تأليه أو تقديس.

نحن ننسى أن هؤلاء بشر، وليسوا ملائكة، فإن أصابوا استحسنا عملهم وإن أخطأوا تعين أن نشير إلى هذه الأخطاء حتى يدركها من يأتي بعدهم.

يتجاهل كثيرون مثلاً حكاية مرشد الإخوان المسلمين حسن البنا وفصله صديقه أحمد السكري - الذي يقال إنه كان المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين- بعد توجيهه اتهامات للبنا، منها التستر على التهمة التي نُسبت إلى صهره عبدالحكيم عابدين، من تهمة التحرش بعضوات الجماعة. خرج السكري وكتب سلسلة مقالات هاجم فيها البنا بعنوان "الشيخ الكذاب"، في حين بقي عابدين، على الرغم من إدانته في تحقيق داخلي أجرته جماعة الإخوان المسلمين. وبلغ الأمر بأن خاطبه الشيخ مصطفى نعينع بعد فصله من الجماعة مذكرًا بموقفه من جريمة صهره، قائلاً: "وها هي البراهين الدامغة التي تثبت ما ارتكبه (عبدالحكيم عابدين) من آثام اعترف بها وأدان نفسه، واعترفت أنت بها وأدنته، وواجب مكتب الإرشاد فصله، وبعد ذلك أبقيته - لسرٍ لا نعلمه- وضحيت برجال الدعوة الأخيار" (جريدة "صوت الأمة"، القاهرة، 19 نوفمبر 1947).

ولا يدري الناس كثيرًا عن مرحلة الشك في العقيدة الدينية التي مر بها سيد قطب، ودعوته إلى التحرر الأخلاقي، ومن ذلك مقال نشره في "الأهرام" بتاريخ 17 مايو 1934، دعا فيه دعوة صريحة إلى العري التام، وأن يعيش الناس عرايا كما ولدتهم أمهاتهم.

وقد كتب في عام 1951، أي في عز مجد جماعة الإخوان المسلمين، قائلاً: "الفتاة.. تعرف جيدًا موضع فتنتها الجسدية، في العين الهاتفة والشفة الظامئة والصدر الناهد والردف المليء والفخذ اللفاف والساق الملساء وهي تبدي هذا كله ولا تخفيه، والفتى.. يعرف جيدًا أن الصدر العريض والعضل المفتول هما الشفاعة التي لا ترد عنه كل فتاة".

أما قصة زعيم الأمة سعد زغلول مع القمار، فهي من الأمور المسكوت عنها.

في إبريل عام 1913، يقول سعد زغلول: كنت قبل 12 سنة أكره القمار، وأحتقر المقامرين، وأرى أن اللهو من سفه الأحلام واللاعبين من المجانين، ثم رأيت نفسي لعبت وتهورت في اللعب، وأتى عليّ زمان لم أشتغل إلا به ولم أفكر إلا فيه ولم أعمل إلا له ولم أعاشر إلا أهله، حتى خسرت فيه صحة وقوة ومالاً وثروة.

ويقول سعد زغلول الذي وقع تحت طائلة ديون كثيرة بسبب لعبه القمار: "ما كنت أصغي لنصائح زوجتي ولا أرق لتألمها من حالتي ولا أرعوي عن نفسي"، ويضيف في مذكراته التي حققها د. عبدالعظيم رمضان: إني أوصي كل من يعيش بعدي من لهم شأن في شأني، أني إذا مت من غير أن أترك اللعب ألا يحتفلوا بجنازتي ولا يحدوا علي ولا يجلسوا لقبول تعزية ولا يدفنوني بين أهلي وأقاربي وأصهاري، بل بعيدًا عنهم وأن ينشروا على الناس ما كتبته في اللعب، حتى يروا حالة من تمكنت في نفسه هذه الرذيلة وبئست العاقبة".

أما زعيم الوفد مصطفى النحاس، فقد كان شديد النظافة إلى حد الوسوسة من الميكروبات، حتى إنه لم يكن يلمس الدواء بيده وإنما ينقله بمشبك بعد تطهيره في كل مرة قبل تناوله.

ومع أواخر صيف 1951، كان مصطفى النحاس باشا غائبـًا في عالم خاص به وصفه السفير البريطاني السير رالف ستيفنسون يوم 15 يونيو 1951 في خطاب إلى هربرت موريسون وزير الخارجية البريطاني قائلاً:

"إن النحاس (باشا) لا يقوم بأي عمل على الإطلاق، ويبدو من كل ما أسمعه أنه يقضي معظم يومه في الحمام، فقد أُصيب بمرض النظافة، ويضَيع ساعات في العناية ببدنه، والواقع أن برنامجه كما بلغني من أقرب الناس إليه أنه منذ استيقاظه وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف موجود في غرفة النوم أو في الحمام" .

بلغت وساوس النحاس الصحية أشدها، حتى إنه عندما كان يضطر إلى الخروج من بيته لمناسبة لا يستطيع أن يتخلف عنها، كان يتبعه باستمرار سكرتير (وأحيانـًا ضابط من حراسته الخاصة)، يحمل زجاجة كولونيا لكي يغسل بها الباشا يديه (محمد حسنين هيكل، سقوط نظام!: لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة؟).

هناك صمت مطبق حول دور الرئيس جمال عبدالناصر في فتح السجون أمام معارضي النظام - حتى أنه صدر في عهده نحو 14 ألف أمر اعتقال- وممارسة جرائم التعذيب في المعتقلات، وكذا تدبير حادث الاعتداء بالحذاء على رئيس مجلس الدولة عبدالرزاق السنهوري باشا. وقد قال خالد محيي الدين في مذكراته "والآن أتكلم" إن عبدالناصر أبلغه بأنه هو الذي حشد هذه الجموع الغاضبة في أحداث أيام مارس الأخيرة للتعبئة ضد المسار الديمقراطي المقترح، "وقال بصراحة نادرة: لما لقيت المسألة مش نافعة قررت أتحرك، وقد كلَّفنا الأمر أربعة آلاف جنيه".

ولما علمت رائدة تحرير المرأة، هدى شعراوي، بزواج ابنها الوحيد، محمد علي شعراوي، من المطربة فاطمة سري، ثارت ثورة عارمة واتهمت ابنها بأنَّه يحاول قتلها بهذا الزواج، وحاولت الضغط على المطربة بما لها من نفوذ وعلاقات واسعة، بالتهديد بتلفيق ملف سري في شرطة الآداب يتهمها بالدعارة.

وفي الفترة من 27 ديسمبر 1926 إلى 25 إبريل 1927 نشرت فاطمة سري مذكراتها في مجلة "المسرح" الأسبوعية، قائلة إنها "عادت إلى العمل لكي تربي وتطعم حفيدة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي والمرحوم علي باشا شعراوي".

وتقول فاطمة سري في مذكراتها "ولا يدهشني أكثر من أنها (هدى شعراوي) تقف مكتوفة الذراعين أمام ابنها وهي ترى سيدة تطالب بحقها وحق ابنتها، في حين أنها تملأ الصحف المحلية والأجنبية بدفاعها عن حق المرأة".

وإذا كان التاريخ لا ينكر دور نبوية موسى في مجالات التعليم والتربية، فإن رؤاها السياسية كانت مثيرة للدهشة والتعجب، ومن ذلك قولها في مجلتها الشهيرة "الفتاة" ما نصه: "أما في بلاد كمصر لم يسبق لها عهد بالدستور، فإن الحكم الديكتاتوري خير لها من الحكم النيابي، خصوصـًا إذا كان الديكتاتور لا ينتمي إلى حزب من الأحزاب".

هذه بضعة أمثلة على تاريخنا المسكوت عنه، ما كان أحوجنا إلى أن نعرفه بصدق وأمانة، حتى تكتمل الصورة.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "تاريخ الملائكة "

أكتب تعليقا