موت "التوك شو"!

| |

 
 
في مصر، "التوك شو" علينا حق!
فإن كنت من المهتمين أو المضطرين إلى متابعة أي من قنوات التليفزيون في مصر، سواء أكانت حكومية أم خاصة، سياسية أم رياضية، عامة أم دينية، فإن شبح برامج "التوك شو" سيحوم داخل مساحة الشاشة، وينقض عليك كأنه قدرٌ محتوم.
بوسعك طبعـًا استخدام جهاز التحكم عن بُعد، لكن "الريموت كونترول" لن يرحمك، وستجد نفسك تنتقل من مضيف إلى آخر، كلهم يجارون السائد ويتحدثون عن الموضوع ذاته، في حين يتنقل الضيوف من هذه القناة إلى تلك، ومن هذا البرنامج إلى ذاك، على اعتبار أن "المصلحة واحدة" و"كله في مدينة الإنتاج"!
في الغالب الأعم، سيكون المحاور أو المضيف جالسًا إلى طاولة ما، ليتحدث نصفه العلوي إلى الجمهور مباشرة، في محاضرة أو عظة أو وصلة ساخرة، وإن لزم الأمر فلا بأس من استضافة ضيف أو أكثر للحوار، مع مداخلة هاتفية وقت اللزوم. ولن يكون بوسعك أن تقاوم الدهشة وربما الضحك حين تجد المضيف الحائر ما بين شهوة الكلام وضرورات الفاصل الإعلاني، يطلب شايـًا أو قهوة على الهواء، أو يسأل زملاءه "هل التسجيل جاهز؟"، أو يكلم شخصية غامضة في غرفة التحكم عبر سماعة الأذن طالبـًا منه التزام الصمت حتى يسمع ضيفه، أو مقترحـًا فكرة أو ضيفـًا لحلقة مقبلة، مع الإشارة بين الفينة والأخرى إلى تعليقاتٍ ظريفة يرددها على مسامعه المخرج أو المُعد في غرفة التحكم!
هكذا صنع المصريون آلهة من تمر اسمها "التوك شو" المصري، على نسق "تكلم براحتك"!
وفي حقيقة الأمر، إن هذا أولاً ليس "توك شو" بالمعايير المتعارف عليها في الإعلام على المستوى العالمي. فلا نحن نقدم شكلاً يقترب مما يقدمه مضيفون مخضرمون مثل ستيف ألن وجاك بار وأوبرا وينفري وإد سوليفان ورش ليمبو، ولا نحن وضعنا ضوابط مهنية لهذا القالب من البرامج. نستطيع القول إن ما نراه الآن في مصر ليس إلا محاولة تجريدية أو حتى تكعيبية لتطوير مفهوم "المصطبة" الشهيرة في الريف، والتي كان الرئيس أنور السادات من عشاقها خلال زياراته المتكررة لقريته ميت أبوالكوم.
الطريف أن برامج "التوك شو" قد بدأت في الغرب في خمسينيات القرن العشرين، وأخذت في التراجع والانحسار تدريجيـًا، باستثناء برامج "توك شو" السهرة – ذات الطبيعة الساخرة والاسكتشات الكوميدية- التي يقدمها مضيفون مثل جاي لينو وديفيد ليترمان وجون ستيوارت وجيمي فالون. في الفترة الأخيرة، بدأت تلك النوعية من البرامج تختفي من التليفزيون لتظهر على راديو الإنترنت، والمدونات مثلBaugh Experience.
لكننا في مصر نتعامل مع هذه البرامج كما لو أنها "اكتشاف" العصر، ونفرط في استخدامها كأنها من أحدث القوالب الإعلامية في الراديو والتليفزيون على حد سواء.
والجمهور المغلوب على أمره يتساءل: هل كُتب علينا أن نتخلص من تليفزيون المنوعات ومذيعات الربط وجملة "سيداتي آنساتي سادتي"، لندخل في عصر اللون الواحد كأنه زي المنتخب القومي؟!
أين القوالب الأخرى؟ أين الصحافة الاستقصائية؟ أين القنوات الإخبارية؟ بل أين باقي محافظات مصر من تلك البرامج النائمة في حضن مدينة الإنتاج الإعلامي مركزة على العاصمة، ولا تقدم شيئـًا يُذكر من محافظات الدلتا والصعيد والمحافظات الساحلية إلا في مناسباتٍ نادرة، ذرًا للرماد في الأعين.
أما الحديث المباشر إلى الجمهور، فحدِّث ولا حرج.
إن برامج "التوك شو" في مصر لم تكتف بأن تكون "التطور الطبيعي للحاجة الساقعة"، فتستغني من الأصل عن الجمهور – ربما باستثناء باسم يوسف- أو تتحدث بلغةٍ عربية رصينة مفهومة للمشاهد العربي – مثلما يفعل يسري فودة- وإنما قدمت وصفة المضيف المتحدث مباشرة إلى الكاميرا بطريقة خطابية أو لجلجة تجعلك تحار أحيانـًا في المعنى المقصود. لا عجب إذن أن يجد بعض رسامي الكاريكاتير والرسوم المتحركة في أمثال هؤلاء وجبة دسمة تستحق تسجيلها وتجسيدها في أعمال فنية.
في برامج "توك شو" السهرة في أمريكا مثلاً، قد يستهل المضيف حلقته بحديث مونولوج – عادة ما يكون ساخرًا- ثم يشرع في استضافة ضيوفه واحدًا بعد الآخر أو على شكل مجموعة. نادرًا ما تكون السياسة هي المحور، لكن هذه البرامج تستضيف رؤساء دول وشخصيات عامة ونجومـًا من العيار الثقيل، لتتحدث عن جوانب جديدة وخفية من حياتهم ونشاطهم الإنساني أو الخيري.
وإذا كانت برامج "التوك شو" التليفزيونية في أمريكا تستضيف عادة مشاهير لتناول أحدث أعمالهم أو أنشطتهم أو الحديث عن حياتهم الشخصية، وتلك التي في اليابان تنظم جلسات حوار تُدعى "توكو بانغومي" في أوقات الذروة في القنوات الرئيسية الأربع هناك، ويشارك فيها عدد من الكوميديانات والمشاهير.. فإننا في مصر اخترنا أن يكون مضيفو تلك البرامج، ومعظمهم رؤساء تحرير صحف حاليون أو سابقون أو من رموز إعلام غابر – إلا من رحم ربي- ممن لا يمتلكون خبرات حقيقية في عالم التليفزيون، فلا هم يعرفون الكثير عن التصوير أو المونتاج أو باقي تفاصيل هذا العمل. هم فقط جلسوا على الطاولة إياها وتحدثوا. بعضهم أجاد، وكثير منهم وقعوا في الفخ فأطلقوا أحكامـًا غير مهنية، ورددوا معلومات سرعان ما يتبين عدم صحتها أو دقتها، مع بروز مثال الصحفي/الناشط السياسي الذي يخلط بين دوره المهني في استقصاء الأخبار والمعلومات أو ما يعتقد أنه يشكل الحقائق النسبية في موضوعه وبين دوره التنظيمي أو السياسي.
وفي هذا السياق، يرصد الباحث القدير نبيل عبدالفتاح في كتابه "النخبة والثورة: الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية" حالة من السيولة والإثارة والاستعراضات السياسية واللفظية والمرئية في برامج الحوار السجالية، وانتشار ظاهرة المحاكمات الموازية التي يجريها الإعلام وبعض أهله والبرامج الحوارية والأحرى السجالية الصاخبة على بعض الفضائيات، ما أدى إلى إثارة بعض شرائح الرأي العام، وأهالي المجني عليهم ضد قضاء الدولة وقضاتها، على نحو أدى إلى زعزعة الثقة في الجماعة القضائية، وكيل الاتهامات القاسية إلى بعض القضاة.
وهذا غيض من فيض.. يا أهل "التوك شو"!


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

1 التعليقات على "موت "التوك شو"!"

أكتب تعليقا